torath 299- Sep - 2024

دراسات إماراتية

ِِــــــــــــــــــــــــس فيــــــــــــــــك شفــــــــــــــــــــــــــــــــاء ِــــــــــــــــــــــــي أُُح �ِّ

بََيْْــــــــــــــــــــــــــــــــد أن

وهذا يذكّّرنا بشعراء الطبيعة الرومانسيين الأوروبيين - ومعه الصحراء عند الوجدانيين العرب - رمزللأسراروالامتداد والأبد، تتداولهما أحوال من الثورة والهدوء، ومن الكدرة والصفاء ما يمثّّل أحوال الناس وتقلّّب الوجدان، وفي رحابهما من الجمال والاعتزال ما ينتزع الشاعرمن معترك الحياة والناس إلى مجال ََي . ويشك ّّل البحر عادة للشعراء ) 4( التأمل والاستشراف والذكريات فسحة من الراحة والهدوء، وملجأ ومهربا من الهموم، ووسط الألم يبحث الشاعرعن مواطن الأمان التي يمكن أن تقوده إلى الخلاص، وتتكون لدى الشاعر رؤية مفادها، الإيمان بوجوب القضاء على مس ببات الألم والوصول إلى غد أفضل، ويصبح البحرفي هذه الحالة وسيلة إنقاذ بعد أن كان منفذ هروب، ها هو الشاعرمحمود طه يجعل من البحروشكواه إليه شفاء من ُُآلام علاقته بالواقع: ِِلِِــــــــــــــــــــــــي وراء الأمـــــــــــواج يــــــــــــــــا بحــــــــــــــــــــــــــــــــر قلـــــــــــــــــــــــــــــــب ًًنــــــــــــــــــــــــازح الد ََّار م ََــــــــــــــــــــــــــــــــا لــــــــــــــــه مــــــــــــــــن م ََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــآ ََب

الصديق، إنه مصدرالرزق والحياة، وهومصدرالموت والخوف في الوقت ذاته، تعلقت أفئدتهم به خوفا وطمعاًً. البحرهو البيئة الثانية التي عرفها أبناء الإمارات بعد الصحراء، واربتطت نفوسهم به اربتاطا قويّّاًً، وتأص ّّلت العلاقة بينه وبينهم حتى غدا شيئا كبي ار في وجدانهم وكثرت مغامراتهم ورحلاتهم معه. وبالتالي بات لوحة رمزية تعكس منزلة الإنسان الوجودية؛ لأنه منبع الخيرات والثروة، وهو الفضاء الرومانسي للمحبين، والعالم الزاخر بالأحاسيس الإنسانية المتناقضة، إنها العلاقة ًًا الجدلية المتوترة بين الإنسان والبحر؛ ولهذا احتل البحر حي ّّز واسعا في مخيلة وإبداعات شعراء الإمارات فراحوا يتبارون في وصف زرقة مياهه وصفائها، وعلو أمواجه وزبده، ومجاهله ومخاوفه، ورحلاته المحفوفة بالمخاطر، والمرآة العاكسة لهموم النفس، وإنما يأتي الاهتمام به في أشعارهم لهيمنته الكبيرة على حياتهم ومجرياتها ومعطياتها، فقد شكّّل شريان الحياة وع ََص ََب ََها في مرحلة ما قبل ظهورالذهب الأسود في أرض

الإمارات. كان البحر قديما من أهم مصادر الرزق للمقيمين على شواطئه، فغاصوا إلى أعماقه بحثا عن اللؤلؤ، ونصبوا شباكهم في عبابه لصيد ما يخبئ في أعماقه من الأسماك، وتنقّّلوا بسفنهم وقواربهم فوق مياهه للتجارة. وعلى الرغم من عطائه الوفير فإنه كان مصدر خوف وهلع للصيادين عندما يعلن غضبه وتعلو أمواجه وتهدر وتزمجر عواصفه العاتية. كان الصياد في الإمارات ينظر إلى البحر كصديق لا يمكن التخلي عنه وخيانته مهما كانت ظروف الحياة قاسية وصعبة. ويوص ََف البحر بغدره وقساوته، وله سلطة قسرية يتحدى بها كل الصيادين، فهو المنتصر دائما على الصيادين وأدواتهم المتواضعة. فماذا تفعل قواربهم المهترئة البسيطة أمام ثورانه وهيجانه؟! وبرغم كل هذا فإن حاجة الإنسان إلى خيراته ماس ّّة وأساسية، حتى لو كان سبب ًا في شقائه وفقدان أعزالناس على قلبه، فكم سمعنا من القصص المبكية الحزينة عما فعله البحربالصيادين ومراكبهم، فكم طوى في أعماقه من النفوس

ُُمِِــــــــــــــــــــــــن س ِِقامــــــــي ورحمــــــــــــــــــــــــة مــــــــــــــــن عذابــــــــــــــــــــــــي

ِِأنــــــــت مََهْْــــــــــــــــــــــــد الميــــــــلاد والمــــــــوت يـــــــــــا بحــــــــــــــــر

وم ََثـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوى الهـمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــوم والأوصــــــــــــــــــــــــــــــــاب

ف ََأنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا فيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك أطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرح الآن آلا....

) 5(ِِ ِِــــــــــــــــبْْء الـحيــــــــــــــــاة والأحقــــــــــــــــــــــــاب .... مِِــــــــــــــــي وع

أبناء الإمارات والبحر إن علاقة أبناء الإمارات بالبحر يحكمها رباط وثيق، علاقة متجذرة متأصلة منذ الأزل، علاقة تشهد عليها رمال الشاطئ وصخوره، وأمواج البحر وزبده، فمنذ أن فتح ابن الإمارات عينيه على الحياة وجد البحرصديقا ورفيقا ًً، فشق غماره وغزاه صيادا و بر ّّانا وفاتحا ومغام ار يبحر مع أمواجه إلى عوالم بعيدة وبقاع مجهولة. ولا شك أن تأثيرالبحرظهرجلي ّّا في شعرشعراء الإمارات، وتمحورت فيه معاني الولاء والانتماء وقيم الوفاء لهذا

93

92

2024 سبتمبر 299 / العدد

البحر وشعراء الإمارات

Made with FlippingBook Ebook Creator