الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
الفزعة الإماراتية: بين الأصالة والقيم في التراث الشعبي
أحمد عبد القادر الرفاعي الشعرالنبطي صورة صادقة لعادات أهل البلاد وأخلاقهم الأصيلة وتقاليدهم الرفيعة، نستطيع من خلاله التعرف على واقعهم وانتمائهم وهوية سلوكهم وثقافتهم، وهو بالتالي ترجمة لهذه العادات والتقاليد بما تحمله من جذور الأصالة حيث الفخر والكرم والانتماء، وهو مصدر الفضائل والمكارم ومنبعهما، وليس أصدق منه في تصوير القيم المجتمعية ووصف المجتمع بتفاصيله كلها، وليس أوفى منه في حفظ تراث الشعوب وهويتهم المعرفية والفكرية فهو انعكاس لوعي المجتمع ومقومات الوجود من ثقافة ولغة وهوية وانتماء وأخلاق وعادات وغيرها، وقد كانت الفزعة بكل معانيها وأهميتها ظاهرة في الشعر النبطي في الإمارات تعب ّّـر عن القيم النبيلة المتوارثة منذ قديم الزمان والمتأصلة في المجتمع الإماراتي، والتي أسهمت في التكاتف والتعاون والإخاء بين أبناء الشعب الإماراتي، وغرست في نفوس الأجيال الحالية روح النجدة لنصرة المظلوم وتقديم يد العون إلى خارج الدولة لتشمل إخوانهم العرب والمسلمين والأصدقاء في إطار الإنسانية، وقد حمل لنا أدب أهل الإمارات بأشكاله وتجلياته كلها هذه القيمة الأصيلة بأبهى الصور وأجمل العبارات، فالفزعة فضيلة من الفضائل الموروثة في أخلاق الشعب الإماراتي إلى جانب الكرم والسخاء والعطاء والجود والتكافل والتكاتف من أجل نصرة المظلوم وهو ما يبرز قيم الشجاعة وحب الخير للآخرين.
في بوتقة ينصهر فيها ليقدم أروع النماذج من البذل والعطاء، ولا يقتصر هذا المنح والعطاء على الأموال والفزعات العينية، ًًا ولكن يشمل ذلك الدعم المعنوي الذي قد يكون أكثر تأثير من المادي في أحايين كثيرة، لذا فإن الوقوف مع الجار في الشدائد والمحن وكذلك الأفراح والمناسبات السعيده، تكون ذات تأثيرات إيجابية كبيرة تمتد إلى الأجيال القادمة. وقد نهل أهل بلادي من تراثهم العريق القيم الأصيلة لمبادئ فزعة الملهوف وإغاثة المستضعف ونصرة الحق، كما هي الحال في فزعة الصديق والأخ عند الحاجة وفي حالات الفرح والسعادة والمناسبات السعيدة، وقد ضرب لنا الأولون أروع الأمثلة في الفزعة والوقوف إلى جانب المحتاجين عند اللزوم، فكانوا يتعاونون في الأعمال كلها التي تتطلبها عمليات الزراعة وبناء المنازل والأعراس وكذلك عند الديّّات والمطالبات، وعند المصائب كاحتراق المنازل أو غرق المحاصيل بالأمطار وغيرها من الأوضاع الصعبة، فكانوا كالجسد الواحد في مواجهة تلك الأزمات التي تمربهم. وفي الوقت الماضي كان الناس يعتمدون على بعضهم لتوفير الأمن والحماية ضد إغارة الأعداء عليهم وسلبهم أموالهم، فكانوا يضعون أبراج الحراسة على الطرقات ومداخل المدن والقرى لتحذير الناس من الإغارة والهجوم عليهم، وكانوا يطلقون على مََن يطلق الإنذار (مصيّّح) حيث يصيح بأعلى صوته أو يطلق النار تحذي ار لهم، كما يطلق الكثير من عبارات طلب الفزعة لصد الهجوم والعدوان. وفي أيامنا هذه وبتوافرالأمن والأمان، تحو ّّلت الفزعة إلى تقديم العون للمحتاجين للمساعدات العاجلة، فليس مستغربا رؤية
الجموع الكبيرة من المتطوعين عند حدوث الأنواء الطبيعية، أوالقيام بالأعمال المجتمعية الخاصة بحماية البيئة وتنظيفها، وكذلك المسارعة في المشاركة في حملات التبرع بالدم التي تنظمها الجهات الصحية، باعتبارها من مظاهر الفزعة التي يقدمها عيال زايد لإخوانهم في البلاد، أو المجهودات الطبية في الخارج وتقديمها حسب الاقتضاء والحاجة أينما كانت. لقد كان هذا المفهوم والقاعدة الحياتية التي تربى عليها الآباء، هي من أكثرالسمات التي يفاخربها أبناء وطني، والتي لا يتنازلون عنها أو يتغيرون عليها، فالمسارعة إلى تقديم العون دون تفكير أوروابط لكل محتاج، ستبقى أبدا سمة عيال زايد الخيرما بقي الليل والنهار، وستبقى الفزعة مصدر الفخر والاعتزاز باحث وكاتب إماراتي المستضعفين والمحتاجين في ساعة العسرة، وهي البذل الذي يجمع أبناء المجتمع الواحد في بوتقة ينصهر فيها ليقدم أروع النماذج من البذل والعطاء إن الفزعة لهي الشرف الكبير الذي يستشعره الكريم في تقديم كل ما يستطيع من عون لنصرة
23
22
2024 سبتمبر 299 / العدد
الفزعة: إرث حضاري أصيل في حياتنا
Made with FlippingBook Ebook Creator