الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
الفزعة الإماراتية.. أصالة وتراث وتكافل اجتماعي
عبد الرزاق الدرباس تعتبرالفزعة تقليدا شعبيا مشهو ار في معظم المجتمعات، وإن تعدد ّّت أسماؤها، ففي بلاد الشام يسمونها (عِِينة) من العون، وهي مشاركة طوعية في عمل أو مناسبة بدافع الجيرة أو القرابة، بطلب أو دون طلب، وفي مصر يقولون (إيدك معايا، افزع لي) أي بادر لمساعدتي، وفي المغرب العربي يدعونها (الغََوثة)، ومهما تعددت أسماؤها فلها الهدف النبيل نفسه، غيرأن للفزعة في تراث الإمارات شأنا مهما ًً، يأتي من الماضي العريق ويستمر في الحاضر، ويتعلمه الأطفال ليحافظوا على استمراره في المستقبل، وفي هذا المقام سنبسط القول في الفزعة الإماراتية، من جوانبها التاريخية والتراثية والمجالات والمظاهر التي تشملها، من نافذة التراث الوطني والتقاليد الشعبية. وكلمة الفزعة جاءت من الجذر الثلاثي (ف، ز، ع)، والمعنى القريب لها شد ّّة الخوف، واضطراب الاتجاه، وخطورة الموقف، والمفزوع هو من حل به الفزع والخوف، والفازع من لبّّى نداء الاستغاثة على وزن اسم الفاعل، وصيغة المبالغة الدالة على الكثرة منه (فََزوع، فََزّّاع، مِِفزاع)، والكلمة وردت في معجم المعاني ثنائية المقصد، مثل كلمة م ُُحتل ّّ، حيث تدل على مََن قام بالاحتلال، ومََن وقع عليه الفعل، وكذلك كلمة الفََزعة فهي تدل على من يحتاج الغوث ويرجو النجدة، وتدل على من يقد ّّم ذلك الغوث وتلك النجدة، وتلك خاصية لبعض الألفاظ في لغتنا العربية الخالدة. ومن قديم ذ ِِكر الفزعة في تراث ِِنا الشعري قول الشاعر الجاهلي زهير بن أبي س ُُلمى في ممدوحيه الذين يسارعون لنجدة المستغيث دون تقصير أو تسويف: ُُإذا فزِِعــــــــــــــــــوا طــــــــــــــــــــــــاروا إلــــــــــــى مُُستغيثِِهــــــــــــــــــــــــــــــــــــم ُُــــــــــــــــــــــــز ْْل طــــــــــــــــــــــــوال ال ّّرمــــــــــــــــــاح لا ضعــــــــــــــــــاف ولا ع أما في القرآن الكريم فقد جاءت في مواقع عدة بالمعنى الآخر الذي هو الخوف الشديد، فقال تعالى مبّيّنا حال المؤمنين الذين يأمنون الخوف يوم القيامة: (مََن جاء بالح ََس ََنة فََلََه خ ََير مِِنها، وََه ُُم مِِن فََزع يََومََئذ آمِِنون) .» 89 «النمل
وفي التراث الشعبي لدولة الإمارات العربية المتحدة لم بتتعد الفزعة عن مفهومها في الثقافة التاريخية للكلمة، إذ تدل على المسارعة للنجدة وتقديم العون مبادرة وليس أمارًً، ويكون هذا العمل طوعيا دون انتظارالأجرالمادي المقابل، ويكفي أن تذكر كلمة الفزعة حتى يخطر في بالك مفردات موازية مرادفة، مثل: (النُُّبل، والجود، والأصالة، والنجدة، والعطاء، والمُُبادرة، والتطوّّع، والغََوث، والكرََم..)، ومن الماضي الإماراتي العريق نرى مظاهر تلك الفزعة بين الأقارب ضمن (رابطة القبيلة)، أو بين الجيران ضمن (رابطة الفِِريج)، أو زملاء العمل ضمن (رابطة المهنة)، وبتوسيع تلك الروابط لعصرنا الحالي نرى
الدائرة تكبر، لتشمل رابطة المدينة فالدولة فالعروبة فالإسلام فالإنسانية جمعاء. وإن كانت الفزعة سابقا عونا في بناء بيت أو زواج فقير أو إعفاف أسرة، أو مساعدة قاصد الحج ّّ، أو تكافلا مع من غرق مركبُُه أو حل بداره حريق ٌٌ، فإن هذا المعنى ترس ّّخت جذورُُه من هذه الأعمال الفردية البسيطة والعفوية في تنفيذها، إلى فزعة كبرى تقوم بها جهات ومؤسسات، يرعاها شيوخ القبائل وكبار رجال الأعمال والحك ّّام، حتى ترس ّّخت قيمة الفزعة في المجتمع الإماراتي، عبر تطوره الاجتماعي من حياة البساطة إلى قمّّة التمدّّن الحضاري، وتغيّّر طبيعة المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمركب، ورغم ذلك بقي المفهوم الإيجابي راسخا في النفوس الطيبة والأيادي الكريمة، وذلك يأتي من دوافع كثيرة للفزعة، يمكن تجميعُُها في ثلاثة محاور: فقد ترسخ في الوجدان الأول - الدافع التراثي الاجتماعي:
63 2024 سبتمبر 299 / العدد
62 الفزعة الإماراتية.. أصالة وتراث وتكافل اجتماعي
Made with FlippingBook Ebook Creator