torath 305- Mar-2025

جلساء التراث

» أحلام أبوزيد « قراءة في كتاب أيقونة الدراسات علياء شكري.. « في الحضور والغياب » التراثية

أرى فيه جسور ممتدة ودائمة - ما حييت - مع «أستاذتي التي ، وكانت لي ناصحة عندما احتجت ذات ) 7( تتلمذت على يديها» يوم إلى تحميلها جزءا من همومي البحثية وأنا أحضر رسالة الماجستير تحت إشراف زوجها الدكتور محمد الجوهري. ِلُُنا الكاتبة أبو زيد جميلا - دون أن تعلن ذلك �ِّ من البداية تُُحم أو ربما لا تقصده - نحن أولئك المقصرون في حق أستاذتنا الراحلة، وإذا استنجدنا بالدين فقد نراها حمتنا بهذا الكتاب كونها حققت «فرض كفاية»، ذلك أنها نابت على تلاميذها في مصر والدول العربية الأخرى - وأنا واحد منهم - لتقصيرهم في الكتابة عن حياتها العلمية وتجربتها البحثية والأكاديمية والإدارية، وعلاقتها بطلبتها، وهذا بتذكيرنا «بصوركثيرة تتزاحم .) 11 في القلب والعقل بمجرد ذكراسم علياء شكري»(ص منهج الجمع الميداني بحسم علمي واضح، وهدف محدد من الكتاب تعلن أحلام أبو زيد عن الصيغة الكتابية، التي قدمت لنا من خلالها علياء شكري، حيث الولوج إلى الحديث عنها عبر سيرتها العلمية، وتمكنها المنهجي، بل والإبداع فيه، وذلك بربط التراث الشعبي بالمجاليْْن الأنثروبولوجي والاجتماعي، من خلال تأسيسها لـ»منهج الجمع الميداني للعناصر الفولكلورية» وما ترتب عنه من نتائج بحثية، ولم تكن المسألة لديها مقيدة بالنظرية، وخاضعة لقواعد المنهج فحسب، وإنما أرفقتها بعمل مؤسس تم تنفيذه عبرالمعاهد والمراكز، التي قادتها أو أشرفت عليها لم يكن حديث المؤلفة عن الحياة العلمية للدكتورة علياء شكري، منفصلا عن صفات إنسانية تميزت بها، يمكن اعتبارها «أخلاق العلماء»، وهي تشترك فيها مع أمثالها، ورغم جاذبيته إلا أنها زادته جمالا بما وعت ثم أعطت على مستوى خطابها مع زملائها أو طلبتها، مع ميل واضح للجدية في العلاقة معهم، يْْرََّة وبذلك حقََّقت نوعا من الاعتراف - شبه الجماعي - بخََي رافقتها طول حياتها العلمية، ظهرت في مواقفها ومبادئها وأخلاقياتها. حضور «محمد الجوهري» تضيف المؤلفة في مقدمة كتابها بُُعدا ثالثا لحياة الدكتورة علياء شكري، وهو الب ُُعد الأسري، وفيه اجتمع الجانبان العلمي والاجتماعي، حيث علاقتها بزوجها العالم الكبير الدكتور

خالد عمر بن ققه ُُ المعرفة، ويغْْدُُو أهلها في بحثنا عنهم أو تتراكم الجلوس معهم أو عند الشوق إليهم، مشك ّّلين لحيا نتا على مستوى الوعي، وقد نتأثر بهم في أفعالنا مهما حملت من خصوصية أو انفردت بأساليب جديدة للتفكير، وجاءت نتائجها دالة عنها قبولا أو رفضاًً، وهذه الحالة أراها عامة كلما سرنا في دروب الحياة العلمية في جميع المجالات، ساعين للبحث عن ضالتنا التي قد نقضي العمرلأجلها، وفي النهاية لن نحصل إلا على القليل منها، وقد نكتفي به، ثم يذهب بنا «وهم العلم والمعرفة» إلى الاعتقاد بأننا قد نلنا منه نصيبا مفروضاًً. إلى جانب هذه الحالة، هناك حالة أخرى، يمكن أن نطلق عليها «الولع العلمي المصحوب بشوق إنساني متدفق»، وذلك حين يتدخل العلم بالمشاعر الحاملة لظن حسن، وتنتج عنه أبوة أو بنوة في تحصيل العلم أو يشتركان معاًً، من خلاله يتحقق ميراث ينطلق منبعه من الخاص ليتحول إلى العام، فينتهي إلى مصابات متعددة، قد يمكث فيها حينا من الوقت، أو يستقر إلى الأبد، أو يشق طريقه في حوار أبدي من الآخرين

