أدب ونقد
الهوية بين الثبات والتحول في الرواية وتمظهرات انعكاسها المغربية
والنوعية، والإصرارعلى فكرة أنه قد يكون هناك نوع أدبي يثير الحيرة بشأن تحديد نوعه، إلا أنه من بين ذلك ودون الخوض في تفاصيل كثيرة، فإن الرواية محددة المعالم تماماًً، جنسها ًًا النوعي غير إشكالي، هويتها متميزة من حيث كونها سرد ووقائع وتحليل، تختلف بعد ا � وشخصيات وأحداث ا � ووصف ذلك معطيات تناول هذا ما بين رواية المونولج أو المتواليات السردية أو رواية الوقائع والأحداث، ما بين «الراوي العليم» و»الراوي بعين الكاميرا» وغيرها. تبقى مسألة «رواية الهوية»، وفي هذا الصدد أتساءل: هل ثمة رواية لا تعكس هوية ما؟ إن كل رواية تحمل بداخلها هوية أشخاصها، وهوية مؤلفها وهوية قارئها أيضاًً، ومن ثم فإنه لا توجد رواية لا تحمل بداخلها طابع الحديث عن الهوية، ربما يختلف مستوى الهوية التي تتناولها الرواية، فيما سبق أن حددناه من مستويات ما بين الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والعالم، ولكن ربما كان الأكثر برو از - وهو ما يعد في حد ذاته تعبي ار عن مقدار الأزمة التي نعيشها - أن العرف جرى لدى النقاد على اعتبارأن روايات الهوية هي تلك التي تتناول الفارق الثقافي والحضاري بين الـ(نحن) العرب، والـ(هم) الغرب، وفي المرتبة الثانية من ذلك تلك الروايات المتعلقة بالأحداث التاريخية والصراعات المجتمعية التي تتناول لحظات التحول الكبرى في التاريخ العربي المعاصر - وما أكثرها - وهو ما يعب ّّـر في حد ذاته عن مقدار تأزم الواقع العربي المعاصر، ومقدار اغترابه، لكنه في الوقت ذاته ليس صواباًً، فالحقيقة أن كل رواية تحمل في طياتها هوية خاصة بها، وهوية لشخصياتها، وتناصا مع هوية قارئها، وتعبي ار وتوثيقا لهوية مجتمعها، حتى إن لم تتناول لحظات الص ِِدام مع الآخر الغربي. عند تخصيص الأمر أكثر من هذا الإطار العام إلى إطار أكثر
حمزة قناوي وجود تمظهرات للهوية في مختلف الأنماط الأدبية، رغم لا سيما الشعرية، تلك الأسبق وجوديا على الجنس النوعي للرواية، فإنه في عصرنا الراهن، كان النصيب الأكبر في البحث حول الهوية في الأدب من نصيب الرواية دون غيرها، ولكن المفارقة أن الرواية، بتصنيفها نوعياًً، ابنة أصيلة للحضارة الأوروبية في تطورها البورجوازي وتحولها من ثقافة القرون الوسطى إلى ثقافة الحداثة، أي إن مجرد استعمال هذا القالب الفني يشير إلى الانتماء «هوياتياًً» إلى مسار ثقافي مغاير تماما للمسار الثقافي العربي، وهذا المسار ليس حياديا ًً، بل هو مسار استعماري إمبريالي عانى المجتمع العربي ويلات تسلطه وسلبه الكثير لثرواته، أي إن التعبير الروائي في حد ذاته مظهر من مظاهر التداخل الهوياتي مع الغرب. ومع ذلك فإن هذا الجنس الوافد على الثقافة العربية، نجح في أن يحمل في طياته هموم المجتمع العربي على نحو غير مسبوق، ذلك ما حدا إلى القول: «إن أهم ما يميز الخطاب الروائي المعاصر، إلحاح الروائيين على العودة إلى الذات والتمسك بها، والارتباط بالأرض والوطن، وبالتالي التشبث بالخصوصية الثقافية والاجتماعية. كما وجََّه العديد منهم انتقادا للذات من خلال رواياتهم، في رضوخها لواقع الاستلاب والتبعية، وتغييبها لهويتها أمام الغيرية، إنها حالة التمزق بين حالتين أو مستويين من أنماط الهوية، فالذات أضحت تتجاذبها حالة من الصراع بين التصورات الذهنية الراسخة، .) 1 وما يقدمه الآخر من بنى فكرية وثقافية مختلفة»( إن كل رواية جديدة يتم تقديمها تستلزم إضافة نوع من
التجديد والتجريب والمحاولة بقدر ما عن سابقاتها، ومازالت مختبرات السرديات في عالمنا العربي تتلمس طريقها بما لا يُُمكننا معه التوصل إلى نتيجة بشكل إحصائي للحديث عن مقدارالتجديد اللازم لإنتاج رواية جديدة، لكن لا يمكن تخيل وجود رواية تمثل تكراار لرواية أخرى، رغم إمكانية وجود روايات متعددة للظرف التاريخ ِِي الواحد ذاته، فكم من رواية استلهمت لحظات تاريخية بعينها كالحملة الفرنسية أو حكم شجرة الدر أو الاستعمار الإنجليزي والفرنسي وغيرها، ولكن مع ذلك تبقى لكل رواية خصوصياتها وسمتها الخاص بها في مواجهة الأحداث التي تتناولها. أمر آخر أيضاًً، ربما يبدو أنه ليس بالغ الأهمية لكنه في الحقيقة هو هكذا؛ ما الفارق بين «هوية الرواية» و«رواية الهوية»؟ في وقت يتم فيه طرح فكرة تراسل الأجناس الأدبية
تخصيصاًً، أي الانتقال من فكرة الحديث عن الرواية العربية بشكل عام إلى الرواية المغربية بشكل خاص، فإننا نجد قضية الهوية بمعناها الاجتماعي والنفسي والفلسفي والفردي والثقافي والتاريخي أحد أبرز التحديات والنقاط التي تلفت النظر إلى نفسها أمام الباحث، بداية من لغة التعبير في حد ذاتها ما بين العربية والفرنسية والأمازيغية، مروار بالسؤال الذي يجدر أن يتم التوقف إزاءه حول أسباب تأخر الرواية كجنس أدبي في المغرب العربي عن نظيرتها في المشرق العربي؟
عبد الله العروي
عبد المجيد بن جلون
زهور كرام
محمد برادة
107
106
2025 مارس 305 / العدد
الهوية بين الثبات والتحول وتمظهرات انعكاسها في الرواية المغربية
Made with FlippingBook Digital Publishing Software