مجلة تُراث عدد 305- مارس 2025
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
2025 مارس 305 هيئة أبوظبي للتراث العدد
عن تراثية ثقافية منوعة تصدر
أماكن الذاكرة وذاكرة الأمكنة في كتابات الشيخ سلطان القاسمي مجالس رمضان في الإمارات.. إحياء للعادات والتقاليد في أبوظبي ذكريات مع رواد الطب أسماء البئر في التراث: تنوع يعكس ثراء اللغة العربية ظاهرة «اليأيأة» في اللهجة الإماراتية: بين سياقي الواقع والتأصيل اللغوي في طروحات شعراء الإمارات الليل الرؤية الجمالية للتراث: كيف شك ّّل الفن والفكر هوية الماضي
أبوظبي... بئر الحكايات التي نبتت من الماء
كلمة رئيس التحرير
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
إصدارات السلسلة التراثية الثقافية
البئر في التراث الإماراتي رم از للحياة والوجود، حيث كانت المصدر الرئيسي للماء في الصحراء وأداة تُُجسد حيوية لري ظمأ الإنسان. كما كانت ركيزة أساسية لاستقرار المجتمعات وظهور الواحات. ولم تقتصر وظيفتها على توفير الماء، بل ارتبطت بروح التكافل الاجتماعي، حيث كان الأهالي يتشاركون في مياهها مع المسافرين والمحتاجين. ونظ ار لأهميتها، حرصت المجتمعات القديمة على حماية الآبار من الردم والجفاف عبر بناء حواف حجرية أو طينية حول فوهتها ووضع أغطية خشبية أو حجرية لحمايتها من التلوث. كما خصصوا فرقا متخصصة مسؤولة عن صيانتها وتنظيفها لضمان تدفق المياه بشكل مستمر. ومن جانب آخر، لم تكن البئر مجرد مصدر للمياه، بل جسدت قيم الاستقرار أيضاًً، حيث أضحت ملتقى يجمع الناس للتواصل وتبادل الأخبار. فقد كانت مرك از لاجتماعات الأهالي، حيث تلتقي العائلات وتتشارك أحاديثها اليومية ومستجدات الحياة. وإضافة إلى دورها الاجتماعي، ارتبطت بعض الآبار بأسماء مميزة مستوحاة من حكايات وأساطير تناقلها الناس جيلا بعد جيل، ما أضفى عليها ب ُُعدا روحيا وثقافيا ًً. وأحيانا كانت الآبارتسمى باسم الشخص الذي حفرها، أو باسم عنصر خارجي يحيط بها كاسم شجرة، أو اسم قبيلة تسكن بالقرب منها، لذلك فقد تعددت أسماء الآبار، وكانت كل بئرتحمل في طياتها قصة أو حدثا تاريخيا ًً، وقد ترتبط بجريمة غامضة أو عهد قديم ظل محفو ار في الذاكرة الشعبية. وقد عززهذا الارتباط العميق مكانة الآبار، وجعلها محط احترام واعتزاز، فخ ُُلدت في التراث الثقافي وصارت جزءا لا يتجزأ من هوية المجتمع. واحتلت البئر مكانة بارزة في الأدب الشعبي الإماراتي، حيث ورد ذكرها في العديد من القصائد والأمثال التي تعكس ارتباط الإنسان بالماء وأهمية توفيره. وتبرز تلك النصوص الرمزية المتعلقة بالخير والبركة والحياة، حيث ي ُُعتبر الماء رم از للطهارة والرزق، وقد ارتبطت الآبار بالخير الوفير الذي لا ينفد، وصارت رم از للأمل في فترات الجفاف. وإلى جانب ذلك، كانت بعض الآبار تشكل جزءا من الطقوس الاجتماعية، حيث كانت تقام حولها احتفالات ومناسبات اجتماعية. ومع تطور الحياة، أصبح الاعتماد على الآبار أقل أهمية، خاصة مع توفر المياه الحديثة، لكن دولة الإمارات العربية المتحدة حرصت على الحفاظ على هذا الإرث العريق، فقامت بترميم العديد من الآبار القديمة ضمن مشاريع لإحياء التراث. وفي المناطق التراثية، مثل: ليوا والعين، ت ُُعرض الآبار ضمن السياحة الثقافية لتعريف الزوار بأساليب السقاية القديمة وأهمية الماء في حياة الإماراتيين. تبقى البئر، إذا ًً، رم از حيا من رموز التراث الإماراتي، تجسد صمود الأجداد في مواجهة قسوة الصحراء، وتعب ّّر عن قيم العطاء والتعاون التي توارثها الأبناء. وبالتالي، تظل جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية، التي يحرص المجتمع الإماراتي على الحفاظ عليها عبر الأجيال المتعاقبة. ولأهمية هذا الموضوع، جاء اختيارنا ليكون ملفا لعدد "تراث" لهذا الشهر، وكلنا أمل بأن تستمتعوا بموضوعات العدد المتنوعة.
ي � هر � ظ ا � ل � ة ا �� ش مس � � رئيسة التحرير
@turathuna_ae
العدد محتويات محتويات العدد
تراث السيرة 88
73
شعر ودراسة
ارتياد الآفاق رحلة الشاعر الألماني «غوته» إلى إيطاليا
الليل في طروحات شعراء الإمارات احتفل شعراء الإمارات بالليل وسطّّروا فيه قصائد رقيقة عذبة شجية في دواوينهم، ولا شك أن الصحراء والبحرلهما الدورالأبرزفي تكوين ليلهم الشعري، فصحراؤهم صنعت ليلهم الخاص الذي تبعثه بيئة الصحراء الآسرة، بقمرها المنير وهدوئها الساحر؛ والبحر بهدوئه وهيجانه؛ حيث ربط بعضهم الليل ً ثقيلا في مرضهم، وآخرون رأوه الحافظ �ً بحزنهم وألمهم، وبعضهم عايشوه ظلّا والأمين على سرهم وعشقهم. وفي الأحوال كلها جادت قريحة الشعراء بالتعبير عن لواعجهم وهمومهم ووجْْدِِهم وآهات عشقهم وهم يتحدثون إلى الليل ... قتيبة أحمد المقطران
102
10
من يدري عن شعور «غوته» بالاختناق بسبب مسؤولياته السياسية في بلاط «فايمار» يدرك أن قرار السفر كان نابعا من رغبة قوية في الفكاك من روتين حياة يومي مرهق، صاحبها فضول في معايشة الثقافة الإيطالية الكلاسيكية التي طالما قرأ عنها، في حين لم يكن يتصور أنه كان يبحث عن إلهام جديد سيعيد رسم مسار الأدب والفن لا في ألمانيا فحسب بل وفي العالم كله. في البداية، كانت الرحلة مجرد فرصة للاسترخاء والابتعاد عن ضغوط الحياة السياسية في «فايمار»، لكنها سرعان ما تحولت إلى مغامرة فكرية وفنية ... محمد عبد العزيز السقا
118
68
92
80
سرد الذاكرة
الذاكرة والمكان
ذكريات مع رواد الطب في أبوظبي كانت وزارة الصحة أشبه بخلية نحل نشطة، حيث امتدت علاقتي مع جميع العاملين فيها، بدءا من وزير الصحة، آنذاك، سمو الشيخ سيف بن محمد آل نهيان، وصولا إلى السيدة عفاف، عاملة البدالة، التي لا يزال صوتها ولهجتها الفلسطينية يترددان في ذاكرتي رغم مرور السنوات، ولا أعلم أين هي الآن. لم تكن وراء تلك العلاقات أي دوافع مصلحة أوهدف محدد، بل لأن عدد الموظفين كان قليلاًً، والأطباء التابعين للوزارة محدودون. وبحكم المراجعة الطبية، عرفت خليل عيلبوني العديد منهم، وما زلت أذكر أسماء شخصيات بارزة ...
أماكن الذاكرة وذاكرة الأمكنة في كتابات الشيخ سلطان القاسمي
إذا أمعنا النظر في المدو ّّنة التاريخية التي دب ّّجها سمو حاكم الشارقة، وأماكن الذاكرة كما وصفها نو ار سنجد بأن سمو الحاكم عمل جاهدا على توثيق أماكن الذاكرة على نحو غير مسبوق، وهذا ما يجعله مؤرخ الأمكنة بجدارة، ويتجلى ذلك بوضوح مائزفيما سرده في مدو ّّنته التاريخية عن أماكن الشارقة وما حوته من ذكريات تعالقت في ذهنه، من خلال سرد الذات وسرد الذاكرة، حيث أفرد كتابا يندرج في صنف السير الذاتية بعنوان: سرد الذات، وآخر من ثلاثة أجزاء منّّي بونعامة بعنوان: حديث الذاكرة، وغيرها كثير ...
74
128
5
4 محتويات العدد
محتويات العدد
عبد الفتاح صبري قفل الباب والتراث - 66 إعداد: ضياء الدين الحفناوي - العاصمة الذهبية وأيقونة المجد موسكو: 68 إعداد: نايلة الأحبابي الكوس - 72 موزة حمد الكعبي - بين سياقي الواقع والتأصيل اللغوي ظاهرة «اليأيأة» في اللهجة الإماراتية: 84 نورة صابر المزروعي - شفاء للجسد والروح العلاج بالحركات الراقصة: 100 علي تهامي التخييل والتجديد في كتابات الرحلة العربية المعاصرة - 102 حمزة قناوي الهوية بين الثبات والتحول وتمظهرات انعكاسها في الرواية المغربية - 106 قراءة في كتاب «أحلام أبوزيد» «علياء شكري.. أيقونة الدراسات التراثية» 110 خالد عمر بن ققه في الحضوروالغياب - شعر: الدكتور شهاب غانم رمضان نورالفضيلة - 113 عبد الرزاق الدرباس - للشاعر راشد الشامسي التراث وحب الوطن في ديوان هديل الراعبي 114 خالد صالح ملكاوي رمضان في وجدان الشعر- 118 هشام أزكيض - بين الشعر والتحدي والإبداع شيخنا عمر: 124 مريم النقبي شاعرالتراث وحارس القصيدة الشعبية - ..) 2018 - 1942 راشد غانم العصري ( 128 عائشة علي الغيص قعيدة بيت ولا سفر بنغالة - 130
94
فكر وفن
الرؤية الجمالية للتراث كيف شك ّّل الفن والفكر هوية الماضي كان الفن دائما وسيلة للتعبير عن الأفكار والمعتقدات والقيم لأي مجتمع وأي زمان من خلال الرسم أو الزخارف أو النحت، أو الرسوم التصويرية في الكهوف التي تحكي قصة زمان مضى ومكان غابر، أما الفكر فقد تطور من خلال الفلسفة ونظرياتها، وكذلك العادات والتقاليد، وتطورالإنسان ومتطلباته، حيث كان له دوركبيرفي رسم وضحى الغريبي صورة الجمال والمعنى الذي يعكس هوية المجتمع ...
