إضاءة
محاورة مع الباب
تجاه أهل الدارالذين غابوا عنه فاستحال وقته إلى قلق وبحث دائبين، ويستمر في محاورته للباب وسؤاله بعد غيابهم، إلى الآن خمسة أيام، وكأنها الدهرإن كان يعرف أين ذهبوا، أوأنهم أخبروه عن مكانهم، ويتوسله أن يعطيه أي إشارة أو دليل حتى يهدأ ويرتاح قلبه وفكره: «قــــــــــــــــول الصراحــــــــــــــــة كــــــــــــــــــــــــان خبــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــروك عطنــــــــــــــــــــــــي دلايلهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم بعنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوان» ًًا وبدأ الشاعر في وصف حالته للباب الذي أنسنه وجعله ند بشريا ليحاوره ويستنطقه ويحادثه ويبثه لواعج نفسه تجاه هؤلاء الأحباء الذين فقدهم لرحيلهم عن الدار والمكان، غير مصدق لهذا الغياب، ويستحلف الباب إن كان يعلم أو يعرف أن يرد له الجواب والخبر، والباب الذي لن ينطق أصلا سيبثه الشاعر خوالج النفس ولواعج القلب، وأنهم تركوه وابتعدوا دون إخباره ودون أن يشعروه، ودون أن يحسوا بكيانه ولوعته ومحبته، وكأنهم غادروا دون إعلامه بتعمد، ورغم ذلك فالشاعر المحب يدعو لهم بالسلامة والفرح، وأن يبتعد عنهم الحزن والأسى، وتستمر المحاورة كاشفة عن آلام وآمال الشاكي وحرقته بين الأمل والألم، وبين الود والنسيان، وأنه أبدا لم يهن، وأن حساده وعزاله لهم دور كبير في ما حدث له، وأنه رغم أي شيء على العهد والوعد، ويعاود إبلاغ الباب بهذا الوجد والصب والتعلق: «قــــــــــــــــــــــــل للغظــــــــــــــــي الأحبــــــــــــــــاب خصــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوك سلامهــــــــــــــــــــــــــــــــم مــــــــــــــــن قلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــب شقنقــــــــــــــــــــــــان» ويختتم حواره مع الباب بصدقه القول عن مشاعره وعن حالته وعن انتظار لردهم. «هــــــــــــــــــــــــذه صراحـــــــــــــــــــــــة وكلمــــــــــــــــــــــــــــــــه أعطــــــــــــــــوك شــــــــــــــــــــــــــــــــرح وفــــــــــــــــــــــــي ومــــــــــــــــن دون نقصـــــــــــــــــــــــــــــــــــــان فتــــــــــــــــــــــــــــــــح طريــــــــــــــــــــــــج ويعّّــــــــــــــــــــــــــــــــد الشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوك لحبيبــــــــــــــــــــــــــــــــك لا يمــــــــــــــــــــــــوت حرمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان» الشاعر محمد بن راشد الشامسي اتخذ من الباب الذي أنسنه وأعطاه الروح والحيوية ليبث آلامه وأوجاعه وآماله من خلال الباب الذي تخيله موصدا على دارخالية من أحبته وطال غيابهم ده ارًً، خمسة أيام طوال، هم عمر طويل لمحب باحث عن الحبيب، والشاعر بخياله يجوب مع الباب محاورة ثرية بدفء المشاعر ونبل القصد وسؤال المودة والحب عن المحبوب الذي غادر وترك دون إعلام أو إعلان أو إشارة عن مكانه ودون
أن يراعي مشاعر المحب الذي ينتظره على باب الدار المغلقة الفارغة من الدفء والتي سكنتها الظلمة والوحشة والقلق، وفي هذا الحوار يبرز بعض وظائف الباب المادية والمعنوية أيضا تجاه أصحاب الدار، وتجاه الآخرين، فإن كان الباب وفق رؤية الشاعر هو صك وإغلاق ولكنه مسؤول عن مكانه الذي يحرسهم معنويا حتى في حالة غيابهم أيضاًً، وفي هذا يعطيه الشاعر وظائف معنوية متصلة بالعلاقة بين الباب والإنسان «يالباب قل ليش صكوك»؟ وهنا سؤال استنكاري يحيل أن على الباب دوار وهو المعرفة بما له من صلة معنوية مع أهل الدارالتي يحرسها، أو يقف بشموخ على مدخلها حارسا وأمينا ًً.. ثم يستمر الشاعر في إبداء هذه العلاقة بين الإنسان والباب: «ويــــــــــــــــن ارحلــــــــــــــــوا عنــــــــــــــــــــــــــــــــك وخلــــــــــــــــوك يزريــــــــــــــــك كــــــــــــــــــــــــوس الريــــــــــــــــــــــــق ذنــــــــــــــــــــــــان» وهو هنا يثير المشاعر في الباب وكأنه بشر، كيف تصمت عن رحيلهم وقد تركوك في مهب الريح. كما أنه في مواقع أخرى من قصيدته يتخذ من الباب ستار ووجاء يتخفى فيه ليبرز مشاعره وحنانه ووجده تجاه حبيبه، أي إنه ينشئ علاقة مع الباب ويتخذه درعا لإفشاء حبه وولعه وولهه بالآخر الذي رحل من الداروهويقف محتا ار مذهولا في وسط الباب منتظ ار الأمل والرجاء