سرد الذاكرة
ذكريات زمن البدايات: مشاهد من الإعلام البترولي
خليل عيلبوني على الرغم من أن برنامج «الذهب الأسود» الذي بدأت كان يحمل 1971 بتقديمه في الإذاعة والتلفزيون منذ عام اسم وزارة البترول، حيث كان هناك «كابشن»؛ أي كتابة على لوحة، يقول: «إعداد إدارة العلاقات العامة في وزارة البترول والثروة المعدنية»، لكن الحقيقة التي كانت لا تخفى على أحد أن الإعداد كان ضمن المهام الرئيسية التي قمت بها في ذلك الزمن. وبما أنني اتجهت إلى التخصص، وبما أن الإعلام الحديث لم يعد يقبل بالإعلامي العام؛ بمعنى الإعلامي الذي يقدم أي نوع من البرامج تطلب منه، فقد وجدت أنه من الأجدى الانتقال إلى وزارة البترول لأتولى مهمة مسؤول العلاقات العامة والإعلام البترولي، وبالتالي أركز على موضوع البرنامج، ولا أنشغل بغيره. لم يكن الانتقال سهلاًً، ولا كان من الممكن للشيخ أحمد بن حامد - الذي ربطتني به علاقات ودية حميمة، وأصبحت بالنسبة له أحد أعمدة الإعلام في ذلك الزمن - أن يتخلى بسهولة عني مهما كان السبب أو العذر أو المبرر. كان قرار الانتقال بالنسبة لي نهائياًً، وساعدتني الظروف على تحقيق ذلك القرار؛ فأولاًً: وصل صديقي وزميل العمل الأخ سعيد الغيث إلى منصب وزير الدولة للإعلام، أي إنه ينوب في الموافقة على قرار النقل عن الشيخ أحمد بن حامد الذي كان في إجازة خارج البلاد. وثانياًً: شغرت وظيفة اقتصادي في وزارة البترول، وصار بالإمكان الانتقال إليها. ولقد تفهّّم الأخ ًًا سعيد الغيث، والأخ عبد الرحمن الرستماني الذي كان مدير لشؤون الموظفين الاتحادية أهمية القرار بالنسبة لي فوافقا عليه، وتمكّّنت بالفعل من الالتحاق بوزارة البترول والثروة . كانت وزارة البترول والثروة 1975 المعدنية قبل صيف عام المعدنية إحدى الوزارات الموجودة في مجمع الوزارات القريب
من فندق «إنتركونتننتال»، وكانت تلك الوزارات عبارة عن فلل صغيرة جدران أسوارها متلاصقة. أذكر من هذه الوزارات: وزارة الاقتصاد، ووزارة التخطيط، ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية. وبسبب كثرة المراجعين لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية، فقد كان موقف السيارات يمتلئ دائما بسيارات أولئك المراجعين، وكانت الحركة مستمرة حتى نهاية الدوام الرسمي. إنشاء قسم للإعلام البترولي في الوزارة كان مهمة صعبة؛ إذ لم تكن في المبنى مساحة ولا غرف كافية؛ ففي غرفة واحدة كان يتجمع عدد من الموظفين، ولم يكن بالإمكان لإدارة الإعلام التي خططت برامجها ونشاطاتها أن تنطلق من مكتب عادي. وقد وجدت الحل المناسب عندما طلبت من معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة أن أحول جراج سيارته المنفصل عن مبنى الوزارة الرئيسي إلى مكتب، ومكتبة، ومكتب للسكرتيرة. وافق معاليه، وخلال أسبوع كان هناك مبنى منفصل عن الوزارة، يحمل لافتة مكتوب عليها «إدارة الإعلام البترولي». وهكذا، بدأت مسيرة الإعلام البترولي، وعدت من جديد إلى الإذاعة والتلفزيون من خلال برنامج «الذهب الأسود» الذي لم حتى توقف في 1971 أتوقف عن إعداده وتقديمه منذ بدأ عام . الوزارات