تراثية ثقافية منوعة تصدر عن:
رئيس التحرير شمسة حمد العبد الظاهري
الإشراف العام فاطمة مسعود المنصوري موزة عويص علي الدرعي
122
الإخراج والتنفيذ غادة حجاج
عادات الشعوب
مجالس رمضان في الإمارات.. إحياء للعادات والتقاليد المجلس في الإمارات يمثل واقعا سياسيا واجتماعيا مهماًً، حيث يُُعد منصة لتبادل الأفكار والتشاور بين الحاكم والشيوخ والنخبة المثقفة. كما كانت المجالس في الماضي تشبه البرلمانات المصغرة، إذ كانت تناقش القضايا الاجتماعية والاقتصادية خالد محمد القاسمي والسياسية والثقافية، مما يساعد في اتخاذ القرارات المهمة ...
سكرتيرإداري وشؤون الكتاب سهى فرج خير torath@aha.gov.ae
110
66
64
التصوير: مصطفى شعبان -
أسعار البيع مملكة البحرين - بيسة 800 سلطنة عمان - الكويت دينار واحد - ريالات 10 المملكة العربية السعودية - دراهم 10 : الإمارات العربية المتحدة المملكة الأردنية الهاشمية ديناران - ليرة 100 سورية - ليرة 5000 لبنان - جنيها 250 السودان - جنيهات 5 مصر - ريال 200 اليمن - دينار واحد 3 بريطانيا - الجمهورية التونسية ديناران - دنانير 4 الجماهيرية الليبية - درهماًً 20 المملكة المغربية - فلسطين ديناران - دينار 2500 العراق - . دولارات 5 الولايات المتحدة الأمريكية وكندا - يورو 4 دول الاتحاد الأوروبي - فرنكات 7 سويسرا - جنيهات
الاشتراكات : للأفراد من خارج الدولة / درهماًً 150 : للأفراد داخل دولة الإمارات للمؤسسات / درهماًً 150 : للمؤسسات داخل الدولة - دولار 200 . دولار 200 خارج الدولة
الإدارة والتحرير: الإمارات العربية المتحدة - أبوظبي 024092336 - 024456456 هاتف: عناوين المجلة
ما ورد في هذا العدد يعبر عن آراء الكتاب ولا يعكس بالضرورة آراء هيئة التحرير أو هيئة أبوظبي للتراث
7
6 6
ّمحتويات العدد
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي صديق جوهر تاريخ وذكريات - تجليات الآبار في التراث والثقافة: 10 خالد صالح ملكاوي البئر منبت الحضارة ومفتاح الصحراء - 16 مريم علي الزعابي «الطوي» في الإمارات: نبض الحياة وروح الترابط الاجتماعي - 20 محمد فاتح صالح زغل أبوظبي... بئر الحكايات التي نبتت من الماء - 24 محمد نجيب قدورة الآبار أيقونة البقاء في التراث الإماراتي - 28 ب ِِي ْْدار الل ََّه ْْج ََة الإماراتي ّّة فيما طاب ََق الف ََصي ْْح 31 محمد فاتح صالح زغل ما أ ُُطل ِِق على الب ِِئ ْْر وما يدور في معانيه - أماني إبراهيم ياسين ... تنوع يعكس ثراء اللغة العربية - أسماء البئر في التراث 32 مروان الفلاسي ذاكرة الماء في صفحة التراث الإماراتي الأصيل - الطوي: 38 عائشة علي الغيص منبع الحياة ورواء المشاعر - الطوي في القصيدة النبطية: 42 أقدم شعراء الإمارات الذي أسس جغرافية الشعر 46 الأمير كمال فرج رموز البئر الخمسة في قصائد الماجدي بن ظاهر- محورية «البئر» في الشعر 52 عـــادل نيــل قراءة في قصيدة «وكيف الصعود إلى البئر» - أحمد عبد القادر الرفاعي رمزية البئر في الرواية الإماراتية روح الطبيعة ولغة الحياة - 56 القاص ّّة الإماراتية مريم جمعة فرج 60 أحمد حسين حميدان كتبت بماء البئر سردها القصصي - لولوة المنصوري - الماء وأمومة البئر 64
9
8
2025 مارس 305 / العدد
8
تجليات الآبار في التراث والثقافة: تاريخ وذكريات رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
صديق جوهر مر التاريخ، كان حفرالآبارالضحلة أول ابتكارفي رحلة على الإنسان للبحث عن مصادر المياه العذبة. ومع تزايد الحاجة إلى المياه وتطور الأدوات، بدأ الحفر يصل إلى أعماق أكبر. فقد شي ّّد سكان المدن في حوض نهرالسند آبا ار مبطنة بالطوب منذ ًًا قبل الميلاد، بينما استخدمت الصين القديمة آبار 2500 عام قدم) لأول مرة. 1600 متر (أكثر من 500 بعمق يصل إلى ويشير مايكل كورتيس، عضو كشافة ساحل ع ُُمان المتصالح - وهي قوة شبه عسكرية دعمها البريطانيون في الخمسينيات من القرن الماضي - إلى أن آبار المياه كانت يوما ما مفتاحا للبقاء وأداة للسلطة في منطقة لا يتجاوزمعدل هطول الأمطار سنتيمت ار سنوياًً. ويضيف أن اكتشاف بئر مياه كان 12 فيها المحفّّز الأساسي لنمو أبوظبي، التي أصبحت اليوم مدينة مترامية الأطراف. ويرى كورتيس أن اكتشاف آبار المياه جلب الاستقراروالسلام للمنطقة، إذ نشبت قبل قيام دولة الإمارات نزاعات عديدة للسيطرة على مصادر المياه، ولعل أبرز دليل على ذلك أن قصر الحصن - قبل أن يصبح المعلم التاريخي الذي نعرفه اليوم - كان في الأصل برج مراقبة بُُني لحماية بئر ماء، وفقا لروايته. ومن الطبيعي أن يكون توفر إمدادات المياه الدافع الأساسي لهجرة السكان من صحاري أبوظبي الكبرى إلى المجتمعات الحضرية. ولم يقتصر ذلك على أبوظبي وحدها، بل شمل دبي والعين أيضا ًً. وفي بيئة غي ّّر فيها اكتشاف النفط حياة كل من كان يعيش في المنطقة، فإن اكتشاف آبار الماء في سالف الزمن قد جعل الحياة ممكنة في المقام الأول. ولكن بصرف النظر عن الغرض الواضح المتمثل في إرواء العطش، فقد استخدم البدوآبارالمياه كمعالم وخرائط طريق وسط المناظر
الطبيعية الصحراوية. يقول أحد رجال البدوبينما يتذكرالحياة في الصحراء في عهد ما قبل النفط: «كنا نعرف بالضبط عدد الآبارالموجودة في طريقنا، مثل محطات الوقود، لإعادة تعبئة المياه». وقال سام ماكونيل مرشد الصحراء وقائد الرحلات الاستكشافية: «الأمر كله يتعلق بالمشي من نقطة مياه إلى أخرى». «البدو يعرفون مكان الآبار والينابيع». ومع ذلك، كان العثور على الآبار وحفرها أم ار مختلفاًً، حيث كانت الخبرة وتجمع الحيوانات عادة هي المؤشر الوحيد على المكان الذي من المحتمل أن توجد فيه المياه الجوفية. وبحسب تقرير التراث المائي في الإمارات الذي نشرته هيئة البيئة - أبوظبي، فإن سكان الصحراء يبحثون عن التضاريس الواسعة والمنخفضة التي تتجمع فيها الإبل. ومن المفترض أن الجمال كانت قادرة على الشعوربوجود الماء حيث تتسرب الأمطار المتجمعة بين الكثبان الصحراوية إلى الأرض وتستقر فوق طبقات من الصخور الرسوبية تحت السطح. لكن
وكانت تستغرق في المتوسط من أربعة إلى خمسة أشهر». ولم يكن منسوب المياه الجوفية عميقا جدا في ذلك الوقت، لذلك كان من الممكن العثور على الماء على عمق متر واحد ًًا في الأرض. لقد استمرإرث البحث عن المياه لأن من يحفربئر ناجحا ي ُُكافأ بوضع اسمه عليه. لكن مفهوم ملكية الآبارلم يكن موجودا لدى المجموعات البدوية إلا بعد وقت طويل، حيث كانت الآبارتعتبرمنفعة عامة يمكن للجميع استخدامها بسبب ندرة الموارد. وكانت القبائل في ذلك الوقت تعيش في ظل حديث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم رواه الإمام أحمد وغيره: (المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار). لقد كانت مياه الآبار الجوفية وغيرها وستظل دائماًً، أحد الموارد الحيوية اللازمة لبقاء الإنسان. منذ آلاف السنين، وازدهرت الحضارات القديمة في المناطق التي كانت تمتلك موارد للمياه خاصة الأنهار التي كانت بمثابة المصدر الرئيسي للمياه.
