الفزعة الإماراتية: إرث حضاري أصيل
الطريق نحو التسامـح الفزعة الإماراتية وطرائق التطوع على الصعيد العالمي
صديق جوهر تسعى هذه المقالة لاستطلاع تقاليد (الفزعة) في المجتمع الإماراتي من منظور معاصر من أجل التأكيد على أن الفزعة عبر العصور قد شك ّّلت نموذجا فريدا للعمل التطوعي والإغاثي الذي سبق ظهورالعديد من طرائق التطوع على الساحة الدولية. تاريخيا تعد تقاليد الفزعة من القيم العريقة التي تغلغلت في النظام الاجتماعي للمجتمع الإماراتي منذ الأزل وتلعب هذه التقاليد الأصيلة - التي تقوم على التضحية وإيثار الغير ومد يد العون للمحتاجين - دوار محوريا في ترسيخ تماسك المجتمع وتلاحمه ولا سيما في أوقات الشدائد. علاوة على ذلك أسهمت الفزعة سواء على المستوى الشخصي أو الأسري أو القبلي أو المجتمعي على تنمية العديد من القيم الأخلاقية الحميدة - خاصة التطوع والتسامح - التي جسدت نزعة الانتماء للوطن وعكست طبيعة الشخصية الإماراتية المتحضرة منذ القدم. لقد اتخذت الفزعة أنماطا شتى في المجتمع الإماراتي القديم وتعددت طرائقها بعدما وضع الآباء المؤسسون اللبنات الأولى للدولة الإماراتية المعاصرة. وتعتبرالفزعة الأساس الذي انطلقت منه الأعمال التطوعية داخل المجتمع الإماراتي وخارجه، حيث يتيح العمل التطوعي فرصة رد الجميل للوطن ويدعم التواصل مع المجتمع وجعله مكانا أفضل للحياة. والعمل التطوعي طريق ذو اتجاهين يستفيد منه المجتمع والمتطوعون الذين يوسعون من آماد علاقاتهم ويعززون مهاراتهم الاجتماعية. ويعد العمل التطوعي طريقة رائعة للقاء أشخاص جدد، خاصة إذا كنت جديدا في منطقة ما، وهو يساعد على تقوية الروابط المجتمعية. إن مساعدة الآخرين من خلال الأعمال التطوعية يؤدي إلى الشعور بالسعادة والرضا لدى المتطوعين وفق العديد من الدراسات الحديثة ومن بينها بحث قامت به كلية لندن للاقتصاد حيث تم فحص العلاقة بين العمل التطوعي ومقاييس السعادة لدى مجموعة كبيرة من البالغين.
تقاليد الفزعة: إرث حي ومساهمة حضارية من ناحية أخرى فقد أسهمت تقاليد الفزعة في تقوية الجبهة الداخلية في الإمارات إبان الحقبة الاستعمارية حيث تكاتف أهل البلاد ضد السياسات الاستعمارية وبعد زوال الاستعمار تحوّّلت الفزعة إلى تقليد محلي يهدف لتدعيم روح التلاحم المجتمعي. في هذا السياق اربتطت تقاليد الفزعة بالواقع العالمي ولا سيما بعدما غيّّرت الحرب العالمية الأولى المشهد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لأوروبا بشكل كبير بالمقاييس كلها تقريبًاً. وانتهت الحرب ببنية أمنية جديدة لأوروبا، تم إنتاجها خلال مؤتمر السلام الذي استمر لمدة عام في فرساي بفرنسا. لكن الحرب انتهت بدفعة قوية لمختلف
الحركات السلمية أيضاًً، المبنية على توقعات إيجابية تجاه عالم خال من النزاعات. وبالنسبة إلى بعض الناس على الأقل، كانت هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات عملية للتأكيد على الحاجة إلى المزيد من التضامن والتفاهم والتسامح بين الناس والأمم كأداة قوية لمنع الصراعات في المستقبل. في سياق متصل تمخضت تقاليد الفزعة عن بداية للتطوع المحلي والعابر للحدود الوطنية الإماراتية حيث أسهمت المؤسسات الخيرية والتطوعية الإماراتية في تقديم الدعم اللوجيستي والمعونات الإغاثية للشعوب المتضررة من الكوارث الطبيعية مثل البراكين والزلازل والفيضانات والحرائق والمجاعات،... إلخ. وعلى المستوى العالمي فقد أدت الأعداد الكبيرة والمجموعة
67
66
2024 سبتمبر 299 / العدد
الطريق نحو التسامـح الفزعة الإماراتية وطرائق التطوع على الصعيد العالمي
Made with FlippingBook Ebook Creator