جميعها في ذلك المجمع كانت أبوابها تفتح 1991 عام على ساحة خالية في الوسط، وكان البحرقريب ًا من مقرالوزارة غرباًً، وكثيار ما كنت أخرج من باب الوزارة لأمشي على رمال شاطئ قصير، وأتنفس هواء البحر، وأتابع القوارب التي تجول في المنطقة. وبالقرب من الوزارة كانت هناك إدارة للقوات المسلحة تابعة للمغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، الذي كان يشغل حينها منصب ولي عهد أبوظبي، القائد العام للقوات المسلحة، تفتح أبوابها باتجاه فندق «إنتركونتننتال»، وكنت باستمرار أزورها للالتقاء بالأخ حمدي تمام المسؤول الإعلامي فيها. الأخ حمدي تمام من أسرة الإعلام، بدأ معنا صحفيا في جريدة «الاتحاد»، ثم تخصص فيما بعد، وانتقل
إلى الدفاع. كنت سعيدا جدا بالاستقلالية التي حصلت عليها بتحويل جراج سيارة الدكتورمانع سعيد العتيبة إلى مكتب لي، ومكتب للسكرتيرة، ومكتبة للأفلام والوثائق والكتب والصحف والمجلات والصور الفوتوغرافية. وخلال السنة الأولى تحول ذلك المكتب إلى خلية عمل، يلتقي فيها الإعلاميون، وتُُعد فيها البرامج والتحقيقات الصحفية، ويُُستقبل فيها مراسلو وكالات الأنباء والصحف العالمية. لم تكن الوزارات والدوائر الحكومية في السبعينيات من القرن الماضي كبيرة في مساحتها، وما كان عدد المكاتب فيها كبي ارًً، ولكن دعوني أقرر حقيقة يجب أن يفتخر بها الجيل الذي أمثله، كان الإنتاج ضخماًً، وكان العاملون جميعهم في هذه الوزارات والدوائرالحكومية يعملون بحماسة قوية، وكأنهم في سباق مع الزمن وفي معركة حقيقية. كنا جميعـا نرى القائد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيـّّب الله ثراه - وهو يصحو من أذان الفجر، ليبدأ نشاطه وجولاته، ويعطي تعليماته، ويوجه المسؤولين إلى جميع ما من شأنه بناء دولة قوية. كان يزورالمدارس والوزارات ويلتقي بالعاملين فيهما، حضر أكثر من مرة إلى وزارة البترول
والثروة المعدنية، وكان لي شرف الترحيب به، وإلقاء أكثر من قصيدة في حضوره. كذلك كان ولي عهده المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان - رحمه الله - لا يترك مناسبة ولا يفو ّّت فرصة للعمل على تحقيق برنامج واضح المعالم مدروس بعناية ودقة. أما الوزراء، فكانوا حقيقة أول من يحضرون وآخر من يخرجون، وأسجل هنا للتاريخ، لم أقصد في يوم من الأيام أي وزيرأو مسؤول لأجده غائبـا أو متأخ ار عن الحضور. كان مفهوم العمل أنه تكليف وليس تشريفـاًً، أما اجتماعات مجلس الوزراء فكان يتم الإعداد لها بصورة مكثفة. نحن في وزارة البترول، على سبيل المثال، كنا جميعنا نساعد مكتب الوزيرعلى إعداد التقارير، وجمع المعلومات التي يحتاج إليها الوزيرفي اجتماع مجلس الوزراء، الذي كان أشبه بمجلس محاسبة، يقدم فيه كل وزير كشف حساب عن النشاط الذي قامت به وزارته. وبهذه الروح بُُنيت دولة الإمارات العربية المتحدة، وبهذا الجهد الصادق تمكّّنت من الوصول إلى هذا المستوى العظيم الذي وصلت إليه إعلامي وشاعر
89
88
2024 سبتمبر 299 / العدد
ذكريات زمن البدايات: مشاهد من الإعلام البترولي
Made with FlippingBook Ebook Creator