التوقعات العشوائية المبنية على الحدس لم تكن تضمن العثور على الماء، وكان العمل على حفر بئر في تلك الأيام يتم في الغالب يدويا على مدى فترات طويلة من الزمن، وقد يستمر حفر البئر لمدة أسبوع على الأقل وفقا لموقع التراث المائي في الإمارات. تطور تبطين الآبار ومفهوم ملكيتها بين البدو وحسب التقارير فإن عمليات تبطين الآبار قد تطورت مع مرور الوقت حيث كان البدو يستخدمون النباتات الصحراوية مثل النخيل وأغصان الأشجار المحلية لتبطين جدران الآبار لمنع تسرب المياه. ولكن في أوقات أخرى، كان حفر البئر مهمة يقوم بها رجل واحد وتستغرق وقتا أطول بكثير. وقال أحد سكان البادية: «إن حفر البئر عملية كان يقوم بها رجل واحد
11
10
2025 مارس 305 / العدد
تجليات الآبار في التراث والثقافة: تاريخ وذكريات
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
، الأرشيف الوطني 1968 بئرمياه تقليدية في مدينة العين «الطوي»
البشرية من جوانب عديدة. ونتيجة لذلك، تطورت تكنولوجيا بناء الآبار والصهاريج والخزانات المائية للاستفادة من المياه ما خدمت هذه التكنولوجيا أغراضا ا � الجوفية. لكن غالب عسكرية وتجارية، بينما كان لها استخدامات محلية داخل المستوطنات البشرية أيضاًً. كما أوجدت أهمية إمدادات المياه ارتباطا وثيقا بين التكنولوجيا والثقافات الإنسانية في العصور القديمة، ويمكن إرجاع وجود الآبار وخزانات المياه الجوفية إلى العصرالسومري، حيث كانت العديد من النقوش التوضيحية الموجودة على الألواح السومرية القديمة تمثل آبا ار أو ما يشبه صهاريج المياه. ففي مناطق أخرى من العالم القديم تم حفر الآبار أو الصهاريج بجوار الطرق المؤدية إلى المناجم والمحاجر الواقعة في أماكن بعيدة ونائية، ومن المحتمل أن عُُمال الدولة القديمة والوسطى إبان العهد على مر التاريخ، كان حفر الآبار الضحلة أول ابتكار في رحلة الإنسان للبحث عن مصادر المياه العذبة. ومع تزايد الحاجة إلى المياه وتطور الأدوات، بدأ الحفر يصل إلى أعماق أكبر. فقد شيّّد سكان المدن في حوض نهر السند آبارا مبطنة قبل الميلاد، 2500 بالطوب منذ عام
واستضافت وديان كل من بلاد السند والصين ومصر وبلاد ما بين النهرين الحضارات الإنسانية المبكرة جزئيا بسبب الأنهار التي تمر عبرها، وعلى الرغم من أن مستويات المياه الدائمة يمكن أن تكون غيرمنتظمة إلى حد ما، خاصة في بلاد ما بين النهرين فإن المستوطنات البشرية التي ظلت قريبة بدرجة كافية من الأنهار كان لديها مصادر موثوق بها للمياه العذبة. ومع ذلك، عندما كان السكان يغامرون بالابتعاد عن موطنهم الخصب، يصبح الحفاظ على الوصول إلى إمدادات المياه مشكلة عويصة. ففي حضارات الشرق الأدنى مثل مصر وبلاد ما بين النهرين، كانت الأراضي القاحلة تحد المستوطنات
الفرعوني في مصر الذين استخرجوا حجر الديوريت (وهو من ميلا من نهر النيل، 55 الأحجار البركانية) في النوبة، على ب ُُعد كانوا يحصلون على احتياجاتهم من الماء من الآبار، حيث تم ياردة مربعة 27 العثور على حفر مستطيلة تبلغ مساحتها نحو في مكان غير بعيد عن المحاجر. الماء بين الأسطورة والتكتيك: من الآلهة إلى الحروب عندما أصبحت ندرة المياه شديدة بما فيه الكفاية بالإضافة إلى غياب التكنولوجيا اللازمة لمعالجة الوضع، لجأت الناس في بعض الثقافات، أحيانا إلى الخرافات والخزعبلات طلبا للمساعدة ومن ثم كان هناك العديد من آلهة الماء. على سبيل المثال كانت مدينة إريدو السومرية تحظى بالتبجيل لأن إلهها الراعي إيا (إنكي) كان «سيد الآباروالمياه العذبة التي تجري تحت سطح الأرض» وكان السكان يعتقدون أن هذا الإله يستطيع ضخ المياه عندما تكون الآبار جافة. وكذلك قبل 1225 - 1292 استعان الملك الفرعوني رمسيس الثاني ( الميلاد) في مواسم الجفاف بالإله (حابي) الذي وجد الماء قدماًً. وفي السياق ذاته شكّّلت الآبار 20 في الآبار على عمق
13
12
2025 مارس 305 / العدد
تجليات الآبار في التراث والثقافة: تاريخ وذكريات
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
أهمية استراتيجية للطرق التجارية والعسكرية عبر الصحاري حيث أصبحت طرق القوافل تسلك مسارات بها بعض الآبار خاصة في المناطق القاحلة في بلاد الشرق الأوسط والشرق الأدنى؛ ولذلك أصبح حفر الآبار وتحصينها مندمجا بشكل جيد في التكتيكات العسكرية في العهود السالفة خاصة في زمن الكنعانيين، آنذاك أصبحت السيطرة على الآبار أو مصادر المياه الجوفية بمنزلة استراتيجية لشل قوة العدو أو تعطيش معسكراته. وأدى تطورهذه الأنواع من التكتيكات إلى ظهور تقنيات جديدة للحفاظ على إمكانية الوصول إلى المياه الجوفية طوال فترة الحصار إبان الحروب أيضا ًً. الإمارات وريادة حفر الآبار وتخزين المياه في الوقت الراهن ومن الناحية الجيولوجية تعتبردولة الإمارات العربية المتحدة من الدول الرائدة في مجال حفرالآباربجميع ًًا أنواعها. ومن ناحية أخرى تولي دولة الإمارات اهتماما كبير بمشروعات حفر الآبار نظ ار لأهميتها الكبيرة في توفير مياه الشرب النظيفة لعدد كبير من الفقراء والمحتاجين، خاصة في الدول الأفريقية التي تعاني نقص المياه، حيث تعمل العديد من الجمعيات الخيرية على جمع التبرعات وحفر الآبار التي توفر المياه الصالحة للشرب لآلاف الأشخاص، خصوصا في المناطق الفقيرة والنائية. وفي الإمارات تشرف هيئة البيئة على المشروعات المتعلقة بالآبار وتخزين المياه الجوفية. وفي إطار برنامج مراقبة المياه
زيارة 1100 بتنفيذ 2021 الجوفية، قامت الهيئة في عام بئ ار بهدف مراقبة مستوى المياه وقياسه في 440 لأكثر من الآبار. وتشرف الهيئة على مشروع «مخزن الخير»، وهو الخزان الاستراتيجي للمياه العذبة في منطقة ليوا، الذي يعد الأكبر 26 من نوعه في المنطقة، ويتميز هذا المشروع بسعة تبلغ مليون مترمكعب من المياه الجوفية الم ُُخز ّّنة في طبقة المياه الجوفية الضحلة شمال غرب ليوا، ويعتبر بمثابة احتياطي استراتيجي لتزويد مدينة أبوظبي بالمياه أكاديمي وناقد - خبير الترجمة في الأرشيف والمكتبة الوطنية
المصادر والمراجع:
1. :حفر الآبار في الإمارات https://www.ikhair.net/ . 2. Al Wasmi Naser. Qasr Al Hosn Fort in the Early Days https://www.thenationalnews.com/uae/ Retrieved on 28 January 2014. 3. Groundwater Wells. https://www.usgs.gov/special-topics/water-science-school/science/ groundwater-wells, retrieved on 6 June 2018. 4. Water Well. https://www.sciencedirect.com/topics/engineering/water-well STUDY FOR ABILITY OF WELLS WATER AS A SOURCE FOR POTABLE WATER 5. Alwan Haider Hussein. A STUDY FOR ABILITY OF WELLS WATER AS A SOURCE FOR POTABLE WATER. Al-Qadisiya Journal for Engineering Sciences, Volume 2 (2009): PP.192-205. 6. Water Wells: Sustainable Usage and Rehabilitation Technology. https://www.e3s-conferences.org/articles/e3sconf/pdf/2023/54/ e3sconf_geotech2023_02017.pdf
15
14
2025 مارس 305 / العدد
تجليات الآبار في التراث والثقافة: تاريخ وذكريات
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
البئر منبت الحضارة ومفتاح الصحراء
خالد صالح ملكاوي الحياة في الإمارات، في الماضي، ارتباطا ارتبطت وثيقا بالماء والسفر والطرق والقوافل، ما عظ ََّم من أهمية آبارالماء، وجعلها أهم الركائزالتي قام عليها هذا النمط من الحياة، وغدت الآبار من منابت الحضارة. وقد لازم حفرها والبحث عنها والحصول على مائها إنسان الإمارات منذ وُُجد، فالتصقت بحياة أفراد المجتمع بمختلف شرائحه وبيئاته، وغدت بلسما يخفف ملوحة الحياة، وكما كانت مصد ار مهما من مصادرتوفيرمياه الشرب، فإنها لعبت دو ار في بث أسباب الحياة في الأرض وفي الكائنات كافة، وكانت محطة استراحة في طريق القوافل، ونواة لتشكيل تجمعات سكنية حولها وتعزيزمنظومة القيم السائدة، فحافظت على مكانتها في الموروث الشعبي، وعلى حضورها العميق في الذاكرة الثقافية. وكما هو الماء أساس الحياة، ظلت الآبار من أبرز سبل الحصول على هذه الركيزة، وظل أهل الإمارات عبر قرون يعتمدون على المياه الجوفية، فيستخرجونها من الآبار بطرق يدوية بدائية. ولم يبدأ التفكير في إنشاء شبكات توزيع المياه على المنازل إلا في أوائل الستينيات من القرن الماضي، إذ عندما 1961 ظهر أول مشروع لمحطة تحلية في أبوظبي عام تعاقدت الحكومة مع إحدى الشركات البريطانية، ولم يوفق المشروع بتوفير متطلبات المدينة من الماء، فتبعه مشروع مماثل مع شركة بريطانية أخرى يمثلها أحد التجار الكويتيين، ولم يختلف أداؤها عن سابقتها كثيارًً، ما قاد إلى التفكير بالاستفادة من مياه منطقة الساد، التي تم الانتهاء من العمل م، 1966 في مشروع مد أنبوب المياه منها إلى أبوظبي عام
طوي ربيع، وصفصوف، وخليف، ومن التي سميت على اسم من أمر بحفرها بدع زايد، وبدع خليفة، وكذلك طوي عبد الله بن سعيد، وسيف، وحسين، وبدع عفرا، وميثا، وكليثم. ومن الآبار التي سميت بناء على ما يتصف به ماؤها من حلاوة أو ملوحة أو مرارة، طوي الحليو، ومليحة، والعذيب، والمرة، ومويلح. وقد ترتبط البئر باسم عائلة أو قبيلة حفرتها أو أمرت بحفرها، مثل بدع الظواهر، وطوي الشامسي، أو ترتبط باسم منطقة ح ُُفرت فيها، مثل بدع المرموم، والخران، والحمرانية، والهير، وبدع سويحان. مشاعية آبار أبوظبي إن أهم ما تحرص عليه القبيلة البدوية هي ديرتها وموارد مياهها، إذ لا يحق لغيرها من القبائل أن ترعى حيواناتها في
وكان الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - يشرف على العمل بنفسه ويتابع الإنجازات أولا بأول من أجل توفير احتياجات أبوظبي من المياه. وفي دبي قادت أعمال المسح الجيولوجي إلى اعتماد مياه بئر منطقة العوير لسد احتياجات سكان المدينة من المياه، فتم مد الأنابيب الإسمنتية وصولا العمل بخزان المياه 1961 إلى المدينة، واكتمل في يونيو عام الذي أقيم لتغذية المدينة بمياه الشرب، وأصبحت هناك محطة للمياه العذبة في منطقة رأس الخور. أما الشارقة م، إذ تم 1963 فقد اهتمت بحفر المزيد من الآبار في عام حفر ثلاثة آبار في موقع البديع، ومددت منها الأنابيب لتزويد المدينة بالمياه الصالحة للشرب والاستعمال المنزلي. وبدأت بقية الإمارات الأخرى مشاريع الماء في فترات مختلفة من عقد الستينيات، وتأخر بعضها الى السبعينيات.
