torath 305- Mar-2025

رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي

كسل أو تهاون، تقول كلمات الأنشودة التي تخاطب المعنيين بإخوان شما كناية عن الرجال من أصحاب الشهامة والنخوة اخــــــــــــــــــــــوان شـمّّــــــــــــــــــــــا وراكــــــــــــــــــــــم رقــــــــــــــــــــود ٍ ينـــــــــــــــــــــــــــــــــود �ٍّ ٍ يصلّّــــــــــــــــــــــي وحــــــــــــــــــــــد �ٍّ حـــــــــــــــــــــــــــــــــد ٍ واجــــــــــــــــــــــف شرات العمــــــــــــــــــــــود �ٍّ وحــــــــــــــــــــــد وفي إحدى الكنايات الشعبية يجسد البئر صورة للحرص على روابط القربى والذود عن أصحابها، إذ تقول الكناية: «دلو لي ََت بيالها»، أي دلو لجأت إلى البئر ع ُُلقت بجانبه من الداخل، وتقال اعترافا واستسلاما بقوة الشف ورابطة القرابة، عندما يدافع أحدهم عنه قريبه. وتحضر البئر في المثل الشعبي رم از لمصدر الخير والرزق الذي ينبغي المحافظة على استدامته وسلامته أيضاًً، ويُُنهى عن رمي الحجارة فيها، لأن ذلك سيلوث ماءها فيخسر الرامي ورده ومصدرارتوائه، إذ يقول المثل: «البيرلي تشرب من ماه، لا تعق فيه حصاه». ويُُضرب هذا المثل الشعبي في النهي عن مقابلة الإحسان بالإساءة والنكران، كما يُُضرب نصحا في المحافظة على مورد الخير ومصدر الرزق، كالتحذير مثلا من تخريب العلاقة مع من ينفعك ويحسن إليك

ديرتها إلا بإذن منها، والديرة مرتبطة بدرجة كبيرة بموارد المياه التي تعتبر أساس تواجد القبائل في أماكن معينة، فالآبار، التي تعتبر مفاتيح الصحراء، هي التي تحدد تنقلات القبائل البدوية، وهي المسؤولة عن توزيعها في بقاع الصحراء المترامية الأطراف أيضاًً، الأمر الذي جعل مسألة السيطرة على آبارالمياه وادعاء ملكيتها مسألة حيوية وجوهرية بالنسبة إلى القبائل البدوية، حيث كان من حق القبيلة أن تمنع القبائل الأخرى من استخدام الآبار التي تقع ضمن ديرتها. إلا أن واقع القبائل في دولة الإمارات العربية المتحدة يفيد أن أيا من القبائل لم تكن تنفرد في الماضي بمراع معينة، بل كانت المراعي مشاعة بين قبائل متعددة، وكانت أجلى صور ذلك تتجسد لدى القبائل المتحالفة في أبوظبي التي كانت تتقاسم الموارد المتاحة. فكانت آبار الظفرة، وليس كل آبار ليوا، مشاعاًً. وفي منطقة الكدن، إحدى مناطق الظفرة، كان خور ابن حم العامري واحدا من أشهر آبار المنطقة الذي يشترك العوامر فيه مع قبائل أخرى. ويذكر الرحالة والدبلوماسي البريطاني مارتن بكماستر عددا من آبار منطقة الختم، منها: الغنا، عقير، أبو حريبة، بو سمرة، وكذلك موية الجبار، وبو نخيلة. ويذكر وهفافا وفريجة بوهرم في الحمرة، وشليف وسويطية ودمقا في الظفرة، وقمرة في بينونة. البئر في الذاكرة الثقافية واحتلت البئر مكانتها في الموروث الشعبي، وحافظت على حضورها العميق في الذاكرة الثقافية، وانعكست رمزيتها في مختلف ألوان الأدب الشعبي التي أبرزت أهميتها وأدوارها، لا سيما دورها الاجتماعي، حين عكست قيم الاستقرار، فكانت ملتقى يجمع الناس للتواصل وتبادل الأخبار، يتشاورون حولها في شؤونهم، ويتعاونون في أمور الحياة، وعندها يتم إبرام الاتفاقيات، وتوثيق العلاقات بين القبائل. ففي الأمثال والأقوال الشعبية ثمة مثل يقول: «اقبض الماء، والورد بيّّيك»، ومعناه أنك إذا أردت إن تقابل أحدا من الناس، فما عليك إلا أن تنتظرعند مورده من الماء، وسوف تجده، لأنه حتما سيأتي إلى الماء. وثمة مثل شعبي آخرحول ما اتسمت به الآبارمن مكان للالتقاء وتبادل الأخبار، إذ يقول المثل: «الخبر بيْْجيبنّّه المروّّيات»، ويعني أن الأخبار والمعلومات عن الحي، تتناقلها النساء عند لقائهن قرب البئر لجلب الماء، وهن من

