الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
عن اللؤلؤ، والصيادون كذلك. ويتعدى ذلك إلى المهن التي يتعاون فيها أبناء الفئة الواحدة على أداء عملهم بما تقتضيه الروح الجماعية إلى مشاريع النفع العام التي تعود فائدتها على مجتمع الفريج والقرية والمدينة بأسرها، وكانت أشكال الرعاية والخدمات الاجتماعية في مجتمع الإمارات التقليدي طواعية وأهلية ومحدودة، ونابعة من تراث ومأثورات شعبية ومبادرات إنسانية، فقد كان الناس يقدمون مساعداتهم في تلك الأعمال التي تحتاج إلى الكثير من الأيدي العاملة مثل: الزراعة، وبناء البيوت، وصناعة القوارب، وشباك الصيد وغيرها، وأوجه التعاون في مجتمع الإمارات التقليدي كانت تتم تحت ظلال تكافل الجماعات وقوة العلاقات الاجتماعية، وقد اتخذت الرعاية الاجتماعية في مجتمع الإمارات قبل الاتحاد ممارسات غير منظمة، أهمها نظام التكافل الاجتماعي الذي يستند إلى تعاليم الدين الحنيف وتعدد الوسائل في تحقيقه، مثل: الزكاة، والصدقات، وإسعاف الجائع والمحتاج، والإيثار، وبالوصية، والهدية، أو الهبة، والإعارة، والوقف، والضيافة إلى جانب الفزعة وهي إحدى أشكال التعاضد الاجتماعي التقليدية السائدة في المجتمع التقليدي كأحد أشكال التكافل المادي والتضامن الاقتصادي الأسري والقبلي عبر تقديم مختلف أشكال المساعدات الاجتماعية والنقدية، ونجد كذلك الشوفة
الموسمية والعسل والسمن، حيث تنطلق القافلة فجار في رحلة البحث عن الرزق الحلال وقد تمتد هذه الرحلات إلى أكثر من أسبوع لتصل إلى أسواق المدن الساحلية وتقطع رحلتها ذهابا وعودة في دروب جبلية ووديان وكثبان رملية في صحاري قاحلة بهدف تسويق منتجاتها الزراعية، في تلك الحقبة وعلى الرغم من قساوة الطبيعة كان الناس كالجسد الواحد جيرانا وأخوة وأنسابا تجمعهم الأماكن وتفرقهم لتعود لتجمعهم مرة أخرى. ولا تزال تلك القيم الأسرية التي توارثتها الأجيال في مجتمع الإمارات موجودة، وعلى الرغم من التطورالكبيرالذي تشهده دولة الإمارات العربية المتحدة في نواحي الحياة، فإن هذه الحداثة ظلت متصلة بأسباب رسوخها الاجتماعية متمثلة في القيم والعادات والتقاليد الأصيلة، وهو الدورالذي تضطلع به مؤسسات الدولة المختلفة في ترسيخ هذه القيم وعلى رأسها مؤسسة التنمية الأسرية التي ترأسها أم الإمارات الشيخة فاطمة بنت مبارك، حفظها الله. الفزعة في المجالس الإماراتية عرف المجلس بأنه منتدى اجتماعي بترزمن خلاله ملامح الحياة الاجتماعية ومظاهر التكافل والتواصل بين أفراد المجتمع وهو عادة إماراتية راسخة في معاني التواصل والترابط والتكافل الاجتماعي العام يناقشون يوميا فيه شؤونهم ويتناقلون الأخبار والحكايات ويسمى مجلس الشيوخ (البرزة) حيث من حق جميع أفراد المجتمع أن يحضروا المجلس ويدلوا بآرائهم في الشؤون الاجتماعية واليومية وجرت العادة أن يتم بناء مجلس الشيخ قرب منزله أو في منتصف الفريج وتتعدد أشكاله على حسب البيئة الموجودة فيها وله دور كبير في استقبال الضيوف وإكرامهم وفي التشاور والمناقشة وحل مشكلات الحي، ولكن المجالس كان دورها الأشمل في استقبال الضيوف والزوارفهي رمزللكرم والضيافة وقد عرفت مساكن بعض العائلات الكبيرة في المجتمع مجالس عدة في بيت واحد إلى جانب المجالس أو الحلقات الجماعية التي عرفتها المساجد للتدارس والتعليم، لقد كان للمجالس أثر إيجابي في حل المشكلات والخلافات بين أفراد المجتمع وخلق مزيد من الوئام بين المتنازعين بالطرق السلمية وكانت بمنزلة المدرسة التربوية للأبناء حيث
وهي المساعدات التي كانت أفراد القبيلة تقدمها بشكل طوعي بحسب مقدرة كل فرد في حالات معينة مثل إقامة الأفراح في المناسبات الدينية والاجتماعية وفي حالة غرق السفن أو حوادث أخرى وذلك لتعويض الأفراد عن الخسائر التي قد يتعرضون لها.
كانوا يشاركون آباءهم في حضور اللقاءات الجماعية، فكانت مجالس الشيخ زايد الأول مقصدا للعلم من الإمارات يتوافد عليها العلماء فيجدون عند الأب مؤسس الدولة وبانيها الكرم والتقدير في مجالسه، وكان يقابل الشخصيات التي كانت تفد عليه سواء في قصرالحصن في أبوظبي أو في محل إقامته في واحة العين وكان اهتمامه برعيته واضحا ووصف مجلسه بأنه كان ملتقى عاما فتحت أبوابه للجميع. لقد ظلت مفردة التطوع حاضرة بأشكالها كلها في المجتمع الإماراتي، وكانت الفزعة موجودة بما تجود به النفس سواء في وقت الرخاء أو الشدة مما يقوي الترابط الاجتماعي وعادة ما يتحلى راعي الفزعة بشيم عديدة تكون الحافز الرئيسي لعملية التطوع، مثل: الإيثار، والشهامة، والكرم، والشجاعة، وكانت دوافع الناس للفزعة تتمثل في ثلاثة محاوررئيسية أهمها: شح الموارد، وعدم ضمان الدخل، وغياث من يحتاجون للغوث؛ ولهذا كان الناس يتقاسمون هذه الموارد الشحيحة. ولذلك انتشرمفهوم الفزعة في المجتمعات فكانت هناك الهبة الجماعية التي استطاعت أن ترسخ مبادئ الإيثار في نفوس المجتمع. فالغواصون كانت تتجلى هذه الروح في عملهم الشاق في غياهب البحار بحثا
39
38
2024 سبتمبر 299 / العدد
الفزعة الإماراتية.. ملحمة تاريخية ملهمة للأجيال القادمة
Made with FlippingBook Ebook Creator