الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
سوسيولوجيا القيم في المجتمع الإماراتي ًًالفزعة وقيم البطولة والمروءة ونجدة الملهوف رواية «ساحل الأبطال» نموذجا
يدافع عن وطنه وحريته يوصم بالعدو، ومن يدافع عن مياهه يسمى قرصاناًً، لا وألف لا، إنما القرصان من يتعدى على ممتلكات غيره ويسلب الآخرين حقوقهم.. لقد قلبت الآية واختلطت المسميات». وما من شك في أن إشادة الكاتب ببطولة القواسم وبحقهم في الذود عن حياضهم أمر مشروع، وقد عب ّّر عن أفكاره من خلال الأفعال والشخوص والمواقف الروائية الفنية التي تشكّّل معادلا موضوعيا لتلك الأفكار.
عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، أي مرحلة الدول الاستعمارية للسيطرة على طريق التجارة الهندي وإقصاء السفن التجارية العربية، وأثر هذه المساعي على الحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة عموماًً. مركز أحداث هذه الرواية هي إمارة رأس الخيمة، أما السرد فيتمركزعلى الشخصية المحورية الربان (صالح بن علي) الذي كان عائدا إلى رأس الخيمة بعد غياب ثمانية أشهر في سفرة تجارية ويرى ازدياد عدد
القضاء على قوة القواسم البحرية والبرية. ولعل اسم الرواية كذلك يحيل هو الآخر إلى بُُعد تاريخي مهم، فمن المعلوم أنه من بين التسميات التي كانت تطلق على الإمارات خلال تلك المرحلة إمارات الساحل المتصالح والساحل المهادن فجاءت تسمية الرواية متماهية مع تلك التسميات، ومستحضرة الصفة البطولية التي لازمت سياق الرواية وتوجهها العام. هذه الرواية تعد من أهم الروايات الإماراتية ذات النزوع الواضح للتاريخ وتوظيف أحداثه ووقائعه في السرد رغم اختلافهما في البنية السردية، وأسلوب التوظيف والمعالجة للنص التاريخي المعروض في حلة روائية، وهي تجسد قيم البطولة والفزعة والمروءة والشهامة. يقول في الرواية: «مرت أربع سنوات طويلة ثقيلة على أهالي رأس الخيمة بعد الحملة البريطانية، ولكنهم لم يستسلموا، أعادوا بناء مدينتهم وجندوا كل إمكانياتهم لبناء الحصون وبناء السفن، واستطاعوا خلال فترة قياسية تعويض كافة ما فقدوه من سفن وأنشؤوا أسطولا بحريا يليق باسمهم كقوة بحرية يحسب لها ألف حساب، أقضت مضاجع الإنجليز في بومباي وبوشهر، حتى إن هؤلاء القادة أطلقوا على قوات القواسم البحرية صفة «القراصنة»، ولكنهم في الحقيقة طلاب حق وأصحاب أرض وصقور البحار، يا له من زمن غريب!.. من
محمد فاتح صالح زغل جاء في الدراسات المتخص ّّصة أن: «القيم أحكام مكتس ََبة من الظروف الاجتماعية، يشعر بها الفرد ويحكم بها، وهي تحدّّد مجالات تفكيره، وتحدّّد سلوكه، وتؤثّّر في تعلّّمه، فالصدق والأمانة، والشجاعة الأدبية، والولاء وتحمّّل المسؤولية، كلها قيم يكتسبها الفرد من المجتمع الذي يعيش فيه، وتختلف القيم باختلاف المجتمعات». والرواية الإماراتية، شأنها كشأن غيرها من الروايات العربية، درجت على توظيف التاريخ بأحداثه ووقائعه على نحو طاغ رغم اختلاف أسلوب المعالجة والتوظيف من رواية إلى أخرى ما جعل بعضها يكتسب صبغة الرواية التاريخية. ينحو الروائي علي محمد راشد منحى آخر في روايته «ساحل الأبطال» حين يتجاوز المقدمة، ويدخل في سرد الأحداث المتعلقة بجانب من تاريخ رأس الخيمة مباشرة من خلال الشخصية الرئيسية صالح. ويعالج الكاتب في هذه الرواية محاولات بريطانيا احتلال رأس الخيمة وإخفاقها في ذلك لسنوات، متتبعا المراحل التي مرت بها إلى أن تمكنت من ذلك التي أدت إلى 1819 إثر الحملة العسكرية التي قادتها في عام
