torath 299- Sep - 2024

الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل

شيئا لم يحدث، حيث أقبل سلطان دون مقدمات، وهم يقبل رأس صاحبه، ويبدي له الاعتذار ..... انشرحت صدور الرجال.... بتادلوا أطراف الحديث حول الجلل الذي أصاب العالم ... كان الرجال يحاولون إخراجه من سطوته عن طريق إثارة النكات والأحاديث الهزلية بغية التفريج عن صاحبهم». وفي كتابه في أدب الرحلة «الخروج من ليوا يليه في ديارالشحوح» رصد الكاتب «أمجد ناصر» سمات المجتمع الإماراتي، التي تعد امتدادا لموروثه من قيمة الفزعة، في مواجهة المشكلات، وإنهاء الصراعات عبر القوانين القديمة ذاتها، التي تُُعلي من أهمية علاقات النسب والدم وقوتها، وتعتمد على الكلمة التي تتضمنها عهود الرجال، في تطييب الخواطر وحل المشكلات. وهو ما سم ّّاه الكاتب بـ «قانون الصحراء». مهن قوامها الفزعة عمدت نصوص عديدة من الأدب الإماراتي إلى توثيق بعض المهن التراثية، التي اندثرت ولم يعد لها وجود في عصرنا هذا، وكانت الفزعة قوام تلك المهن، مثل مهنة اقتفاء الأثر، إذ كان مقتفي الأثر يفزع مستخدما مهاراته لإغائة الملهوفين، الذين فقدوا أبناءهم في الصحراء، أوفقدوا متاعهم وحيواناتهم، حتى يتمكن من إعادة ما فقدوه. كذلك برزت مهنة المطوع في كل الأعمال التي أفردت مساحات منها للتراث، فبرزفي روايات مثل «الخوف من شيء ما» لمؤلفها علي أبو الريش، ورواية «في فمي لؤلؤة» لميسون صقر، ورواية «رسائل عشاق» لفتحية النمر، وغيرها من أعمال رصدت تنوع المسؤوليات التي يتحمل أعباءها المطوع، ومن بينها الإصلاح بين المتخاصمين، والتوسط

لإتمام الزيجات، والربط بين الميسورين والمحتاجين، والعمل على وصول أموال الزكاة إلى من هم أكثر احتياجاًً. وفي تلك المسؤوليات كلها، تحضر الفزعة كقيمة تم تطويعها، فباتت لب هذه المهنة وجوهرها. ومن صور الفزعة التي رصدها الأدب أيضاًً، ما ميز المجتمع الإماراتي من تضامن في الأفراح والأتراح، وما حرص عليه أفراده من تكافل وتراحم، لا سيما في أوقات القحط، وضيق العيش. فكانوا يمدون بعضهم بعضا بالطعام، وقد ظهرت هذه العادات التي تعبّّـر عن الفزعة في روايات عديدة، مثل رواية «سيف» للكابتة الإماراتية فتحية النمر: «كان أبناء الحي لا يبخلون عن رد الجميل للأسرة في غيابه. زوجة عبد الله تجتهد في إزالة الموانع من طريق الجارة الشابة، التي تقضي غالب أيامها وحيدة بين جدران أربع، يصغر فيها الخواء بـألا تستحي من طلب المساعدة أيا كانت، وغالبًا طبخات تتقنها الجارة الخبيرة بشؤون الحياة كلها، تجيبها وهي تلمس أنفها المرتفع والمحمر: فالك طيب، ما طلبت». كذلك أبناء المجتمع يفزعون لتجهيز العروس، ولسداد دين المتعسر، وبرز حضور هذا الشكل من الفزعة في العديد من الأعمال الروائية، لا سيما الأعمال التي تناولت زمن الغوص، حيث كان الغواصة يعانون مواسم صعبة، يقل فيها الرزق ويزداد فيها الدين، فيفزع لهم أبناء جلدتهم، ويقدمون كل ما يتسنى من المال والجهد، من أجل التخفيف عن المعسرين كاتبة وصحفية مصرية

وسادات القبائل، الذين رسخوا قيمة الفزعة كدستور ينظم حياتهم، فهم كما رسمت شخصياتهم، وكما ذكرتهم كتب التاريخ - موسوعة القبائل العربية / محمد سليمان الطيب - كانوا دائما ما يمثلون صوت العقل والحكمة، يتسمون بالحلم، ويبثون الأمن والطمأنينة فيمن حولهم، ويسعون بالسلم والود لإطفاء نيران الحرب، وإنهاء الصراعات بين القبائل. كما كانوا يدفعون من أموالهم طوعا ديات القتلى؛ حقنا للدماء، وإفشاء للسلام. ويفزعون عبر سلوكهم هذا للتخفيف عن ذوي العسرة من أبناء قبائلهم، بل إنهم كانوا يتنافسون في ذلك، ويعتبرونه آيات للفخر، وعلامات للشرف والسيادة. وار بتطت الفزعة، ودور شيوخ القبائل في ترسيخها؛ بالمجالس التي تعد مظه ار أصيلا من مظاهر المجتمع الإماراتي، تاريخا وحاض ارًً. وقد نقلها الأدب الإماراتي عبر العديد من النصوص الروائية، ونقل ما كان يجري خلالها من بتاحث أبناء القبيلة في أمورهم الحياتية، وفي مشكلاتهم من أجل إيجاد حلول لها، وكذا للتضامن بعضهم مع بعض في النوائب، وفي المسرات أيضاًً، كما في رواية «الخوف من شيء ما» للكاتب علي أبو الريش» في اليوم التالي حضر الجميع واجتمعوا على حل المسألة بود. وكان شاهين يجلس في مقابل سلطان وكأن

وجهها وبدا جفناها مثل ورقة الغاف المنهكة تحت ضربات الشمس». وفي رواية «زمن السيداف»، أبرزت الكابتة الإماراتية «وداد خليفة» قيمة الفزعة، وأهميتها في الموروث الإماراتي، وكيف كانت القبائل تفزع لنصرة المظلومين، لا سيما إن كانوا من أبنائها، فعندما أُُختطف أبناء حمدة، سارعت إلى شيخ قبيلتها، الذي سعى من فوره لإغاثاتها، وأرسل رجاله لإنقاذ أبنائها. كما استدعت الكابتة موروثا من العادات، كان شيوخ القبائل يحرصون عليها، لضمان تحقيق غاياتهم في نصرة المظلومين، مثل عادة حرق طرف رسالة بعد كتابتها، ما ينم عن عدم قبول رد الطلب الذي جاء فيها. دخلت حمدة المجلس بخطى متعثرة، متجهة حيث جلس الشيخ، وطاحت عليه: دخيلك يا شيخ، شفتك وشفت السلامة، ترى عيالي شلّّوهم.. أجابها مطمئنا إياها بصوت رقيق: اهدئي يا حمدة، وصلت عند عشيرتك وسندك... أنت بنتنا واللي يصيبج يصيبنا». الشيوخ وقانون الفزعة وقد نقلت الكا بتة عبرتقنيات الوصف؛ سمات وملامح أشراف

45

44

2024 سبتمبر 299 / العدد

الفزعة في الأدب الإماراتي ... كيف وثّّق الإبداع موروثا قيميا كان دستور القبائل وقانونها

Made with FlippingBook Ebook Creator