عادات الشعوب
مجالس رمضان في الإمارات.. إحياء للعادات والتقاليد
خالد محمد القاسمي شهر رمضان في دولة الإمارات العربية المتحدة يتميز بالكثير من التقاليد والعادات التراثية التي انتقلت إلى الشعب الإماراتي عبر الآباء والأجداد، وما زال الشعب الإماراتي يحرص على اتباعها وإحيائها، ما يؤكد حرصه وتمسكه بهويته الضاربة بجذورها في نفوس كل إماراتي. وتعد المجالس الرمضانية من أبرز السمات المميزة للشهر الفضيل في دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تتخذ طابعا دينيا وثقافيا وتراثياًً، وتشهد مشاركة وحضور كبار المسؤولين والشخصيات العامة. وذلك في تقليد متوارث يجس ّّد وحدة مجتمع الإمارات وتماسكه. وفي هذا المقام نُُلقي الضوء على المجالس الرمضانية، التي ما زالت ت ُُميز الشعب الإماراتي، وتعكس تمسكه بهويته الوطنية. بعض مظاهر مجالس رمضان يقصد بالمجلس الرمضاني ذلك اللقاء الذي ينظمه فرد أو مؤسسة، ويعقد في ضيافة الفرد أو المؤسسة ذاتها، ويضم مجموعة من أفراد المجتمع الذين يتبادلون من الأحاديث ما يطوف به في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وغيرها، ويختلف موعد عقدها، فبعضها يعقد عقب تناول الإفطاروصلاة المغرب مباشرة، وبعضها الآخر يعقد عقب صلاة التراويح، كما يختلف موعد انتهائها، فبعضها قد يستغرق ساعتين، وبعضها قد يستغرق أربع ساعات، وبعضها قد ينتهي في منتصف الليل، وبعضها الآخر قد يستمرإلى السحورحيث يتناوله الحضورمعا ثم ينصرفون. كانت المجالس في الماضي تحتوي على فرش يوضع على الأرض سجادا عجميا عند الموسرين أو حصيرة عند متوسطي الحال. وللمجالس في رمضان مذاق خاص، وتدار بطريقة
تختلف عن أيام السنة الأخرى؛ إذ كانت الزيارات العائلية وزيارات المجاملة تتضاعف مرات عدة في ليالي رمضان، وفي المجالس الكبيرة تجرى الأحاديث الثنائية والجماعية وعادة ما تكون في أمور ممتزجة بين الدين والدنيا. وعادة ما يكون الشعرمادة خصبة ضمن المجالس حيث تبدأ أولا بنماذج شعرية بعد التقاء الجيران والأصدقاء في مجلس معين، وكان للشعر مجلس بليلتين في الأسبوع الواحد، وتتباين أغراض الشعر الملقى من شاعر إلى آخر، وغالبا ما كان الصغار يحضرون هذه المجالس ويستمعون إلى شعر الكبار وحديثهم، لأن المجالس - كما قيل - مدارس. لكن عموما تكون أحاديث رمضان هادئة تختص بشهررمضان وما يتمي ََّزبه من صيام وعبادة وعمل، أو تكون في قضايا عامة تهم الناس وتتميزبالتعق ُُّل والبعد عن التطر ُُّف، وهذا يرجع في الواقع إلى درجة التقديس وشدة التديُُّن والقرب من الله التي يشعر بها الناس أكثر وأكثر في هذا الشهر المبارك. وعموماًً، فإن مجالس أهل الإمارات تعد من المظاهر الحضارية التي تميزهم عن غيرهم، وهي أكبر دليل على تآلف قلوبهم وإحساسهم العميق. الدور الاجتماعي والسياسي للمجالس الرمضانية في الإمارات المجلس في دولة الإمارات العربية المتحدة يمثل واقعا سياسيا واجتماعيا ملموساًً، لاسيما بالنسبة إلى الشيوخ والأعيان، ويوفر منب ار دائما لتبادل الأفكار والتشاور بين الحاكم وأعوانه من الشيوخ والحكام والشخصيات المشهود لها بالكياسة وسداد الرأي. وكانت المجالس في الماضي تشبه البرلمانات المصغرة؛ حيث يتم فيها مناقشة كل ما يهم البلاد من قضايا اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وأدبية، وإصلاحية، كما كانت تحارب الفساد، وتقف إلى جانب الحاكم تشد أزره وتسانده في الكثيرمن القضايا. حيث كانت ت ُُحدث تفاعلا بين
