سوق الكتب
تسكنه، وهنا أصبح العبور السردي من التجربة إلى الكتابة حافلا بالمفاجآت والانفعالات والمعاني. وتوصل كذلك، إلى أن الرحلة تُُعتبر جنسا أدبيا يقوم على محكي السفر، كما أن أنماطه وأنواعه توظف هذا المحكي بصيغ مختلفة وأساليب متنوعة، وأن النصوص الرحلية العربية المتقدمة لا تخلو من التخييل بمختلف تمظهراته وأشكاله منذ رحلة ابن فضلان إلى نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، مرو ار بابن العربي المعافري وابن جبيروابن بطوطة. وأن الرحلة الفعلية، لم تكن هي ما يوجد في السرود العربية، بل كانت الرحلة الخيالية نوعا من الأنواع الذي لا يقل أهمية ًًا عن الرحلة الفعلية أيضاًً، وأن النص الرحلي العربي عرف تطور وتشكلا دائمين، انطلاقا من انفتاحه على الأجناس السردية العربية الأخرى. وأن الرحلة ت ُُعتبرجنسا أدبيا يقوم على محكي السفر، كما أن أنماطه وأنواعه توظّّف هذا المحكي بصيغ مختلفة وأساليب متنو ّّعة، وأن الحضورالم ُُكث ّّف للتخييل منح وجها مغاي ار للرحلة المعاصرة اقترب بها أكثر من الأشكال التخييلية الخالصة خاصة الرواية كاتب مصري
مع الأسفار، وهو ما اكتمل في كتاب ألف ليلة وليلة، وفي السير الشعبية، وهذا يدلنا على أن انتقال الرحلة إلى خانة الأدب يرتهن إلى الحكايات التي تحملها، باعتماد تقنيتين ظلتا لصيقتين بهذا الجنس الأدبي إلى الآن، وهما السرد والوصف. لهذا، يمكن اعتبار الرحلة كتابة أدبية تتوفر على مكونات سردية وآليات كتابية تسمح للتصنيف بأن يأخذ مشروعيته في خانة الأدبي. وتوصل مؤلف الكتاب إلى العديد من النتائج منها: أن الروائيين العرب خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين، اجتهدوا في تطوير جنس الرحلة، وعملوا على كتابتها بوعي جديد ومتجدد، على اعتبار أن وعي الكاتب المعاصر محكوم برؤية جديدة للكتابة وللحياة؛ فلم تعد غاية السفر نقل المشاهدات، بل اكتشاف الذات وآفاق التخييل، وذلك لأن التقدم العلمي خفف من متاعب المسافر، وهذا الوضع جعل الروائي الرح ّّالة يتوجه إلى ذاته، يسائلها ويناجيها لتتحررالكتابة من شكلها النمطي، وتنطبع بسمات وخصائص المرحلة، وهكذا صار سفر اليوم سف ار بلا عودة؛ لأنه نحو الكتابة والذات العالقة في مرايا الآخر، وعندما يسافر الروائي لا يغادر نصه الرحلي حتى يتحرر من هواجسه والمعاني التي
العربية المعاصرة.. مقاربة تداولية»، أن وظيفة السفرتغي ّّرت، وأتاحت للرحّّالة هدفا جديداًً، هو هدف الكتابة ومساءلة الذات والآخر، حيث لم يعد هم الرح ّّالة تقديم معرفة جاهزة بقدر ما أصبح مهووسا بتأمل العوالم المسافر إليها والإنصات إلى ذاته. وبالطبع، وكما يقول «بلكودري»، فإن كل سفر لا يكتسب قيمته الأدبية إلا عندما ينتقل إلى فعل الكتابة، حيث يتمكن القارئ من التعرف على تجربة الرحالة ومسار رحلته والمغامرات التي عاشها وكيفية التعبير عن انفعالاته عند التقائه بالآخر، واكتشاف المعرفة التي تحققت بانتقاله من مكان إلى مكان، ويحضر التخييل عندما يعمد الرحالة إلى استحضار المكان والحدث في آن واحد. وبما أن الذاكرة خائنة، فإن باب التخييل يفتح أمام الرح ّّالة، فيسد بواسطته الثقوب ويملأ الفراغات عن طريق تعبيرات تقوم مقام ًًا الحقيقة المرجعية التي عاشها ورآها، وتصبح اللغة جسر للعبور نحوها، ويتضاعف التخييل بذلك، في ارتباط بعملية التذكر وأسلوب الكتابة. وحين نغوص في فصول وصفحات الكتاب، نكتشف أن السرود القديمة المدونة منذ القرن الثاني الميلادي، بنوعيها الطويل والقصير، لا تولد فيها الحكايات إلا
التجربة الجديدة، التي تعرفها كتابة الرحلة العربية المعاصرة. ويؤكد نور الدين بلكودري، عبر صفحات كتابه على أن الروائيين الذين كتبوا الرحلة الروائية اختاروا التجديد سبيلا لإحياء السرد العربي، وتلقيحه بأساليب تخييلية روائية تحقيقا لإبدال تخييلي يمنح الرحلة حياة جديدة وفق مقصديات تنسجم وسياقاتها الاجتماعية والسياسية والثقافية. ووفقا لفصول الكتاب وصفحاته، فإن الروائي الرحّّالة المعاصر، ابتعد عن التقليد أثناء نقل تجربته كتابة، وتجاوزشكل الرحلة النمطي المتوارث، لأن العصرفي تصوره يعرف تطو ار ودينامية؛ فلم يعد التقرير والتسجيل كافيين بالنسبة إليه لنقل تجارب السفر، وبفعل هذه العوامل اختار الروائي - الرح ّّالة إعادة الروح للرحلة العربية، وطبعها بعناصر التخييل والإبداع، في اعتناء كبير باللغة وبأساليب التعبير، تأسيسا لعوالم تخييلية تتجاوز المشاهدات التي علقت بالذاكرة والوجدان، ومحاولة الانفتاح على سياقات جانبية لا تنتمي إلى تجربة السفر، واستحضارها أثناء الكتابة، مما حول الرحلة المعاصرة إلى شكل تعبيري يحكي عن السفر، والحياة بصفة عامة. ويُُبيّّن نور الدين بلكودري، عبر صفحات كتابه «التخييل في الرّّحلة
105
104
2025 مارس 305 / العدد
التخييل والتجديد في كتابات الرحلة العربية المعاصرة
Made with FlippingBook Digital Publishing Software