مسميات البئر ومن مسميات البئر «الط ُّّوِِي»، وهي البئر المطوية بالحجارة أو المعرشة، والجمع «طْْواي»،. ولها أسماء متعددة أخرى، فمن أسماء البئر كذلك «الع ِِد ََ»، وهو بئر الماء الذي يحفر في أرض صلبة وحجرية، فلا يحتاج إلى تعريش. و»البِِد ِِع ْْ» أيضاًً، المشتق من الإبداع، وهي الأرض القاحلة، ويكثر استخدام اسم بدع في أبوظبي ودبي، فنجد أسماء مثل: بدع زايد، وبدع خليفة، وبدع بالهلي. ومن أسماء البئر أيضا «ق ََلِِيب»، وتلفظ «ج ِِليب»، وهي البئر قبل أن تطوى. وقد تسمى البئر «خريجة» إذا كان ماؤها مالحا ًً، وتسمى «يفر» إذا كانت غير عميقة. ًًا وقد تتم تسمية البئرباسم من حفرها، أومن أمربحفرها، فرد كان أم عائلة، أو بصفة مائها، أو المنطقة التي حفرت فيها. فمن الآبار التي سميت على اسم الشخص الذي قام بحفرها
17
16
2025 مارس 305 / العدد
البئر منبت الحضارة ومفتاح الصحراء
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
كسل أو تهاون، تقول كلمات الأنشودة التي تخاطب المعنيين بإخوان شما كناية عن الرجال من أصحاب الشهامة والنخوة اخــــــــــــــــــــــوان شـمّّــــــــــــــــــــــا وراكــــــــــــــــــــــم رقــــــــــــــــــــود ٍ ينـــــــــــــــــــــــــــــــــود �ٍّ ٍ يصلّّــــــــــــــــــــــي وحــــــــــــــــــــــد �ٍّ حـــــــــــــــــــــــــــــــــد ٍ واجــــــــــــــــــــــف شرات العمــــــــــــــــــــــود �ٍّ وحــــــــــــــــــــــد وفي إحدى الكنايات الشعبية يجسد البئر صورة للحرص على روابط القربى والذود عن أصحابها، إذ تقول الكناية: «دلو لي ََت بيالها»، أي دلو لجأت إلى البئر ع ُُلقت بجانبه من الداخل، وتقال اعترافا واستسلاما بقوة الشف ورابطة القرابة، عندما يدافع أحدهم عنه قريبه. وتحضر البئر في المثل الشعبي رم از لمصدر الخير والرزق الذي ينبغي المحافظة على استدامته وسلامته أيضاًً، ويُُنهى عن رمي الحجارة فيها، لأن ذلك سيلوث ماءها فيخسر الرامي ورده ومصدرارتوائه، إذ يقول المثل: «البيرلي تشرب من ماه، لا تعق فيه حصاه». ويُُضرب هذا المثل الشعبي في النهي عن مقابلة الإحسان بالإساءة والنكران، كما يُُضرب نصحا في المحافظة على مورد الخير ومصدر الرزق، كالتحذير مثلا من تخريب العلاقة مع من ينفعك ويحسن إليك
ديرتها إلا بإذن منها، والديرة مرتبطة بدرجة كبيرة بموارد المياه التي تعتبر أساس تواجد القبائل في أماكن معينة، فالآبار، التي تعتبر مفاتيح الصحراء، هي التي تحدد تنقلات القبائل البدوية، وهي المسؤولة عن توزيعها في بقاع الصحراء المترامية الأطراف أيضاًً، الأمر الذي جعل مسألة السيطرة على آبارالمياه وادعاء ملكيتها مسألة حيوية وجوهرية بالنسبة إلى القبائل البدوية، حيث كان من حق القبيلة أن تمنع القبائل الأخرى من استخدام الآبار التي تقع ضمن ديرتها. إلا أن واقع القبائل في دولة الإمارات العربية المتحدة يفيد أن أيا من القبائل لم تكن تنفرد في الماضي بمراع معينة، بل كانت المراعي مشاعة بين قبائل متعددة، وكانت أجلى صور ذلك تتجسد لدى القبائل المتحالفة في أبوظبي التي كانت تتقاسم الموارد المتاحة. فكانت آبار الظفرة، وليس كل آبار ليوا، مشاعاًً. وفي منطقة الكدن، إحدى مناطق الظفرة، كان خور ابن حم العامري واحدا من أشهر آبار المنطقة الذي يشترك العوامر فيه مع قبائل أخرى. ويذكر الرحالة والدبلوماسي البريطاني مارتن بكماستر عددا من آبار منطقة الختم، منها: الغنا، عقير، أبو حريبة، بو سمرة، وكذلك موية الجبار، وبو نخيلة. ويذكر وهفافا وفريجة بوهرم في الحمرة، وشليف وسويطية ودمقا في الظفرة، وقمرة في بينونة. البئر في الذاكرة الثقافية واحتلت البئر مكانتها في الموروث الشعبي، وحافظت على حضورها العميق في الذاكرة الثقافية، وانعكست رمزيتها في مختلف ألوان الأدب الشعبي التي أبرزت أهميتها وأدوارها، لا سيما دورها الاجتماعي، حين عكست قيم الاستقرار، فكانت ملتقى يجمع الناس للتواصل وتبادل الأخبار، يتشاورون حولها في شؤونهم، ويتعاونون في أمور الحياة، وعندها يتم إبرام الاتفاقيات، وتوثيق العلاقات بين القبائل. ففي الأمثال والأقوال الشعبية ثمة مثل يقول: «اقبض الماء، والورد بيّّيك»، ومعناه أنك إذا أردت إن تقابل أحدا من الناس، فما عليك إلا أن تنتظرعند مورده من الماء، وسوف تجده، لأنه حتما سيأتي إلى الماء. وثمة مثل شعبي آخرحول ما اتسمت به الآبارمن مكان للالتقاء وتبادل الأخبار، إذ يقول المثل: «الخبر بيْْجيبنّّه المروّّيات»، ويعني أن الأخبار والمعلومات عن الحي، تتناقلها النساء عند لقائهن قرب البئر لجلب الماء، وهن من
باحث وإعلامي مقيم في الإمارات
المصادر والمراجع: . الأمثال والألغازالشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، عبيد راشد بن صندل، 1 م. 2001 العين، مركززايد للتراث والتاريخ، نادي تراث الإمارات، الطبعة الأولى، . الخريطة القبلية لإمارة أبوظبي، عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، مجلة ليوا، 2 م. 2005 ، يناير 13 أبوظبي، مركز الوثائق والبحوث، العدد . دولة الإمارات العربية المتحدة.. دراسة في الجغرافية الاجتماعية، شاكر 3 م. 1977 خصباك، بغداد، مطبعة الإرشاد، . ديوان علي أحمد الكندي المرر، علي أحمد الكندي المرر، أبوظبي، أكاديمية 4 م. 2021 الشعر في دائرة الثقافة والسياحة، . رحالة وسياسيون زاروا الإمارات والخليج قبل النفط، محمد فارس الفارس، 5 م. 2012 ، 1 الإمارات العربية المتحدة، ط . قبيلة العوامر بين الماضي والحاضر، خالد صالح موسى ملكاوي، أبوظبي، 6 م. 2015 . معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات العربية المتحدة، فالح حنظل، 7 م. 1998 أبوظبي، الإدارة الثقافية بوزارة الإعلام والثقافة، الطبعة الثانية، . من الإمارات المتصالحة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، فراوكة هيرد 8 م، 2007 باي، دبي، مجموعة موتيفيت للنشر، . موسوعة الأمثال والأقوال الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، راشد 9 م. 2016 أحمد المزروعي، الجزء الأول، الطبعة الأولى، أبوظبي،
يقمن بنشرها أثناء توزيعهن الماء. وللبئر حضورها الاجتماعي في الشعر النبطي، وتََذََكُُّر دفق الحياة وحيوية الأيام التي كان الناس يمضونها قرب آبار المياه، فها هو الشاعر علي أحمد الكندي المرر، صادف أن مر على «ع ِِد الفريش»، فرأى المنازل القديمة وبقايا نخل ميت جنوب المنازل، وتذكر تلك الأيام التي كان يزور فيها هذا الع ِِد ويمضي فيه الأوقات الجميلة، فأثارت رؤية الع ِِد المهجور في نفس علي الأحزان، وقال هذه الأبيات: ِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد ويــــــــــــن اللي سكــــــــــــــــن فيـــــــــــــــــــــــــــك ْْيــــــــــــــــــــــــا ع ويــــــــــــــــــــــــــــــن العــــــــــــــــــــرب والنــــــــــــــــــــاس لحشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام لــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي دوم تســــــــــــــــــــــــــــــرح فــــــــــــــــــــــــــــــي مفاليــــــــــــــــــــــــــــــك ويامــــــــــــــــــــــــــــــا بنََــــــــــــــــــــــــــــــوا فـــــــــــــــــــــــــي يََــــــــــــــــــــــــــــــوّّك اخيــــــــــــــــــــام ََــــــــــــــــــــــــــــــد اليـــــــــــــــــــــــــوم يبغيــــــــــــــــــــــــــــــك مــــــــــــــــــــا شــــــــــــــــــــوف ح ََــــــــــــــــــــد يذكــــــــــــــــــــــــــــــر ذيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك لأيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام ولا ح
وأبرز المثل الشعبي الإماراتي ما تمثله البئر من رمز للخير والجود، إذ يوصي أحد الأمثال الشعرية العطشان ألا يرد الآبار الضحلة التي لا تحتفظ بمائها، بل عليه بالعدود، وهي الآبار التي تحتفظ بمائها، وينبهه بألا ينخدع بأضواء البرق وأصوات الرعد، فكثي ار ما قتل السراب غيره عطشاًً. يقول هذا المثل الذي يضرب في مدح الكريم الذي لا ينضب كرمه ولا فضله، بخلاف الذي يد ّّعي الكرم: بوْْصيــــــــــك يا ظميــــــــــــــــــــان منصــــــــــــــــــــاك لعْْــــــــــــــــــــدود عــــــــــن ورود البحــــــــــــــــــــص ف ايــــــــــــــــــــام الصـــــــــــــــــرام لو انتــــــــــــــــــــــــــــــزى لك برق واخ ْْتلــــــــــت الرعــــــــــــــــــــــــــــــــــــود ما روى العطشــــــــــــــــــــان من طــــــــــــــــــــش الرهـــــــــــــــــــــــــام وفي هذا اللون من الأدب الشعبي ثمة أنشودة للنخوة والعزوة، كانت ت ُُقال عند حفر البئر تحفي از للرجال القائمين على الحفر لحثهم على المثابرة، وتشجيعا لهم على إنجاز العمل دون
19
18
2025 مارس 305 / العدد
البئر منبت الحضارة ومفتاح الصحراء
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
: في الإمارات » الطوي « نبض الحياة وروح الترابط الاجتماعي
