ج ُُلََساء التراث
قراءة في رواية «ريم بسيوني» «الحلواني.. ثُُلاثي ََّة الفاطمي ِِّين».. سرد تاريخي مشوق برؤية عصرية
فغرقوا فيه، ولم يسعفهم معجمهم اللغوي. من ناحية أخرى، فإن الروائية ريم بسيوني، عن قصد وبوعي كامل، تقدم من خلال روايتها هذه، كما هو مشروعها، صيغة معاصرة في ظاهرها، وفي باطنها تراث قديم للتطورالتاريخي والمجتمعي لمصرفي العصرالوسيط، ساعية لإبراز طبيعة الشخصية المصرية في تلك الحقبة التاريخية الممتدة لقرنين من الزمان، عبر سردية وظفت فيها الأصناف الأدبية كلها، من خلال لغة معبرة وطيّّعة، ومنتصرة
بشكل عام، لكنها هي تتحكم فيه من خلال الشفاهي والمنطوق أيضاًً، والمتداول، والرائج بين أهل مصر وسكانها، ولا أدري إن كان يحق لي القول: إن تلك السلطة المقسومة بين الكابتة والتاريخ جاءت عادلة، لكني أراها كذلك. لقد مكنتنا بسيوني في هذه الثلاثية - المختلفة عن «الثلاثيات» المعروفة في الأدب العربي منذ أن بدأها نجيب محفوظ - من التوقف عند العلامات الدالة للمجتمع المصري عبر مراحله
خالد عمر بن ققة ينجذب النّّاس - استماعا وقراءة - لقصص التاريخ، بغض النظر إن كانت أحاديث تفترى أو حقيقة مصحوبة بأدلة ترقى أو تقترب من اليقين في بعض الحالات، خاصة إذا سجلت كتابة زمن وقوعها، وربما يعود هذا الانجذاب - دون حساب متعة القراءة هنا - إلى كون الماضي مُُباحاًً، ليس لأن الفاعلين فيه وبه ومنه غائبون فقط، ولا يمكن عودتهم أبدا لتصديق أو تكذيب ما قيل عنهم، وإنما لأن الهروب من الحاضر بالنسبة إلى الأمم والشعوب جميعها في أزمنة الانتصاروالهزائم، والحروب والسلام، والرخاء والشدة، تكون محطة وصوله النهائية هي التاريخ الماضي، خاصة قصصه الإنسانية. الذهاب إلى التاريخ، البعيد منه بوجه خاص، هو هروب من ٍ عن قاعدة «تلك أمة خلت لها ما كسبت ولكم �ٍّ الواقع، وتخل ، سواء كان ذلك بقصد أو من دونه، رغم أن ) 1( ما كسبتم» استحضاره للتأسيس والاعتماد عليه، أو الركون إليه باعتباره مرجعية، قد يس ْْهم في حل مشكلات معاصرة بعينها، فإنه ينزلق في الغالب إلى فضاء منطق تقييم تجربة البشر في ماضيهم، والذي لا ينتهي في كثير من الحالات إلى تقويم حاضرهم. على المستوى النظري قد يتحوّّل الذهاب إلى تجارب البشر في حِِقََبهم الماضية إلى هجوم معاد للتراث، إذا تعلََّق الأمر ِه وهزله، وقد يتحول ذلك الهجوم إلى �ِّ بالجدال الفكري في جد تصفيََّة حسابات وهمية مع الأقدمين، وتلك حالة أولى من بين حالات كثيرة، ليست مجال بحثنا هنا، وهناك حالة أخرى تخصنا، تخص العودة إلى التراث من زاوية الأدب، في استباحة مشروعة للتخيل، وقد يغلب هذا الأخير عن الحقائق. وبالنسبة إلى تلك العودة بما تحملها من متعة القراءة، حتى لو
فيها للبعد الإنساني. وفي تلاقح بيّّن وعميق ومنفتح، وقابل للتناسل، تظهر الأبعاد الفكرية والمجتمعية لجهة امتدادها في عمرالزمن، لدرجة نقرأ عددا من الكلمات المستعملة اليوم في الثقافة المصرية، ونفهم كثي ار من الأفعال الاجتماعية الراهنة من ناحية ظهورها ونشأتها الأولى، الأمر الذي يجعلنا نبرح عاكفين لأجل فهم أفعال أخرى غيرها حتى تأتي ريم بسيوني بتفسيرتاريخي جديد لها، وأحسب أن هذا ما تسعى إليه بوعي ٍ في كل رواياتها. �ٍّ وجد ًًا الملاحظ، في حدود فهمي، أن التاريخ يتحك ّّم في ريم، وتحديد عصورمصرالإسلامية من ناحية المسجل والمعروف والمكتوب
التاريخية، وتحديدا حقبة الفاطميين كما في روايتها هذه، فسلكت بنا مسا ار قرائياًً، إن جاز التعبير، من نتائجه الجمع ، و«شهوة ) 5( بين متعة القراءة كما يراها «ألبرتو مانغويل» . ) 6( المعرفة كما في تقسيم وتعريف أبو حامد الغزالي» الثلاثيّّة الثّّالثة.. و«من هو المصري؟» تََقْْدُُم بنا، بل تََقُُودنا، ريم بسيوني إلى جدل الهوية والانتماء، وهذا في سياق غيربعيد عن الحالة العالمية الراهنة، ولكنها لا تذهب بنا بعيدا إلى حيث بداية تشكل القبيلة والشعب والأمة والوطن، أو إلى مولد الحضارات الأولى في مصر، ولو فعلت
جانبها الصواب، هي موضوع حديثنا اليوم، ليس لأنها فرضت نفسها من حيث القبول بها فقط، واتخاذها مطية للحصول على الجوائز في الأدب، وخاصة الرواية، وإنما لأننا نواجه بها واقعا مؤلما ومأسويّّا يبتعد بسرعة مزعجة ومقلقة عن منظومة القيم أيضاًً، على ما في ذلك من تغييب للعقل، لدفعنا نحو تغيير يخرج من التنظير الفكري إلى الواقع العملي، وهذا الأمر يجعلنا في خشية من أن يكون التاريخ - خاص ّّة المتخيََّل منه - مزيفاًً، أو زهوقاًً. متعة القراءة.. وشهوة المعرفة تلك الخشية قد تََنقص - لكنها لا تزول - إذا ما عُُدْْنا لقراءة بعض الأعمال الإبداعية العربية في مجال التاريخ، ومنها ، للكابتة المصرية «ريم ) 2( رواية «الحلواني.. ثلاثية الفاطميين» ، والتي تدخل ضمن مشروعها الفكري، كما يظهرفي ) 3( بسيوني» . ) 4( «معظم كتاباتها الروائية» لقد جسدت بسيوني التاريخ المصري من منظور تراثي، وبلغة جذابة وممتعة وس ََلِِس ََة، فيها يشترك القارئ مع أبطال رواياتها وشخوصها في فضاء لغوي واحد، يبعده عن «الاغتراب اللغوي» الذي نجده في أعمال أخرى كثيرة لروائيين استنجدوا بالتاريخ
99
98
2024 سبتمبر 299 / العدد
قراءة في رواية «ريم بسيوني» «الحلواني.. ثُُلاثيََّة الفاطميِِّين».. سرد تاريخي مشوق برؤية عصرية
Made with FlippingBook Ebook Creator