وفي الفصل الأول من الرواية يسترجع «النوخذة صالح» ذكرى إقلاعه منذ ثمانية أشهربسفينته من ميناء رأس الخيمة، حيث كان بانتظاره البحارة والمسافرون والمودعون، ثم يعود من الماضي إلى الحاضر مستفيقا «من ذكرياته وهو يرى نور الفجر يداعب عينيه». وثمة أسئلة عبر تيار الوعي يطرحها متأملا ًً: «لماذا أتى الإنجليز إلى هنا؟ ماذا يريدون منا؟ هل يريدون حقا أخذ أرضنا وأرض أجدادنا بالقوة؟ لماذا يغزون أرضنا؟ هل يريدون قتلنا؟ وماذا سيستفيدون من قتلنا؟ هل نحن ذهبنا إليهم في بلادهم وقاتلناهم حتى يأتوا إلينا لينتقموا منا ويأخذوا بثأر قتلاهم؟». وفي الفصل السابع يعبر «الكولونيل سميث» عن دهشته وهو يراقب معركة حامية بين جنوده والقواسم: «هكذا... هكذا وببساطة ينسحب رجالي في أول لقاء، لم يكن يخطر بذهني أبدا أن نلقى مقاومة منهم كهذه». إن الكاتب في مثل هذه المواقف لم يكن حريصا على وصف بطولات القواسم بأسلوب مباشر، ولكنه آثر اللجوء إلى هذا الأسلوب الفني الذي يصف آثار تلك البطولات في معسكرات الأعداء. أما تقنية التصوير غير المباشر (وصف الصدى)، فإنها تتراءى في وصف بطولات القواسم من خلال وصف هلع الإنجليز وخوفهم من مقاومتهم وتهديداتهم المستمرة. ويرى الناقد عزت عمر أن رواية «ساحل الأبطال» تدور أحداثها ضمن الأجواء التاريخية التي وضعتنا بها رواية «الشيخ الأبيض» لصاحب السمو الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي،
السفن الإنجليزية في مياه الخليج، الأمرالذي خلق هاجسا قويا لدى السكان بأن هذه السفن تسعى للقضاء على اقتصادياتهم وخصوصا على مهنتهم الأساسية التجارة مع الدول المجاورة عبر أسطول السفن التي يملكونها، لتنحو الرواية بعد ذلك منحى سرديا مؤثارًً، يعكس المأثرة النضالية لسكان رأس الخيمة وهم يواجهون أعتى قوة استعمارية في العالم آنذاك، حيث ق ُُصفت المدينة مرات عدة، وأُُحرق أسطولها، إلا أن إرادة أهلها لم تنهزم أمام العدو، وبذلك فإن النص سيكون بمثابة تحية لأولئك المناضلين الذين بذلوا دماءهم رخيصة في سبيل الحرية، وفي الوقت نفسه بمثابة تأريخ روائي لهذه المرحلة الخطيرة من حياة أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة. إن علي محمد راشد كاتب شفاف وواع لرسالته، فهو حينما يكتب يتجه بكل مشاعره نحو مساندة فكرة المحافظة على الهوية الوطنية، باتجاه تغليب مصلحة المجموع على مصلحة الفرد. لقد تنبه الكاتب علي راشد إلى هذا الجانب، بالإضافة إلى مناقشته للكثير من القضايا الإنسانية ما بين مرحلة النفط وما بعدها، لقد كان الواقع الوطني أحد روافد كتاباته وموضوعاته. إن استرجاع وقراءة التاريخ التي محورها الإنسان في هذه المنطقة وكيف تصدى الإماراتيون لمحاربة أعدائهم بوازع ديني ووطني وقومي وقيم أصيلة هي قيم الفزعة والمروءة والنجدة والشهامة مما يمكن الاعتبار أن الروائي علي محمد راشد في هذا الإطار يعد نقطة تحوّّل سواء على مستوى الأسلوب أو جماليات التصوير إلى جانب فهمه الواضح لرسالة الكتابة في اربتاطها بالمجتمع والإنسان أكاديمي وباحث في التراث الإماراتي
47 2024 سبتمبر 299 / العدد
46ًً سوسيولوجيا القيم في المجتمع الإماراتي الفزعة وقيم البطولة والمروءة ونجدة الملهوف رواية «ساحل الأبطال» نموذجا
Made with FlippingBook Ebook Creator