أسماء الطوي ودلالاتها للطوي أسماء متعددة ولكل مسمى دلالة تاريخية أو معجمية أو موضعية، ومنها: الطوي هو البئر وقد سمي بذلك لطيه، وحفره وبنائه الطوي: على شكل دائري يبنى من الداخل ويطوى بالحجارة وبالجير وبالخرسانة حاليا ًً، حتى لا يتساقط الطين والأحجاربعد حفره، وكلمة الطوي كلمة فصيحة، والطوي: لفظة تؤنث وتذكر في الوقت ذاته، وجمعه في العامية ط ِِوى، كما أن بعضهم يسمون الطوي في العامية (الع ِِد)، بكسر العين، وهي كلمة فصيحة أيضاًً، وتعني الموضع الذي يتخذه الناس ويجتمع فيه ماء كثير، والماء العد هو الدائم الذي فيه مياه لا انقطاع لها مثل: ، ومن أسماء الطوي أيضا (البدع)، ) 2( ماء العين، وماء البئر ويعني في اللغة الحفر، ويكثر استخدام اسم بدع في إمارتي أبوظبي ودبي، فنجد أسماء مثل: بدع زايد، وبدع خليفة، وبدع بالهلي وتسمى به المناطق. ومن أسماء البئر أيضاًً: خريجة، وهي البئر المالحة، و«ويفر»، وهي البئر غير العميقة. يزداد ارتباط الناس بكلمة الطوي وتصبح الأرض ا � ودائم المحيطة بها سكنا لهم وتسمى تلك المنطقة باسمها، مثل: طوي الطويين، وطوي الفغوة نسبة إلى منطقة الفغوة، وطوي المحترقة في منطقة المحترقة، وطوي الصرم في منطقة
الصرم، والطوي المجهولة التي يجهلها الكثيرون، وقد تسمى بأسماء من أمرومول حفرها. كطوي بالهلي الذي ينسب لعائلة بالهلّّي، وقام بحفره الســـيد محمد بن لاحج بالهلي، ويقع شـــمال منطقة مرغم بإمارة دبي. وتارة تسمى باسم الشخص الذي قام . ) 3( بحفرها مثل طوي السامان وطوي صفصوف، غيرها لفظة مؤنثة على الأغلب، وهومن «البئرة الحفرة، وب ََأ ََرْْت البئر: ُبُؤ ْْرََة ًً، أي: حفيرة فأنا أ ََب ْْأ ََرُُها بأ ار ًً، وهي حفيرة صغيرة للن ّّار ت ُُوق ََد . والبئر يجمع على آبار، وفي ) 4( فيها. والب ََئ ّّار أيضا ًً: حافر البئر» بعض اللهجات يخفف فيقال: بير، للتسهيل الصوتي، ويجمع على أبيار في العاميات. وهي البئر التي يكون ماؤها قريبا من سطح الأرض ولا اليفره: تكون عميقة في الغالب. وهي التي يكون ماؤها مالحاًً، أو يخالطه قليل من الخريجة: الملوحة وعادة ما تكون قريبة من الساحل. وهي البئر القديمة التي يجهل موضعها الناس. الأجهلي: والقليبُُ: الْْبِِئْْرُُ، قََبْْل أََن تُُطْْوََى، فإِِذا طُُوِِيََتْْ، فََهِِي القليب: الط ََّوِِي ُُّ، وََالْْج ََمْْع القُُلُُب ُُ. وََقِِيل ََ: هِِي الْْبِِئْْر العاديََّة القديمةُُ، الََّتِِي حاف ِِر ٌٌ، تكون بالب ََراري، ت ُُذك ََّر وتؤ ََنث؛ و ََق ِِيل ََ: ا يُُعْْلم لََهََا رََب ٌٌّ، وََلَا ا ل َا . وتنطق ) 5( هِِي الْْبِِئْْر الْْقََدِِيمََةُُ، مََط ْْويََّة كََانََت أََو غََيْْر مََط ْْويََّةٍٍ» (جليب) كما يلفظ بالعامية.
مريم علي الزعابي الطوي (البئر) دوار مهما في حياة الإنسان منذ القدم، فكان مصد ار مهما لإمداده بالماء، كما كان الطوي مصد ار لعب أساسيا للماء في شعب الإمارات منذ القدم وحتى ثمانينيات القرن الماضي، وتؤكد الكتب والمراجع أن كثي ار من الطرق القديمة والتاريخية ارتبطت بالماء وسميت باسم الآبار التي تمر عليها، ولا تزال مجموعة من هذه الطرق موجودة حتى الآن بعد أن طالها التطور والعمران وبعضها الآخر انتهى إلا أنه لا يزال حتى وقتنا الحاضر معلما حضاريا مهما مثل الخط الذي يدل على امتداد الطريق الدولي من أبوظبي حتى نهاية شرق الجزيرة العربية. يقول المواطن سعيد بن ناصرمن أهالي مدينة العين «كانت أرض الإمارات مملوءة بالطوايا وعددها كثير جدا وأينما تتوجه تجد أمامك طوي ماء وع ُُرفت البادية منذ القدم بغزارة مياهها وعذوبة ينابيعها وكثرتها وواقعنا الذي عشناه في البادية يؤكد غنى الصحراء بالينابيع والآبار ويكثر في المنطقة آبارالمياه التي نرتوي منها ونسقي البوش ونقيظ عليها وتمد الأهالي والعابرين بالمياه العذبة وتروي ظمأ الإنسان ». ثم بدأت أهمية البئر تتراجع وتتلاشى كبئر تقليدي، ليفسح المجال للآبار الارتوازية العميقة والضخمة التي ) 1( والحيوان ت ُُحفر في عمق الأرض لاستخراج المياه الجوفية، التي تمد المدن الكبيرة وتضخ لها مياها كثيرة ونظيفة دون انقطاع. كما أن بعض الآبار تموت وتختفي، وتصبح مع مرور السنين ذكرى واسما لطوي لا يعرف مكانها. وتبقى الطوي من مفردات التراث العريقة، التي ارتبطت ارتباطا وثيقا بحياة أهل الإمارات في الماضي القريب.
21
20
2025 مارس 305 / العدد
«الطوي» في الإمارات: نبض الحياة وروح الترابط الاجتماعي
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
الطوي نبض العطاء - كانت الطوى هي المصدر الأساسي لتأمين مياه الشرب للسكان والماشية، خاصة في المناطق الصحراوية التي تندر فيها المياه السطحية والجداول وفي مواسم الجفاف. - اعتمد المزارعون على مياه الطوى في ري المحاصيل والنخيل، مما أسهم في استدامة الواحات والزراعة التقليدية. وشكلت الطوى نقاطا حيوية لتجمع القبائل والمجتمعات البدوية، حيث قامت بالقرب منها مستوطنات ومناطق سكنية. - وفرت الطوى المياه والسقيا قديما لعشرات القوافل الذاهبة والراجعة، فكانت بمثابة محطات استراحة في الطرق للقوافل التجارية والمسافرين، الذين يعتمدون عليها للتزود بالمياه أثناء رحلاتهم الطويلة. - ويبرز لهذه الطوى (الآبار) جانب ثقافي مشرق، إذ لم تكن الطوى مجرد آبار، بل كانت مراكز اجتماعية يلتقي فيها الناس، ويتبادلون الأخبار، وتعقد عندها المجالس والاتفاقات بين القبائل. كما أسهمت في توفير المياه للأسواق والمواشي، ما دعم حركة البيع والشراء في الأسواق القريبة. - كان حفر الطوى وتنظيفها وإصلاحها عملا جماعيا تشارك فيه القبائل، مما عزز قيم التعاون والتكافل بين الناس. ختاما فإن الآبار كانت بالنسبة إلى الإنسان الإماراتي شرايين الحياة التي نبضت بها الإمارات في الماضي، وأسهمت في صمود أهلها أمام قسوة الصحراء وشح المياه باحثة إماراتية الهوامش والمصادر: . «طوايا الماء.. مفتاح البادية واستراحة المسافر وبوصلة القوافل»، شيخة 1 25 الغاوي، تقرير منشور على موقع وكالة أنباء الإمارات «وام»، بتأريخ: السبت، م. الرابط: 2012 فبراير https://www.wam.ae/article/hsyqn3v5 - . لسان العرب، ابن منظور، تحقيق وتعليق: اليازجي وجماعة من اللغويين، دار 2 . 285 ، ص 3 هـ، ج 1414 صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، . موسوعة الإمارات التراثية، جمعة خليفة بن ثالث، الطبعة الثانية: جميعة 3 . 2017 الإمارات للغوص، دبي، . كتاب العين، الخليل بن أحمد الفراهيدي، تحقيق: مهدي المخزومي، إبراهيم 4 . 290 ، ص 8 السامرائي، دارومكتبة الهلال، ج 689 /1 . ابن منظور، 5 . «الطوايا مصادر تراثية تروي الظمأ وتفيض بالحياة»، هدى حرقوص، مقال 6 م، على الرابط 8/12/2021 منشورعلى موقع صحيفة «البيان»، بتأريخ: الأربعاء https://www.albayan.ae/culture-art/heritage/2021-12-08-1.4318531 . المرجع السابق نفسه. 7 . شيخةالغاوي، مرجع سابق. 8
حفر الطوي واستخراج الماء في البداية وقبل عملية الحفر لا بد من تحديد الموقع الذي يشتمل على مياه، أو يتوقع وجود مياه فعلية، وكانوا في الإمارات «يعتمدون على خبرتهم الفطرية لالتقاط المعالم الظاهرة على السطح وكثافة الوجود النباتي لاختيار المكان المناسب، وكثيار ما يختارون الأماكن القريبة من مجاري السيول لعلمهم أن مجرى الماء على السطح يقابله مجرى ماء في باطن الأرض حيث تختزن المياه الجوفية، ومن هؤلاء يذكر لنا الشاعروالراوي سالم بن معدن: محمد المحيان وابنه عبد الله وسالم المويه من أهالي العين المشهورين بمقدرتهم على تعيين أفضل المواقع لحفر الطوايا، ويبدأ حفر البئر بتحديد قطرها الذي لا يتجاوز غالبا الثلاثة أمتار، ومن ثم حفرها بالمعول وإزاحة التربة يدويا باستخدام المجارف لحين بلوغ عمق يقارب المترين، حيث تبدأ عملية طوي البئر باستخدام الحجارة أو بعض أنواع الخشب الصلبة مثل السمر، وذلك .» ) 6( تبعا للموارد المتوافرة في المنطقة المحيطة وتصاحب عملية الحفر العمل على طوي البئر بالحجارة كلما تعمق البئر، والهدف من عملية البناء والطوي دائريا تثبيت التربة على جانب البئر(اليال) لحماية الشخص الذي يحفرمن انهيار التربة عليه، كما تسهم في صمود الطوي أمام عوامل التعرية وتساقط الأمطار، وقد أثبتت هذه الوسيلة فعاليتها، حيث صمدت بعض الطوايا القديمة لمئات السنين، وبعد إنجاز هذه المرحلة يتم إنزال الشخص الذي يقوم بالحفر أو بناء الطوي بواسطة حبل معلق من تحت إبطيه، ليستمر في قامة، 30 الحفرحتى بلوغ الماء، حيث يصل عمق بعض الآبار . ) 7(ًً أي ما يزيد قليلا على الخمسين مت ار لا تُُحفر الطوى عادة في الأراضي الرملية الهشة المعرضة للانهيار، بل يُُنتقى لها موقع متماسك التربة، يضمن استقرارها واستدامتها. وتختلف مدة الحفر تبعا لعدد المشاركين فيه وعمق الماء المخبوء في جوف الأرض؛ فإن كان قريبا من السطح، اكتمل الحفر في يومين أو ثلاثة، أما إن كان بعيد الغور، فقد يستغرق الأمرعشرة أيام أوأكثر. ولا يقتصرالعمل على حفر طِِوى جديدة فحسب، بل يشمل صيانة الط ِِوى القديمة أيضا التي تكد ّّست فيها الأتربة بفعل الرياح، أو تلوثت بسقوط دابة فيها، مما يستدعي استخراجها وتنقيتها لتعود صافية صالحة للشرب.