«محمد الجوهري»، وهو كما تقول الكاتبة: «الحاضر دوما في )، وهو حضور أشركا فيه 13 قصة الحب والعلم والحياة»(ص تلاميذهما من طلبة الدراسات العليا، وقد كنت واحدا منهم، في تسعينيات القرن الماضي. لقد قدّّمت الدكتورة علياء شكري في علاقتها بزوجها محمد الجوهري نموذجا متطوار كشف عن قوة الرابطة العلمية والزوجية بينهما، فأسهمََا بذلك في التأثير على طلبتهما، حتى إذا ما أقاموا أسرة جامعة، كانا مرجعيََّة لهم في تثمين العلاقتين الزوجية والعلمية، وهذا النوع من العلاقة أثار اهتمام علياء شكري نفسها، وعن ذلك تقول أحلام أبو زيد: «.. حدثتني الدكتورة علياء شكري أكثر من مرة عن رغبتها في الكتابة حول الثنائيات العلمية في العمل الأكاديمي، وتقصد هنا الزوج والزوجة اللذين يعملان في تخصص أو مجال ). ومع أن هذا التوصيف تضمنته إشارات 14 واحد..»(ص عابرة احتوتها مقدمة الكتاب، إلا أنه يعد مدخلا لدراسة تجربة الدكتورة علياء شكري، حيث التقاطع والتداخل بين الخاص والعام دون أن يفقد أو يتخلى أي منهما عن حمولته الثقافية، رغم أنهما يشكلان معا شخصيتها المعطاءة أسريا وعلميا وإنسانيا خلال ستة عقود من عمرها الحياتي. العميدة.. والقصة القضايا المذكورة كلها التي تناولتها المؤلفة لا تمثل مركزية

في رحلة تشكيل وتجميع وتراكم التراث البشري. أجدُُني هنا في هذه الحالة الجامعة بين تدفقين، تدفق المعرفة والعلم، وتدفق المشاعر، بل أعتبر نفسي جزءا منها على خلفية تجربة خاصة، تأتي بزمنيْْها الماضي والحاضر، ِلة لتراتبيّّة أخالها مستويات مختلفة من تناول التراث، �ِّ مُُشك وخاصة التراث الشعبي، كما هي في الكتاب الذي بين أيدينا. تزاحم الصور بداية علي أن أعلن - صراحة - أنه بالإضافة إلى البُُعد المتعلق بقراءتي لكُُتُُب اهتمََّت بجلساء التراث من الماضي والحاضر ، فإن هناك بُُعدا ذاتياًً، مُُعلناًً، ) 1( في هذا «المقال الشهري» ) 2( لقراءتي كتاب «علياء شكري.. أيقونة الدراسات التراثيّّة» ، ) 4( ، وفي ذلك «إعلان للموضوعية» ) 3( للباحثة «أحلام أبو زيد» إذا حق لي الاقتباس والتقليد والاتباع لما ذهب إليه الدكتور . ) 5( «صلاح قنصوه» لقد شدََّني الكتاب إليه، مذ رأيت غلافه، إذ ما كان لي أن أبصر مؤّّلفا عن المفكرة الراحلة أستاذة الأجيال الدكتورة دون أن اطلع عليه، وقد يعود هذا لكوني ) 6( «علياء شكري»

محمد الجوهري

أحلام أبو زيد

111

110

2025 مارس 305 / العدد

قراءة في كتاب «أحلام أبوزيد» «علياء شكري.. أيقونة الدراسات التراثية» في الحضور والغياب

Made with FlippingBook Digital Publishing Software