والتحقق. شعراء النبط أقاموا مع الباب علاقة مهمة للكشف عن مواهبهم ومشاعرهم، وأفاضوا في إعطاء صورة حية لعلاقة تتخطى مجرد باب من أخشاب مصمتة إلى باب له عيون وآذان ومشاعر، كي يفضح به حالة إنسانية جميلة بين البشر وما يتعلق بهم تدل على عمق العلاقات الإنسانية الرابطة حتى مع الجوامد في مجتمع يجل الترابط والتعاضد والمحبة. الباب ليس مجرد خشب أو حديد، الباب يمتلك مشاعر وآذان يسمع بها وعيون يرى بها أيضا فهويصبح بها شاهدا على إنسان من لحم ودم يعيش خلفه ويحتمي به بحميمية ودفء يربط بينهما. إنها عبقرية الحياة التي تجمع بين البشر والجماد وبين الأشياء والحيوات.. لتبرهن على عمق علاقة الإنسان بمن حوله، ولذا فإن شعراء النبط في الإمارات اتخذوا من الباب مدخلا لكشف هذه العلاقات بين الإنسان والباب من ناحية، وبين الإنسان والإنسان في المكان الذي يكون فيه الباب شاهدا على عمق هذه العلاقات
«يالباب قل لي» هذه قصيدة نبطية للشاعر محمد بن راشد الشامسي من ديوانه «ديوان الشامسي»، والشاعر هنا يسير على نهج الشعراء الذين يبحثون عن المشاعر الإنسانية في الأشياء وفي الجماد الذي يؤنسنه من أجل الوصول إلى دفء التواصل مع الآخر، والبحث في مكامن العلاقات الإنسانية الحاكمة والرابطة بين البشر في المكان الواحد، من أجل تنميتها وتأملها والاستمتاع بهذه العلاقات التي تتماشى والسنع الحميد الذي ينشده المجتمع وتسير عليه الخلائق، من أجل مجتمع دافئ ومتماسك ومتعاضد في زمن صعب تعملقت فيه المادة وسلوكيات المجتمع الاستهلاكي والمادي الذي كرسته الحداثة وأفكار التوحش المادي. ورأس المال الباحث فقط على الربح والمكسب على حساب الإنسان وقيم الترابط والتعاون والمحبة والإيثار من أجل الجماعة والمجتمع وأهل الفريج. الشاعر هنا يتخذ من الباب الذي يعترف بوظيفته نديما وصديقا حين يقول: «يالباب قل لي ليش صكوك» إذا الوظيفة الأساسية للباب هو الإغلاق والقفل على الداخل للوقاية والستر والحفظ، ولكن الشاعر المستنكر يعظم دور الباب لهذا الإغلاق، لأنه إغلاق دائم وطال أمده فاستشعر بحدسه الخيفة والقلق.. لأن العادة الباب يغلق ويفتح بعد أمد قصير لا يطول.. وإن طال هنا مكمن الريبة والشك والقلق، فالبحث يبدأ عمّّن بالداخل، لأن الشاعر بالتأكيد أو الراوي أو القائل يبحث عن سكان المكان خلف هذا الباب الموصد باستمرار، ربما أهل، ربما جيران، ربما أقارب، ربما أحباب، ومن هنا مشروعية البحث والسؤال والحوار مع الباب من أجل سؤاله عن هؤلاء السكان، الأحباب هنا حالة إنسانية دافئة تفتح لمحاورة الباب واعتباره إنسانا سيتجاوب بالرد عن أسئلة
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
ويحول حديثه إلى مشاعر إنسانية وحالة وجد إنساني باحثة عن أهل وخلان كانوا ملء المكان ورحلوا، ولا يدري السائل الباحث إلى أين؟ ويستنكر هذا الرحيل الذي حرمه من هؤلاء:
«وين اِِرحلوا عنك وخلوك يذريك كوس، الريف ذنان»
هذا التعجب والاستنكار من رحيل أهل المنزل وتركهم للمكان وللباب الحارس على المكان مغلق إمعانا في إظلام المكان بخلوه من البشر الذين تركوه ورحلوا وغادروا إلى حيث لا يعرف، وتركوك أيها الباب تعبث بك في وحدتك ريح الكوس تضغط عليك لتحدث صرير الوحدة وصوت الاستغاثة وصك أخشابك. ثم يفتح الشاعر من خلال الباب محاورة مع الدفء والوجد الإنساني مع هذا الآخرالمفتقد، ويحاول تذكروجودهم يوم أن كانوا ملء المكان وملء الحضورويتذكرهم حين كانوا يدخلون ويخرجون من الباب نفسه المصمت الآن على نفسه والدار متعطشا لهم بقوله: «ويــــــــــــــــــــــــن الأيــــــــــــــــــــــــاد العــــــــــــــــــــــــاد فتحـــــــــــــــــــوك كــــــــــــــــــــــــــــــــل ليلــــــــــــــــة وعصــــــــــــــــر المسيــــــــــــــــــــــــان» ويتمادى في تصورأوقات دخولهم وخروجهم من الباب في الليل وفي أوقات بزوغ نجم بعينه من السماء. ويستمر في وصف حالتهم ساعة الدخول أو الخروج، وأثر وجودهم في المكان وحركتهم والتي وصفها بأن المكان يزداد نوره بهم ويزداد ألقه بهم، ويستمر الشاعر في شرح حالة الوجود العطشى والصب
القلق عن مكانة أهل المكان: «وين الذي في البيت سكان»
أيها الباب أين سكانك الذين أغلقوك هذا الأمد الطويل، وتخلوا عن مكانهم ورحلوا.. الشاعر يتخذ من الباب محاو ار له وينطلق من تلك المحاورة إلى التحدث والتأمل مع باب من خشب جماد
71 2024 سبتمبر 299 / العدد
70 محاورة مع الباب
Made with FlippingBook Ebook Creator