كما تستخدم في الآبار معدات تعرف في الثقافة الشعبية بـ «الدلو»، أو الرشا، والعراجي وهي الحبال التي تربط بها الدلو، أما بطن البئر التي تحدها التربة من كل صوب (عرضها) فيسمى يال. وهناك آبار قديمة في الإمارات يعود تاريخ بعضها إلى ثلاثمئة أو أربعمئة سنة مضت مثل بئر: فلاح وعثمر وتاهل والعشوش التي ذكرها الشاعرالإماراتي القديم الماجدي بن ظاهر. وبعض الطوى قديمة قدم التاريخ، لا يُُعرف حافرها الأول، لكنها ظلت شاهدة على حياة عبرت، واشتهرت قبيلة الطنيج بحفر الآبار وإجادتهم لإصلاحها، وهم يعملون في حفر الآبار وإصلاحها بشكل جماعي، ومنهم: المرحوم عبيد بن سعيد بن دلموك كان يتعاون مع زميل له اسمه نهيل محمد مصبح الحافري في حفر الآبار وإصلاحها مقابل أجر بسيط واشتهروا بهذا العمل . ) 8( في منطقة سهيلة والذيد وما جاورهما»
23
22
2025 مارس 305 / العدد
«الطوي» في الإمارات: نبض الحياة وروح الترابط الاجتماعي
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
بئر قصر العين.. بصمة الحياة والجمال أول ما طالعت عنوان الملف الذي أعدته مجلة تراث عن البئر باعتباره رم از للوجود والحياة في المجتمع الإماراتي، ولأهميته في التراث الثقافي الإماراتي، تراءى لي فوار بيت المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - مؤسس دولة الإمارات الذي زرته سابقا ًً، وتلك البئر المتموضعة وسط الساحة، وبصمة الحياة والجمال فيه رغم بساطته، كأنه بيت مشغول من رماد القصيد يلخص سر العبقرية عند المغفورله الشيخ زايد، حياة بسيطة، وعيش لا يختلف عن عيش أفراد شعبه، لكنه رغيد وسعيد. هذا البيت العطر، وتلك الأبواب المفتوحة على الرمال، صحارى من تاريخ الكرم والحكمة والقهوة والتقاليد العربية الأصيلة، تمد بساطها الأخضروتنتهي إلى بركة ماء وسط البيت تأتي إليه أسراب الطيور، والنوارس التي عادت من رحلتها خلف القوافل المهاجرة. عندما تتوزع رؤيتك في البيت تحس بأنك كشفت س ار صوفياًً، أو عثرت على كنز مخبوء، فهي في تفاصيلها متواضعة في
محمد فاتح صالح زغل له أرض، وله هوية، وهو سؤال أكثر منه جوابا عن الانتماء تداخل مفردات التراث الشعبي وعناصره في الحياة الإماراتية، وتجس ّّد دولة الإمارات العربية المتحدة المكان المثالي للتداخل السيميائي في استلهام عناصر تراثية لعلاقة مشهدية ذات ملامح إنسانية، وهكذا تسافرالذاكرة من مكو ّّناتها التراثية الماضوية ليعاد تشكيلها في الحياة المعاصرة، وأنّّى ذهبت في دولة الإمارات العربية المتحدة ستجد أمامك المئات من الرموزوالعناصرالتراثية الجميلة، قديمها وحديثها، مدافن جبل حفيت، مسجد البدية، جلفار، العمران التقليدي، الصقر، الجمل، الحصان، النخيل، البئر، القلاع والحصون، وستجد الرموز الشعبية كالصق ّّارة، والس ّّدو، والت ّّغرودة، والعي ّّالة، والمجلس، والقهوة العربية، والرزْْفة، والعازي، والأفلاج، وسباق الهجن، إضافة إلى العادات والتقاليد، كما لو كان المتفرج في سوق شرقي مأخوذا بمقتنياته النادرة.. ومن هنا تسافر الذاكرة وتخرج من إطارها المحلي إلى حضورها العالمي. وقد أكدت فيرا لاكوويلا، رئيسة المجلس التنفيذي لليونسكواهتمام المنظمة بالتراث الثقافي غيرالمادي الذي عنصار منه على قائمة 15 تزخر به مناطق الإمارات، حيث سجلت اليونسكو، خاص ّّة أن مناطق الإمارات تحظى بثراء تراثي واسع. بئر الحكايات ... أبوظبي التي نبتت من الماء
مظهرها الخارجي، وبمحتوياتها البسيطة في الداخل.. الوسائد، والفراش، والمكتب، ومقاعد الدراسة، وأدوات الطعام، والقهوة، والبئر، والنخل، والسواقي، والطير. محتويات بسيطة، لكنها تتحدث إليك يسكنها نبض إنساني صادق، تترك في نفسك السؤال نفسه الذي سأله أحد الصحفيين الأجانب عندما زاره في قصره هذا، ورأى البساطة في العيش، قال الصحفي: (في إمكانك يا صاحب السمو أن تعيش كما يفعل غيرك في قصوربها مئات أجهزة التكييف.. ولكنني أراك تعيش في قصرمتواضع جدا ًً. فأجاب المغفورله: (إن الإنسان لا يستطيع أن يتخلى عن الحياة التي عاشها سابقاًً، ولا بد من احترام سنن الكون). م، ويتميز 1937 يعود تاريخ بناء بيت المغفور له إلى عام بهندسته البسيطة، ومعماريته الإسلامية، وهناك خلف طين وحجارة الجدران الداخلية باحة تحوطها قصائد الخضرة، وتتوسطها البحرة وكأنها إناء، يضوع منه العطر، وإلى جانب البحرة الصغيرة تمددت السواقي «العامد» تجوب أنحاء القصر وفيها الماء العذب، وإلى جانبها البئر الذي رصفت فتحته بأحجار بيضاء، وقد تدلى فيها الحبل «الرشى»، الذي يجري عبر البكرة «الفرغ» والمدعومة من جذوع النخل المستند إلى فتحة البئر والمسمى باللهجة المحلية «مركبة» ثم الدلو. وقد
25 2025 مارس 305 / العدد
24 أبوظبي... بئر الحكايات التي نبتت من الماء
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
أن الماء كان في أواخر الخمسينيات وأوائل الستّّينيات من القرن الماضي من الس ّّلع الغالية في المنطقة، لافتا النظر إلى أن الماء كان يأتي في العين من الأفلاج أو الآبار، ويتعيّّن أن ينقل إلى حيث يتم استخدامه، وكان عبء هذه المسؤولية يقع على النساء. ويقول رندل: إن الماء كان شيئا حيويا لحياة الأسرة والقبيلة، موضحا أنه كان هناك «عراف الماء»، وهو الرجل الذي يحفر الآبار، ومن صفاته أنه يمتلك قدرة غير طبيعية على اكتشاف المياه الجوفية، وإن لم توجد أي علامات تدل عليها فوق الرمال، وتحديد البقعة التي ينبغي البدء بالحفر اليدوي فيها، وكان من الصعوبات التي يواجهها منع جوانب الحفرة من الانهيار، ويمكن أن يبدأ الماء في الظهور بعدما يقرب من ساعة من الحفر بالجاروف. خاتمة إن فقدان التراث الحضري قد يؤدي إلى قطع الروابط التي تربط الناس في كثير من الأحيان بماضيهم ويهدد القيم الثقافية والتقاليد البيئية المبنية محلياًً. وبالتالي فإن كل موقع فردي قد يظل مؤهلا لخصوصيته وفرادته وعبقريته، ومن هذا الموقف الحضاري ذهبت رؤية دولة الإمارات العربية المتحدة للتمسك بتراثها الغني. الإمارات واقفة شموخا اليوم.. قامتها تأخذ في التطاول، مندورة لنهج المؤسس ماضية عليه، إنها الإمارات عاصمة الدنيا، أيقونة فريدة في متحف الأرض، ومضمار الخيول التي تفوق العجب..! أكاديمي وباحث في التاريخ والتراث الشعبي
الآثار، أمّّا البئر الرابعة فتقع في منتصف البناية الكائنة ا داخل الحديقة. للماء أكثر من رواية في جزيرة أبوظبي.. إلّا أنها تشكل - وإن تباينت في بعض الأحيان - محصلة حقيقية للعوامل التي تدفع الجماعات البشرية إلى التحرر من قيود المكان، عندما ينوء بموارده وإمكانياته المحدودة تحت وطأة الاحتياجات المتزايدة لتلك الجماعات، وفي كل مرة يبقى الماء طوق النجاة، والمتغيرالثابت من بين متغيرات الصحراء الأخرى الذي يحسم جدلية الحياة فيها. جوينتي مايترا وحكاية أول بئر في أبوظبي تقول جوينتي مايترا مؤلفة كتاب «زايد: من التحدّّي إلى الاتّّحاد» الذي صدر عن المركز الوطني للوثائق والبحوث، في تأريخ هذه الحقبة: «بعد 2007 وزارة شؤون الرئاسة، عام )، بدأت بعض 1761 اكتشاف المياه في جزيرة أبوظبي عام ( فروع بني ياس في الإقامة في الجزيرة التي كانت معروفة باسم (مليح)، وربما لوجود المياه المالحة فيها. وهكذا بدأت أبوظبي تتمدد حول أول بئر ماء حفرت فيها، بتزايد المقيمين فيها من قبيلة بني ياس، ولم تمض فترة طويلة حتى قام الشيخ شخبوط بن ذياب بتعزيز هذه المكانة المتنامية لها بنقل مقر م، وهذه البئر الأولى، 1791 الحكم من ليوا إلى أبوظبي عام ا وإن بدت الآن في غاية التواضع أمام مصادرالماء الحديثة، إل ّا أنها أحد الشواهد الخالدة في ذاكرة المكان. البحث عن الماء: قصة حياة وحضارة مع عرّّاف الماء يذكر أنتوني رندل، في كتابه «الإماراتيون: كل أيامنا الخوالي»،
