دراسات إماراتية
البحر وشعراء الإمارات
قتيبة أحمد المقطرن قصة الإنسان مع البحر
يرى بعض الدارسين أن قصة الإنسان مع البحر قديمة ق ِِدم البشرية؛ حيث بدأت بجذع، وعندما ابتلعته الأمواج راح الإنسان إلى الشاطئ يتأمل هذا المارد المجهول، وهو يغضب تارة ويهدأ تارة، ثم يسكن حينا ويزمجر حيناًً، وعندما حار . وأما ) 1 ( في فهمه وازدادت مخاوفه، حاول أن يتقرب إليه بالعبادة وتقديم القرابين، وبدأت رحلته سعيا لاكتشاف أسراره الإنسان العربي قبل الإسلام فقد كان يعزف عن ركوب البحر، وإذا اضطرإلى ركوبه فكان يركب المركب كما يركب ج ََم ََلا ًً، إما للهجرة وإما للتجارة وإما للإغارة، وله عذره البيئي والحضاري، فهو ابن الصحراء أصلا ًً، وأجداده ليسوا أهل بحر، ولا يكاد يعرف عنه سوى زرقته. وسبب امتناع العرب قديما عن ركوب البحر، أن العرب - لبداوتهم - لم يكونوا في أول الأمر م ََه ََرة في ثقافته وركوبه، فلما استقر ملكهم وسلطانهم تكررت ممارستهم بالبحر وثقافته، فأنشؤوا فيه السفن وشحنوا . ) 2( الأساطيل بالرجال والسلاح
الإنسان الخليجي وعلاقته بالبحر إن علاقة أبناء الإمارات وأبناء الخليج بشكل عام بالبحرقديمة ق ِِد ََم التاريخ ذاته، وقد عكست هذه العلاقة الكثيرمن قصص الكفاح والصمود، وتعددت على صفحة هذا البحر حكايات الإنسان الخليجي، الذي لم تستطع الصحراء الموحشة أن تحاصره، ولم توقفه أمواج البحر ومخاطره عن امتطاء لجاجه والغوص في أعماقه بآلات وأجهزة بدائية؛ بحثا عن الحياة ولقمة العيش. ويأتي اربتاط الإنسان الخليجي بالبحر؛ حيث تكمن فيه موارد رزقه، فمنذ القديم والإنسان في الخليج يعيش صراعا غير متكافئ مع البحر من أجل بضع لآلئ يغوص إلى الأعماق ليفوز بها ويبيعها ويعيش بها عام ََه كلََّه، أو من أجل بضع أسماك يصطادها ليقتات عليها هو وعياله أو يبيعها ، هذا هو جوهر ) 3( بدريهمات قليلة، إنه الصراع من أجل البقاء العلاقة بين الإنسان الخليجي والبحر، فالبحر ليس عنوانا عابار في حياة أبناء الخليج، إنه كيان ورصيد متراكم وبنيان متشعّّب من العلاقات التي يحكمها التحدي والصراع. ثقافة البحر إن علاقة أبناء الخليج بالبحر وامتهان صيد السمك، والغوص على اللؤلؤ لم تكن مصدار للرزق فحسب، ولم تكن لإثبات الشجاعة والرجولة فقط، وإنما كانت الرغبة الملح ّّة في معرفة
حدود هذا البحر ونهاياته وما يخبئه ذلك الأفق البعيد. والبحر لم يكن مجرد مسرح يتعلم فيه أبناء الخليج الصبر والشجاعة والبطولة، بل كان مدرسة كبيرة في الحياة، تعلّّم أبناؤه فوق أمواجه ثقافات الآخرين وعاداتهم، علّّمهم الخبرة والمعرفة وكان له الدور الكبير في نقلهم من عوالم ضيقة إلى عوالم واسعة مفتوحة. إن البحر باتساعه متنفس للشعراء، وشاطئه أمان واستقرار، وشكوى الشعراء إليه تخفف من وطأة آلامهم وعذاباتهم،
91 2024 سبتمبر 299 / العدد
90 البحر وشعراء الإمارات
Made with FlippingBook Ebook Creator