torath 305- Mar-2025

سوق الكتب

التخييلوالتجديد في كتابات الرحلة العربية المعاصرة

علي تهامي البشروما يزالون في توق إلى السفروالت ّّرحال، راغبين كان في اكتشاف العالم من حولهم، من صحارى وبحار وبلدان. ولعل أول رحلات عرفتها البشرية، هي تلك التي جرت بدوافع دينية، حيث عرفت مصر القديمة القيام برحلات للحج إلى مدينة أبيدوس وغيرها من المدن المقدسة آنذاك. وتطوّّرت الرحلة وتن ّوّعت دوافعها، وصار لها مكانة كبيرة يؤكدها لنا ذلك الحضور الكبير للرّّحلة في الت ُُراثين العربي والإسلامي، حيث حفل ذلك التراث بالكثير والكثير من المؤلفات التي نتتمي إلى ذلك النّّوع الأدبي المُُسمى بأدب الرحلة. ولما كان التُُراث غنيا بالنصوص التي تنتمي إلى أدب الرحلة، ولأن الكثير من الأدباء والكتاب قد توج ّّهوا للكتابة في هذا المجال، فقد نشطت أعمال التحقيق لتلك النصوص، وانشغل كثيرمن الباحثين والنقاد بالكتابة عن هذه النصوص والمخطوطات والمؤلفات التراثية والمعاصرة التي تنتمي إلى ذلك النوع الأدبي، وتناولها بالدراسة والتحليل. ومن الكتب المهمة التي جاءت في هذا السياق، يأتي كتاب «التخييل في الرّّحلة العربية المعاصرة.. مقاربة تداولية»، لمؤلفه نور الدين بلكودري، كواحد من الكتب المهمة في هذا المجال، وقد فاز مؤلف الكتاب بجائزة ابن بطوطة لأدب . ونتعر ّّف من الكتاب الصادرعن 2024 الرحلة، فرع الدراسات دار السويدي للنشر والتوزيع في أبوظبي، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، على أن الرحلة شك ّّلت طوال قرون مجالا للنقاش حول ماهيتها الأجناسية، حيث يتقاطع فيها التاريخي إلى جانب الذاتي التسجيلي بكل ما تحمل مادتها من آثار حضارية وثقافية، وفتحت في الفترة المعاصرة أبوابها للأدباء الذين ينتمون إلى مشارب متعددة ومتنوعة. واعتبر نور الدين بلكودري، في مقدمة كتابه، أن حضور

الروائيين كان أبرز من غيرهم في هذا المجال، لأنهم حققوا تراكما نصياًً، وهم يكتبون نصوصا رحليّّة يحتل التخييل فيها المكانة الأساس، مما طبع نصوصهم بخصائص أسلوبية وجمالية وسمتها بالهُُجنة والتداخل الأجناسي، وحولتها إلى مجال لطرح الأسئلة، والبحث في التحولات البنائية والخطابية التي لحقتها. ويُُضيف «بلكودري»، بأنه إذا كانت الذهنية البشرية تعرف تطوار وتحولا دائمين، فإن الرحلة العربية لم تسلم بدورها من التأثير الذي مارسته عليها الشروط الثقافية والإبداعية وروح العصر، حيث أسهم في تغيير شكلها ومضمونها، واستثمر الروائي العربي في الفترة المعاصرة النص الرحلي وفق مقصديات جديدة غير مألوفة للتعبير عن هواجسه ومواقفه الذاتية. ويدلنا كتاب «التخييل في الرحلة العربية المعاصرة.. مقاربة تداولية»، على أن علاقة الرواية بالرحلة تعود إلى نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر،

وبلغة أكثر انفتاحاًً، لغة تنطبع بأسلوب صاحبها، سواء كان مؤرخا أو شاع ار أو صحفيا أو روائياًً، ومنحت هذه الكتابات الرحليّّة العربية المعاصرة شكلا جديدا ابتعد بها عن الرحلة التقليدية، وأخذها إلى مجاهل لغة سردية، تكشف عن آفاق أخرى في إبداع النص الرحلي المعاصر لكن من خلال دراسة هذه الكتابات الرحلية تميزالروائي عن غيره، ويعود هذا التميز حسب اعتقادنا، إلى وعيه بالحرق المتحقق على مستوى الجنس، وتصريحه في الوقت نفسه بمقصدياته الإبداعية وفق شروط نقدية، وتعاقد قرائي بينه وبين القارئ. ويذهب مؤلف الكتاب إلى القول بأن الكم النصي الذي تحقق على مستوى كتابة الرحلة العربية خلال الفترة المعاصرة من لدن روائيين طغى على غيره، لكنه أشار في الوقت ذاته، إلى أن مجموعة من الشعراء والصحفيين عملوا على نقل تجاربهم الرحلية في قالب سردي رحلي وفق شروط تواصلية مع المتلقي، لكن هذه المحاولات لم تصل إلى مستوى الظاهرة الأدبية كما هي الحال لدى الروائيين. وهذا لن يمنعنا من الاستئناس بتلك المحاولات لما تلعبه من دور في إضاءة هذه

حيث عمل مجموعة من الروائيين الأوروبيين على البحث عن عناصر تمنح شخوصهم حياة جديدة، ومساحات شاسعة للحكي عن تناقضات الواقع وانشغالات الذات الإنسانية. وبما أن هؤلاء الروائيين لا يضيعون فرص الكتابة وحفز المخيلة لتشييد سرد تخييلي ينطلق من المرئي لكنه يجنح إلى الخيالي، فلقد استثمروا تجربتهم الروائية وكتبوا نصوصا تجمع بين الرحلي والروائي. وقد تركت هذه التحولات التي لحقت بكتابة الرحلة أثرها لدى الروائيين العرب ليخوضوا بدورهم مغامرة من القرن العشرين مستثمرين ا � التجريب والإبداع انطلاق بدورهم أسفارهم خارج أوطانهم، مما طبع نصوصهم الرّّحليّّة خلال هذه الفترة وما بعدها بخصائص فنية وجمالية، قربتها أكثر من الرواية التي تحتفي بالتخييل بالدرجة الأولى عكس الرحلة التقليدية التي تمنح الأولوية لعنصر الوصف، وتركز على توثيق المشاهد والمرئيات عن طريق الأسلوب التقريري بشكل خاص. وبحسب الكتاب، فقد عرف العقد الأول من القرن العشرين بروز كتابات رحليّّة كتبها أدباء من أشكال إبداعية متعددة

103

102

2025 مارس 305 / العدد

التخييل والتجديد في كتابات الرحلة العربية المعاصرة

Made with FlippingBook Digital Publishing Software