البي ٔر في قلعة الجاهلي
البي ٔر في قلعة المويجعي
كانت منذ القدم بمنزلة بوصلة القوافل واستراحة العابرين للصحراء في مرحلة مهمة من تاريخ الإمارات والمنطقة عامة. فقد كانت القوافل لا تسيرفي الصحراء بالمسارب أو الممرات التي لا تكون فيها آبار وموارد الماء، لأنهم لا يستطيعون ِوى �ِّ الاستمرار دون الماء. وتوجد في الدولة مجموعة من الط عام، 400 أو الط ََّوايا قديمة جدا يعود تاريخها إلى نحو ما قبل كالتي ذكرها ابن ظاهر في قصيدتيه «بئر فلاح»، و«العشوش وعثمر»، كما سميّّت الط ََّوي بالبدْْع، ومنها في إمارة أبوظبي: بدع زايد، بدع خليفة، بدع حمدان، وهناك الكثيرمن الطوي المنتشرة في الدولة من أشهرها طوي سلمى. الإماراتي والبئر.. حكاية ماء تمتد منذ الألف الثالثة ق.م تقول بقايا الحضارات المكتشفة في كل من جزيرة أم النار، وفي منطقة هيلي في مدينة العين، ومنطقة البدية شمال إمارة الفجيرة، وتل إبرك بين الشارقة وأم القيوين، وغيرها من المستوطنات البشرية القديمة أن أرض الإمارات شهدت منذ خمسة آلاف عام وني ّّف مراكزحضا ير ّّة ومستوطنات بشرية في العديد من المناطق الداخلية والساحلية، وقد كان للماء الدور الأول في نشوئها واستمرارها. وتشير أقدم الأدلة المتوافرة حتى الآن إلى أن طرق الري واستغلال المياه الجوفية عُُرفت في دولة الإمارات منذ بداية الألف الثالثة ق.م، حين اكتشفت أربعة آبار في ثلاثة مواقع أثرية في منطقة الهيلي في مدينة العين، وجميعها تعود إلى العصرالبرونزي. تقع البئرالأولى في منتصف بناية يرمز لها بهيلي، ويقع البئران الثاني والثالث في بناية مشابهة تشغل الجزء الأكبرمن موقع هيلي خارج حديقة
أعطى توجيهاته - رحمه الله - بتحويل قصر سموه وسكنه الخاص إلى مكان للعامة وجعله متحفا يجسد الماضي، وما كانت عليه الحياة وبساطة العيش. حيث بدأ العمل بتنفيذ توجيهاته - رحمه الله - في متحف قصرالعين (السكن القديم م، ولعل أهم ما يميز 1998 للمغفور له الشيخ زايد) في عام المغفورله الشيخ زايد - كما تطالعنا مواقفه وأقواله وأفعاله - ذهنيته المتوق ّّدة، ووعيه المستمربالتاريخ، وإدراكه إلى أهمية الزمن، فالرجل يمتلك رؤية عميقة بسلاسل الأجيال الممتدة من الماضي إلى الحاضر، وهي كافية كي تجعله صاحب أهم التطلّّعات نحو المستقبل. «دروب الط ََّوايا» مش ْْروع هيئة أبوظبي للس ّّياحة والثّّقافة فعلت «هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة»، عندما ا � حسن أعلنت عن مشروعها الفنّّي الذي بعنوان: «دروب الطوايا» في 2013 الذي انطلق من منطقة السعديََّات الثقافية عام خطوة تعكس الحركة الفنية والإبداعية النشطة التي تشهدها العاصمة الإماراتية التي أصبحت مركز جذب عالمي بمجتمع متنوّّع وموقع جغرافي مركزي ورؤية حضارية متجددة. نجد أنه «دروب الطوايا» وبالعودة إلى عنوان المشروع مستوحى من تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة المرتبط ارتباطا وثيقا بالماء والس ّّفر ومسارات القوافل، والذي يشك ّّل جزءا لا يمكن تجاهله من تاريخ المنطقة، ولا تزال شواهده مفردها طََوِِيََّة وهي «طوايا» قائمة منذ آلاف السنين. وكلمة كلمة عربية فصيحة بمعنى بئر الماء المبنية بالحجارة التي ظلت كعلامات ومرتكزات حافظت على الدروب التاريخية كما
البحرة الداخلية تتموضع ا ٔمام البي ٔر في متحف قصر العين
البي ٔر في قلعة الشيخ سلطان
27
26
2025 مارس 305 / العدد
أبوظبي... بئر الحكايات التي نبتت من الماء
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
برك سليمان
برك زُُبيدة
الآبار ثروة وشريان حياة ٍ فمن المنطق �ٍّ ٍ ووسمي �ٍّ أقول فكما للأمطارأسماء من: وابل وطل أن يكون لأماكن تجمع المياه ونفاذها في الأرض مسميات، حيث قرأنا عن «بُُرك سليمان» في فلسطين وعن بُُرك بين الكوفة والحجاز في منطقة (فيد) الأثرية وقد تسمى «برك زبيدة».. حيث تتم عملية تجميع المياه، ثم عرفنا الأفلاج كعروق وشرايين مائية جارية تحت الأرض والذي يهمنا هنا الآبار التي تحفر باليد أو بالآلة، ولا عجب إذا قلنا باليد ففي مجاري الوديان يكون التخزين أكبر حجما وأطول مد ّّة في الحفاظ على الماء المطري دون أن نغفل على أن طبقات الأرض الدنيا فيها تخزين ملايين السنين حتى في مكان صحراوي تشح فيه الأمطار.. من هنا تنشأ لدينا معلومة عن آبار قديمة هي (الط ََّوي) كآبار دهرية تحتفظ ببعض الماء أو تجف، لهذا سميت (مطوية) لأن ماءها (غائر) لكن البئر الجديدة تسمى (البدع) كبدع زايد وبدع المطاوعة.. حيث الماء مستحدث وهو البئر العامر الغامر، وهنا قالت لي نفسي: لا بأس عليك، جيد
أن تعيد لنا مسميات توضح لنا معاني الاستقرار المائي كونه باعثا على إمكانية التحضرالسابق أو اللاحق... قلت: لبيك. هيا بنا لرحلة في الإمارات باحثين عن آبارنا أسوة بمسميات «أبيار البلد» في العراق، و«أبيار علي» في المدينة المنورة؛ لنرى حكمة الأجداد في مواجهة الطبيعة القاسية في زاد المسافر والمطروش المستقر والمهاجر.. فتوافر الماء أو ندرته عادة ما يبحث فيه تحت عنوان ينابيع إن تفج ّّرت العيون وغدران إن بقي من السيول ماء في وهدات لا نهدات. أما البئر فهو: . (بحث) إذا حفرباليد في مجاري المياه كالوديان والمسايل 1 . (بخص) في ذات المكان المسيال لكن بالآلة. 2 . (البركة): هي بئر واسعة مالحة في بيوت أهل الساحل. 3 . بدع: بئر مستحدث ي ُُعرف م ََن قام بحفرها. 4 . الط ََّوي: بئر قديمة دهرية أثرية مهجورة أو عامرة باسم 5 المقيم عندها وليس هو حافرها. . ثقبة: نمط من الآبار تحفر على مسارات الأفلاج وقد تسمى 6 في المغرب (الحظارات) وبعض العيون منها إذا ظهرت فوق سطح الأرض، وقد اكتشف منها في الإمارات، منها: (فلج الصاروج) و(فلج الذيد) و(فلج المعلا)، وفي الشارقة حي يعرف بهذا الاسم خلف قصر الثقافة ولا نراه في الأماكن الترابية. . الحفرة: قد يسمى البئر «حفرة» إن كان واسعا أو «نقرة» 7 إن كان ضيقاًً. . الخريجة: البئر المالحة للاستعمال الخدمي وقد تسمى 8 (الخور) إذا كانت على الساحل شديدة الملوحة. . العوير: وهي البئر العميقة. 9 . دية نجم: يطلق المسمى على ما هو في الأساطير إن نجما 10
أيقونة البقاء الآبار في التراث الإماراتي
محمد نجيب قدورة البئرباعث السرائرفي زمن المخاطر، لحفره حكايات ولتعطله حكايات ولموارده حكايات، بل إن حكمة الله اقتضت إنه أن يكون بئر زمزم في واد غير ذي زرع لتنهض الأرض من جردائها وقحطها وتتمحور حول البيت العتيق دورة الأرض الخيرة المنيرة. أجل إنه البئر مكان اختبار للناقة في شربها العظيم وموئل الواحات والوديان والشعاب، وحيث يكون البئر تجري الاختبارات لسلوك الواردين على الماء... فلا عجب أن يتحول البئر العربي إلى أيقونة للبقاء في التراث الإماراتي، كيف لا والماء هو عصب الحياة في الكلأ والمرعى، وقد عرفناه من الواحات والدوحات والرياض وأوتاد الخيام. ومن الطبيعي أن تكون قيمة البئر أهم من القصر المشيد أو الخيمة الموتودة، فحيث البئر يكون تجمع الناس والطير والشجرودواب لا تحصى عددا ًً، أما قيمة البئرالتضاريسية فتتمثل عند الب ُُعد عن الأنهارأو البحارأعني في الصحراء وعقد الجبال، ليكون البئر مرة أخرى منشئا لهوية الوجود ومحددا لعلامات الاستقرار في الأهل والحرفة والشيم. ولأن للماء هذه القيمة الحيوية فقد ارتبط الإنسان بمصادره، ففي فقدانه ارتحال وحروب، وفي وجوده ظلال وألفة قلوب، ثم إن الإمارات بموقعها الجغرافي كانت معب ار بريا لقوافل تجتاز المسالك الوعرة وهي تربط بين البر والبحر، والجبل والسهل، والصحراء وما وراءها، وهذا ما يجعل حفر الآبار هم ّّا وشغلا لمن شط به المزار ولمن سكن الديار وبالطبع هذا السلوك قائم في رقاع الأرض كلها.