وبادر سموّّه بإطلاق «مجلس محمد بن زايد» الذي يحرص على حضوره بنفسه، وإيمانا بأهمية التحاور وتفهم وجهة نظر الآخر، وارتقاء بهذا الحوار إلى ما يخدم أغراضه وغاياته، وترسيخا للمفاهيم الراقية في تبادل الآراء والأفكار من أجل إثراء النقاش وإغناء المعرفة وصولا لتحقيق فهم أعمق وإيجاد حلول أفضل تجاه شتى القضايا التي تمس مستقبل المجتمعات وحياة الإنسان، فقد دأب «مجلس محمد بن زايد» كل عام على استضافة نخبة من العلماء ورجال الدين والمفكرين والمثقفين والخبراء والمبدعين من مختلف بلدان العالم، لطرح آرائهم وتجاربهم النظرية والعلمية والتطبيقية حول مختلف الموضوعات العامة والقضايا الحيوية ذات الصلة بتطورات العصرومتطلباته واستشراف آفاق المستقبل في رحاب مجلس عامر أضحى ملتقى فكريا لمختلف وجهات النظر وتبني الحوار وتبادل الرأي لغة للحضارة وسمو الهدف. لقد أصبح «مجلس الشيخ محمد بن زايد آل نهيان» مدرسة فكرية في حد ذاته، وعملا مؤسسيا مكتملا يُُدرك مسؤوليته عن توجيه النقاش العام في الدولة نحو آفاق إنسانية أكثر رحابة واتساعاًً، وتكريس قيم الانفتاح على إنجازات الشعوب والأمم المختلفة في مختلف المجالات، واختيار الأفكار والمبادرات الصالحة للتطبيق في الدولة من بين ما يتم ِر فيه المجلس عن الفخر �ِّ عرضه، في الوقت ذاته الذي يُُعب بالهوية الوطنية دونما تعصب أو مغالاة، والانطلاق من التراث إلى آفاق التطور والازدهار والتنمية
الحاكم والنخبة المثقفة، حتى إن كثيار من القرارات التي كان يتخذها الحاكم، آنذاك، تتخذ أصلا بالتشاور مع رجالات النخبة المثقفة الذين يساعدونه ويكونون عونا له في إدارة ِر المجالس الرمضانية التي تشهدها دولة الإمارات �ِّ البلاد. وتُُعب العربية المتحدة عن جانب مهم من جوانب التراث الإماراتي الأصيل، والمتتبع للمجالس الرمضانية يلحظ بوضوح أنها تتناول مختلف قضايا المجتمع الإماراتي، وتحرص على تسليط الضوء عليها، خاصة أن العديد من الوزارات والمؤسسات تحرص على إقامة مجالس رمضانية خاصة بها، ما يتيح لها التواصل والتفاعل عن قرب مع فئات المجتمع المختلفة، والتعرف عن قرب إلى رؤاها ومقترحاتها إزاء مجمل السياسات والاستراتيجيات الحكومية في المجالات المختلفة من تعليم ورعاية صحية وإسكان، وغيرها العديد من المجالات. مجلس محمد بن زايد أولى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة - حفظه الله - اهتماما بالمجالس لدورها الفاعل في التحاور وتبادل الآراء والأفكار، لإثراء النقاش وإغناء المعرفة، وإيجاد حلول أفضل في شتى القضايا التي تمس مستقبل المجتمعات وحياة الإنسان، ومن هذا المنطلق وسيار على النهج الذي أرسى قواعده القائد المؤسس المغفور له - بإذن الله تعالى - الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّب الله ثراه - حرص سموّّه على المجالس بأنواعها.
123
122
2025 مارس 305 / العدد
مجالس رمضان في الإمارات.. إحياء للعادات والتقاليد
Made with FlippingBook Digital Publishing Software