باحث وإعلامي مقيم في الإمارات

المصادر والمراجع: . الأمثال والألغازالشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، عبيد راشد بن صندل، 1 م. 2001 العين، مركززايد للتراث والتاريخ، نادي تراث الإمارات، الطبعة الأولى، . الخريطة القبلية لإمارة أبوظبي، عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، مجلة ليوا، 2 م. 2005 ، يناير 13 أبوظبي، مركز الوثائق والبحوث، العدد . دولة الإمارات العربية المتحدة.. دراسة في الجغرافية الاجتماعية، شاكر 3 م. 1977 خصباك، بغداد، مطبعة الإرشاد، . ديوان علي أحمد الكندي المرر، علي أحمد الكندي المرر، أبوظبي، أكاديمية 4 م. 2021 الشعر في دائرة الثقافة والسياحة، . رحالة وسياسيون زاروا الإمارات والخليج قبل النفط، محمد فارس الفارس، 5 م. 2012 ، 1 الإمارات العربية المتحدة، ط . قبيلة العوامر بين الماضي والحاضر، خالد صالح موسى ملكاوي، أبوظبي، 6 م. 2015 . معجم الألفاظ العامية في دولة الإمارات العربية المتحدة، فالح حنظل، 7 م. 1998 أبوظبي، الإدارة الثقافية بوزارة الإعلام والثقافة، الطبعة الثانية، . من الإمارات المتصالحة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، فراوكة هيرد 8 م، 2007 باي، دبي، مجموعة موتيفيت للنشر، . موسوعة الأمثال والأقوال الشعبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، راشد 9 م. 2016 أحمد المزروعي، الجزء الأول، الطبعة الأولى، أبوظبي،

يقمن بنشرها أثناء توزيعهن الماء. وللبئر حضورها الاجتماعي في الشعر النبطي، وتََذََكُُّر دفق الحياة وحيوية الأيام التي كان الناس يمضونها قرب آبار المياه، فها هو الشاعر علي أحمد الكندي المرر، صادف أن مر على «ع ِِد الفريش»، فرأى المنازل القديمة وبقايا نخل ميت جنوب المنازل، وتذكر تلك الأيام التي كان يزور فيها هذا الع ِِد ويمضي فيه الأوقات الجميلة، فأثارت رؤية الع ِِد المهجور في نفس علي الأحزان، وقال هذه الأبيات: ِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد ويــــــــــــن اللي سكــــــــــــــــن فيـــــــــــــــــــــــــــك ْْيــــــــــــــــــــــــا ع ويــــــــــــــــــــــــــــــن العــــــــــــــــــــرب والنــــــــــــــــــــاس لحشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام لــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي دوم تســــــــــــــــــــــــــــــرح فــــــــــــــــــــــــــــــي مفاليــــــــــــــــــــــــــــــك ويامــــــــــــــــــــــــــــــا بنََــــــــــــــــــــــــــــــوا فـــــــــــــــــــــــــي يََــــــــــــــــــــــــــــــوّّك اخيــــــــــــــــــــام ََــــــــــــــــــــــــــــــد اليـــــــــــــــــــــــــوم يبغيــــــــــــــــــــــــــــــك مــــــــــــــــــــا شــــــــــــــــــــوف ح ََــــــــــــــــــــد يذكــــــــــــــــــــــــــــــر ذيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك لأيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــام ولا ح

وأبرز المثل الشعبي الإماراتي ما تمثله البئر من رمز للخير والجود، إذ يوصي أحد الأمثال الشعرية العطشان ألا يرد الآبار الضحلة التي لا تحتفظ بمائها، بل عليه بالعدود، وهي الآبار التي تحتفظ بمائها، وينبهه بألا ينخدع بأضواء البرق وأصوات الرعد، فكثي ار ما قتل السراب غيره عطشاًً. يقول هذا المثل الذي يضرب في مدح الكريم الذي لا ينضب كرمه ولا فضله، بخلاف الذي يد ّّعي الكرم: بوْْصيــــــــــك يا ظميــــــــــــــــــــان منصــــــــــــــــــــاك لعْْــــــــــــــــــــدود عــــــــــن ورود البحــــــــــــــــــــص ف ايــــــــــــــــــــام الصـــــــــــــــــرام لو انتــــــــــــــــــــــــــــــزى لك برق واخ ْْتلــــــــــت الرعــــــــــــــــــــــــــــــــــــود ما روى العطشــــــــــــــــــــان من طــــــــــــــــــــش الرهـــــــــــــــــــــــــام وفي هذا اللون من الأدب الشعبي ثمة أنشودة للنخوة والعزوة، كانت ت ُُقال عند حفر البئر تحفي از للرجال القائمين على الحفر لحثهم على المثابرة، وتشجيعا لهم على إنجاز العمل دون

19

18

2025 مارس 305 / العدد

البئر منبت الحضارة ومفتاح الصحراء

Made with FlippingBook Digital Publishing Software