بادية الإمارات عرفت منذ القدم بغزارة مياهها وعذوبة ينابيعها
29 2025 فبراير 304 / العدد
28 الآبار أيقونة البقاء في التراث الإماراتي
رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
إضاءة
بِِيْْدار الل ََّه ْْج ََة الإماراتيّّة فيما طابََق الف ََصيْْح ما أُُطل ِِق على الب ِِئ ْْر وما يدور في معانيه
يعد البئر شريان حياة الإنسان الإماراتي في ماضي الأيام، حيث كان يعتمد عليه في السقاية وتوفير مياه الشرب وري تجمعات «البئر» الأرض وسقي الدواب، وكانت تتشكل حول سكنية تعيش على هذا المصدرالحيوي، وندرج فيما يلي بعض في الثقافة الشعبية الإماراتية «البئر» الألفاظ المتداولة عن فيما طابق الفصيح. تستعمل هذه اللفظة في هذه اللهجة بمعنى طََوِِي (طُُوِِيْْ): البئر، وهي في العربية: البئر المََطويّّة بالحجارة. وجمع اطْْوي: أطواء، وهو من باب (فعيل) بمعنى مفعول. يطلق على البئر القليلة العمق في هذه اللهجة: ع ُُقْْلة (عكلة): ع ُُكلْْة، على أنّّها كناية عن أن ع ُُمق البئر بطول ع ِِقال البعير، كما قيل في تفسيرها. ويظهر لي أنّّها مما أُُخ ِِذ منه عاقول البحر، في العربية، وهو معظمه، أو م ََوْْج ُُه ُُ. وعاقول النهر: ما اعوج منه. والمّّعْْقََلةُُ: خََبْْراء بالدََّهناء تمسك الماء، وسميت بذلك لأنها تمسك الماء كما يعقِِل الدواء البطن. تستعمل هذه اللفظة في هذه اللهجة للد ََّلالة على الح ُُف ْْرة خ ََب ٌٌّ: التي تحفر بشكل تدريجي لتسهيل حركة الث ََّور في نزع الماء من البئر، كما في قول الشاعر أحمد علي بن يعروف في قصيدته ذكريات الماضي: بالخب ّّ، وعلى الم ِِرْْيل م ْْويْْهـــــــات بذاك الد ََّلو يخلي ويملي ْْـــــــــــــه مُُس ْْتنقع الماء تنبت البُُقُُول حوله، وأرض والخ ُُبََّة في العربية: بين أرضين لا م ُُخ ِِصبة، ولا م ُُجد ِِبة. ود ََلالة هذه اللفظة في هذه اللهجة تتبد ّّى بوضوح وجلاء تامّّين من دلالة الخ ُُب ََّة في العربية تستعمل (خ ِِريج، وخ ْْريج ََة): وأ ََخ ْْرََج ََة خ ََريج، وخريجة، وخرجه هذه الألفاظ في هذه اللهجة للدلالة على البئر القديمة التي لا يصلح ماؤها للشرب، وهو معنى يمكن تبي ّّنه من خروج الماء من باطن الأرض، والخ ُُراج (وََرََم يخرج بالبدن، الذي ينزف قيْْحاًً)، كما يظهر لي. والتخريج (العام الذي فيه خ ِِصب ٌٌ، وجدب ٌٌ). وأخرجة: بئراحتفرت في أصل جبل أخرج. وخرجاء: اسم رََك ِِي ََّة، وقد يكون أصلها. خريقاًً: وهي البئر ك ُُسر جبلتها من الماء أو
محمد فاتح صالح زغل أكاديمي وباحث في التراث
مجرى الماء الذي ليس بقعير، ولا يخلو من الشجر. تستعمل هذه اللفظة في هذه اللهجة للدلالة مُُغيْْلََة (مْْغيلة): على البئر الدائمة. وجمعها: م ََغ ََايل، على أنها من باب مفاعل لا (فعائل: فعايل). كل موضع فيه ماء من واد، وجمعه: غ ُُيول، والغ ََيْْل في العربية: أو الماء الجاري على وجه الأرض، والم ُُغيل: الثابت في الغ ََيل. وأغالت المرأة ولدها: أرضعته على حََبََل، فهي مُُغيل. ولعل دلالة هذه اللفظة في هذه اللهجة تتبين بوضوح من دلالة الم ُُغيل في العربية؛ لأن المرأة على الرغم من حبلها، أو حملها لم ينقطع حليبها. البئر. والبديع في العربية: ماء بدْْعٌٌ: البِِدْْع في هذه اللهجة: عليه نََخْْلٌٌ، وعيون جارية قرب وادي القرى، والبديعة ماء بِِحََس ْْمى (جبل بالشام)، والرََّكيََّة الحديثة الحفْْر، إذ يقال: ما هو ببديع، أو ببدع، وََبََد ََع الر ََّكي ََّة (استنبطها، وأحدثها). البئر، والماء الجََم في العربية: جُُمٌٌ: الجُُم في هذه اللهجة: الكثير. والج ُُموم: البئر الكثيرة الماء. والقول نفسه في البئر الج ّّم ََّة. والج ّّم ََّة: الماء. والمُُجم ُُّ: مُُستقر الماء. والج ََم ما اجتمع من ماء البئر. والج ُُم ََّة: المكان الذي يجتمع في الماء. تسمّّى البََكْْرة التي تركََّب فوق مََحََالة (مِِحالة، وميحالة): البئر لانتزاع الماء في هذه اللهجة: م ِِحالة، وميحالة، على أن كسرة الميم أُُشبعت في الثانية، فنشأ عن هذا الإشباع الياء. والمِِحالة في العربية مََنْْجََنُُون يُُس ْْتََقى عليها، وجمعها: مََحالٌٌ، وم ََحاول، والح ََوالة: تحويل ماء من نهر إلى نهر آخر
غياهبه سيدنا يوسف عليه السلام.. ولعل الحكايات الشعبية وضعت في حسابها أن للبئر معناه فدارت حوله حكايات منها أسماء أعلام كأن تتعرف من هو محمد بن علي؟ وأين تقع منطقة (الحليوة)؟ بل لابد أن نتذكرحفاري الآبارالذين شجعهم الشيخ زايد على البحث المائي كما ذكر المؤرخ الدكتور فالح حنظل لي شخصيا عندما سألته عن الظروف التي أدت الى تأليفه كتاب «معجم المفردات العامية» في الإمارات والسبب يعود إلى أن المغفور له - رحمه الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّب الله ثراه - كان مشجعا ومحف از على حفرها وقام بتذوق الماء العذب من البئر «البديع» الذي رفع بدلاء من لجين متألق. وهكذا هو البئر مصنع لحكايات ولدت من الماء في الإمارات حسبما روي عن آبار في منطقه الهيلي في العين تعود إلى العصرالبرونزي حيث كان البئرمنذ القدم طوق النجاة للبقاء كما هو شأن آبار النفط في عصرنا لنسمع عن ذهب أسود مقابل الذهب الأبيض وربما كان سحب الماء من الآبارهو السبب في نشأة فن الحداء الإنشادي والحكايات الشعبية كراعي السعن والسقاء، حيث يبقى الماء البئري الارتوازي حليفا للخير يقول الشاعر: مظه ار المفردات التراثية لسحب الماء. مــــــــن بينهــــــــــــــــا سعــــــــن وسقــــــــــــــــــــــــي وشــــــــــــــــــــــــن وخــــــــــــــــــــــــرس ومشــــــــــــــــــــــــا وعتلــــــــــــــــــــــــــــــــه ورشــــــــــــــــا أديب وباحث فلسطيني
أو نيزكا سقط فحفر البئر وهو موجود في كثير من البقاع في العالم كما تسند بعض هذه المسميات إلى عمل الجن مثل آبار(ملينة) في السعودية، وبئر«برهوت» الأسطوري في اليمن في محافظة المهرة، حتى قيل إنه مسكن للجن. هذا ولا ننسى أن الآبارمستقرالديارفنعرف من القرآن الكريم ،) 12 «كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود» (ق: وفي الإمارات نسمع بـ«طوي الرسة» و«طوي سهيلة» و«طوي مليحة» و«طوي العوير» و«طوي مغيدر» و«غابات الطوي» و«مرقبات الطوي»، وتنسب الطويان إلى أشخاص مثل: (طوي أبو سدرة) و(طوي الزعابية) و(طوي بن غرير) و(طوي حارب) و(طوي موزة)، وفي المقابل نسمع بأسماء آبار مثل: (بئر فلاح) وبئر (معيذيب) وقد يطلق على البئر مسمى (الجفر) أو (اليفر) وإذا اتسع في مكان منقطع يسمى (الجب)؛ ولأن الموضوع في المسمى له أبعاد فيذكر الدكتور راشد المزروعي في كتابه معجم الأماكن معنى (اللجة) كمسمى للبئر العميق و(الغبة) كمسمى الأقل عمقاًً.. ولو أردنا التوسع لظهرت لنا أسماء لا حصر لها تدل على وجود الماء كـ «أم العمد» في آبارها الدهرية، وتبدو الأماكن ظاهرة للعيان عندما نمربقيعان فنرى الأرض مطمئنة معشبه ونتذكرقول الشاعرأحمد شوقي: ريــــــــــــــــــــــــم على القـــــــــاع بين البــــــــــــــــــــــــان والعلــــــــــــــــــــــــم أحل سفــــــــــــــــــــــــك دمــــــــــــــــي في الأشهــــــــــــــــــــــر الحــــــــرم بل نتذكرقولنا (سرك في بير) ولا ننسى (الجب) الذي أ ُُلقي في
31 2025 فبراير 304 / العدد
30
الآبار أيقونة البقاء في التراث الإماراتي
Page 1 Page 3-2 Page 5-4 Page 7-6 Page 9-8 Page 11-10 Page 13-12 Page 15-14 Page 17-16 Page 19-18 Page 21-20 Page 23-22 Page 25-24 Page 27-26 Page 29-28 Page 31-30 Page 33-32 Page 35-34 Page 37-36 Page 39-38 Page 41-40 Page 43-42 Page 45-44 Page 47-46 Page 49-48 Page 51-50 Page 53-52 Page 55-54 Page 57-56 Page 59-58 Page 61-60 Page 63-62 Page 65-64 Page 67-66 Page 69-68 Page 71-70 Page 73-72 Page 75-74 Page 77-76 Page 79-78 Page 81-80 Page 83-82 Page 85-84 Page 87-86 Page 89-88 Page 91-90 Page 93-92 Page 95-94 Page 97-96 Page 99-98 Page 101-100 Page 103-102 Page 105-104 Page 107-106 Page 109-108 Page 111-110 Page 113-112 Page 115-114 Page 117-116 Page 119-118 Page 121-120 Page 123-122 Page 125-124 Page 127-126 Page 129-128 Page 131-130 Page 132Made with FlippingBook Digital Publishing Software