أدب ونقد
ًًا إلى نمط سيرة المجتمع، وتحليل الواقع ومساءلته بعيد عن أفق الخطابات الأيديولوجية المسبقة التي تبنّّـاها كتّّاب الستينيات، وأصبح مفهوم «الرواية الجديدة» شائعا يبحث كل أديب وكاتب عنه، ويحاول أن يقدم من سرده خطابا روائيا ينحو إلى الجمالية والإمتاع، ويعتمد على الخطاب المغاير. وبرز في الجانب الهوياتي المناخ العام من الشعور بالإحباط بعد الاستقلال، تلك التي كان فرانز فانون قد حذر منها بعد حصول الدول المستعمََرََة على استقلالها، فالحماس الكبير المسيطر على كتابات الستينيات، لا نجده في السبعينيات، فهي تحمل نوعا ما طيات الانكسار والألم، والاهتمام بالشكل الروائي أكثر من المضمون، وسخرية خفية وغرابة وعجائبية ربما لم تكن موجودة في البذور الأولى، نلمس ذلك بشدة في ) لـ(عبد الله العروي)، ورواية «المرأة 1971 رواية: «الغرابة» ( ) لـ(محمد زفزاف). 1972 والوردة» ( وكلما مضى بنا الزمن أكثر اتجه الشكل الروائي إلى البروز، وتعقدت التقنيات، وتصد ََّرالتجريب، فنجد (الميلودي شغموم) )، و«رحيل البحر» 1982 في رواية «الأبلة والمنسية وياسمين» ( ) 1987 ) لـ (محمد عزالدين التازي)، و«لعبة النسيان» ( 1983(
في رواية (محمد برادة)، حيث يتخذ التجريب سمة أساسية في الكتابة الروائية، ويُُخلََق شعور بالبحث داخل الذات عن مفهوم وفكرة الهوية، وهاجس التلاقي مع الآخر الأوروبي والغربي بتأثيراته على طبيعة ونوع ودواخل هوية المجتمع المغربي. ًًا أما في مطلع التسعينيات والألفية الجديدة، فإن انفتاحا كبير ظهر لدى الروائيين الجدد، مثل: (محمد أسليم)، و(أحمد توفيق)، و(محمد الأشعري)، و(عبد الكريم الجويطي)، و(زهور كرام)، و(ليلى السليماني)، و(الجواد ميدش)، و(ماحي ببنيين)، وغيرهم، ويمكن القول إن هذه المرحلة تجلت فيها ظاهرة الاغتراب بشكل أكبر، وتم فيها التعبير عن مشكلات الهوية التي ربما تجذر ظهورها بشكل أكبر مع العولمة فصارت مشكلاتها أكبر، ومع الفارق الذي يزداد بين الـ «نحن» العربي و«الآخر» الغربي برزت مشكلات الهوية على السطح بشكل أكثر تجذ ار ًً، ومن ثم كان انعكاسها في الإبداع الروائي أكثر برو از ًً. إن الرواية المغربية استطاعت التعبير عن مشكلات الهوية وأسئلتها وخصوصية المكان المغربي وعلاقاته المتقاطعة والمتداخلة بين المغرب العربي والغرب الأوروبي، وتجاذبات التراث المشرقي في عالم الحداثة وما بعدها بصورة لافتة للانتباه، مستقصية أبعاد فكرة الهوية ومفهومها وحضورها السوسيولوجي والفكري في تجليات أعمالها الفنية شديدة التنوع شاعروناقد مصري المصادر والمراجع: . إشكالية الهوية في الرواية العربية: معالم اغتراب أم بوادر استلاب؟، هاجر 1 . 136 ، ص 2018 مباركي، ومحمد السعيدي: مجلة العلامة، العدد السادس، ، الدار 2 . أحاديث عن الأدب المغربي الحديث، عبد الله كنون: دارالثقافة، ط 2 . 125 ، ص 1981 البيضاء،
هل يمكن القول إن تأخرميلاد الرواية المغربية إلى خمسينيات القرن الماضي مع رواية «في الطفولة» للكاتب (عبد المجيد )، هو في 2 بن جلون)، وفق ما يراه كثير من النقاد المغاربة( حد ذاته تعبير عن مظاهر التداخل بين الهويات العربية والأمازيغية والثقافات الأجنبية ما بين فرنسية وإنجليزية أثّّرت على تأخر إنتاج الرواية المغربية المكتوبة باللغة العربية - حيث هناك ما هو مكتوب بلغات غيرالعربية - إلى ثلاثة عقود مقارنة بالمشرق العربي؟ ومع ذلك فإننا من زاوية أخرى، باعتبارنا نتحدث عن الرواية العربية فإن بداية الرواية العربية في المشرق هي على نحو ما بداية للرواية العربية في المغرب أيضاًً، خاصة أن التيارات المتعاقبة للرواية هي ذاتها في المشرق والمغرب، فإذا ما كانت النشأة قد بدأت مع الخمسينيات سواء اعتبرنا البداية من (عبد المجيد بن جلون) أو ذهبنا أقدم قليلا إلى (التهامي الوزاني) مع «الزاوية» إلا أنه في ستينيات القرن الماضي نحت الرواية المغربية منحى الواقعية، وفلسفة الالتزام، فجاءت النصوص الروائية لكل من: (عبد الكريم غلاب) و(مبارك ربيع) و(محمد زفزاف) و(محمد شكري) وغيرهم، وهذه الرواية الواقعية الملتزمة أسهمت إسهاما كبيار في استقرار الكتابة الروائية باللغة العربية، وعملت على توطين الرواية المغربية باللغة العربية أمام الكتابات التي أنتجت بالفرنسية والأمازيغية. إن ارتباط الرواية بالمجتمع المغربي وبأحداثه ومشكلاته وتجذراته، يعد أحد أنماط انعكاس الهوية المغربية، ربما كانت في هذه الفترة فكرة طرح الصدامات الهوياتية بين الشرق والغرب أقل حضوارًً، رغم وجود تحليل دقيق لمآسي الاستعمار وآثاره على المجتمع المغربي، لكن أغلب الكتابات هنا استكشافية للمجتمع المغربي إلا في حالات قليلة، يمكن القول إنها نوع من أنواع اكتشاف الهوية من داخلها، تماما كمن يجري تشريحا جراحيا فيرى الأعضاء البشرية من داخل الجسد، ويراها فقط بمعزل عن متغيرات عالمية أخرى، كانت هذه السمة السائدة في الرواية في تلك الفترة، أنها اهتمت بقدر كبير برصد الهوية من داخل الواقع والمجتمع المغربي دون النظر إلى التقاطعات الخارجية أو على الأقل دون إعطاء هذه التقاطعات أهمية كبيرة. أما سبعينيات القرن الماضي فمثلت محطة التحول الكبرى
في الرواية المغربية، وهو الأمر ذاته الذي عاشه المشرق العربي، حيث كانت السبعينيات محطة التحولات الكبرى في المشرق العربي أيضاًً، ومن ثم فإن السمات متشابهة بالنزعة إلى التجريب واختبار تقنيات جديدة، وعرض وجهات النظر من زوايا متعددة، بما يعد خروجا عن نمط السيرة الذاتية
محمد عز الدين التازي
محمد شكري
محمدزفزاف
109
108
2025 مارس 305 / العدد
الهوية بين الثبات والتحول وتمظهرات انعكاسها في الرواية المغربية
Made with FlippingBook Digital Publishing Software