torath 299- Sep - 2024

الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل

الفزعة: إرث حضاري أصيل في حياتنا

سرور خليفة الكعبي احتوى التراث الإماراتي والخليجي والعربي الأصيل بشكل عام، العديد من المعاني والقيم الحياتية التي جسدت عبر الزمن، المعاني الحقيقية لمفهوم الإنسانية الحقة، واحتوى القاموس العربي على مفاهيم شك ّّلت الهوية العربية الخاصة بين الأمم، ما أكسب الإنسان العربي الاحترام والتقدير من جميع الأمم على هذه الأرض، فكانت هذه المفاهيم التي اعتبرها الإنسان معايير وأساليب حياة، كانت في أمم أخرى أمنيات وتطلعات اجتماعية صعبة المنال. وعلى الرغم من أن الفزع يعني الخوف الشديد والقلق، فإن مفهوم الفزعة الذي نتحدث عنه لا يخلو من الخوف والفزع، غيرأنه يكون بخوف الإنسان من التلكؤ والتأخرفي تقديم المساعدة لمن يحتاجها في وقتها، لذا فإن هذا الإنسان يسارع في تقديم العون كمسارعة المفزوع الهارب من خوف ما قد يلحقه من لوم إن تأخرعن تقديم هذه المساعدة، وهويسمع الشخص (يستفزع) أي يطلب الفزعة ويستنجد.

فزعاتهم التي ي ُُشار إليها بالبنان لكل محتاج في هذا العالم. وهاهي الفزعة تستمر إرثا حضاريا وتراثيا وثقافيا على مر الأجيال، وليس أجمل من أن يفزع المرء لنصرة بلاده وقيادته ومن يستجير به، وفي عهد قريب من التاريخ الحديث مازلنا نذكر الفزعة الكبرى التي قام بها شباب الوطن جميعهم على مختلف مشاربهم لنصرة الكويت ورد العدوان عنها، حتى فزع أهل الإمارات لنصرة أهلنا في اليمن، ناهيك عن الفزعة لنصرة الإنسانية في لبنان وكوسوفو وأفغانستان والكثير غيرها من البلدان في العالم، والتي لم تقتصر على الوقفة العسكرية الحازمة فحسب، ولكن امتدت لتشمل تقديم المساعدات الغذائية والدوائية العلاجية، وكذلك الفزعة لضحايا الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات والأوبئة والأمراض. إن الفزعة لهي الشرف الكبيرالذي يستشعره الكريم في تقديم كل ما يستطيع من عون لنصرة المستضعفين والمحتاجين في ساعة العسرة، وهي البذل الذي يجمع أبناء المجتمع الواحد

من هذا المنطلق كانت الفزعة من أساسيات الحياة في بلادنا وتاريخنا وإرثنا الحضاري العريق الذي تناقلته الأجيال، فالفزعة هي الوقوف عند الحاجة وبدون دعوة وبدافع ذاتي إلى جانب ليس من تربطك به عصبة الدم أوالنسب فقط، ولكنها النخوة المبذولة لكل من يحتاج العون وفي أشد الأوقات صعوبة أو إلحاحاًً، فالمنقطع في الصحراء يحتاج إلى (فزعة) كل من يمكنه المساهمة في البحث عنه ونجدته وإعادته إلى أسرته وإنقاذ حياته، كذلك الغريق والحريق، وكل من يقع بضوائق الدهر التي يعجز عن مواجهتها منفرداًً، ومن أجمل الجمل التي يقولها الإنسان الإماراتي في هذا قولهم «افزع خويك»، أي أسرع لتقديم المساعدة له فهو في أمس الحاجة إليها، ومن أجمل المديح قولهم: والنعم بفلان ما قصر فزع لنا، أي قدم مساعدته دون طلب. والفزعة ليست مستحدثة فهي فزعة الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم لأصحابه المستضعفين، وكذلك فزعة المعتصم الشهيرة، وفزعة طارق بن زياد، وغيرهم

الكثيرون في تاريخنا العربي المشرف، ومن تاريخنا المحلي لا ينسى أهل الإمارات فزعة الشيخ سعيد بن طحنون الأول لأهل ليوا، وفزعته لسلطان ع ُُمان أيضا ًً، والكثير الكثير غيرها لشيوخنا الكرام وعلى رأسهم باني هذه البلاد ومؤسسها المغفور له- بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - الذي لم يدع زاوية من زوايا هذه البسيطة إلا وكانت له بصمات واضحة من الفزعة التي قدمها للدول والأمم في بعد 1973 العالم، ومن أروع الأمثلة فزعته للعرب في حرب عام أقل من عامين من قيام دولته، فقام بواجبه العروبي والإنساني بالوقوف إلى جانب الحق وتقديم الفزعة لأمته العربية في حربها، في وقت لم يكن لديه ما يمكن تقديمه، فأقدم على الاقتراض لكي يقوم بذلك الواجب، دون أن يعير التهديدات والتحذيرات أي اهتمام أو تردعه عن القيام بما يمليه عليه الواجب والحق، فكانت فزعته مضرب الأمثال وستبقى، وعلى هذا النهج سار أبناؤه من خلفه، الذين لم يتوانوا عن تقديم

21

20

2024 سبتمبر 299 / العدد

الفزعة: إرث حضاري أصيل في حياتنا

Made with FlippingBook Ebook Creator