torath 305- Mar-2025

كلمة رئيس التحرير

رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي

إصدارات السلسلة التراثية الثقافية

البئر في التراث الإماراتي رم از للحياة والوجود، حيث كانت المصدر الرئيسي للماء في الصحراء وأداة تُُجسد حيوية لري ظمأ الإنسان. كما كانت ركيزة أساسية لاستقرار المجتمعات وظهور الواحات. ولم تقتصر وظيفتها على توفير الماء، بل ارتبطت بروح التكافل الاجتماعي، حيث كان الأهالي يتشاركون في مياهها مع المسافرين والمحتاجين. ونظ ار لأهميتها، حرصت المجتمعات القديمة على حماية الآبار من الردم والجفاف عبر بناء حواف حجرية أو طينية حول فوهتها ووضع أغطية خشبية أو حجرية لحمايتها من التلوث. كما خصصوا فرقا متخصصة مسؤولة عن صيانتها وتنظيفها لضمان تدفق المياه بشكل مستمر. ومن جانب آخر، لم تكن البئر مجرد مصدر للمياه، بل جسدت قيم الاستقرار أيضاًً، حيث أضحت ملتقى يجمع الناس للتواصل وتبادل الأخبار. فقد كانت مرك از لاجتماعات الأهالي، حيث تلتقي العائلات وتتشارك أحاديثها اليومية ومستجدات الحياة. وإضافة إلى دورها الاجتماعي، ارتبطت بعض الآبار بأسماء مميزة مستوحاة من حكايات وأساطير تناقلها الناس جيلا بعد جيل، ما أضفى عليها ب ُُعدا روحيا وثقافيا ًً. وأحيانا كانت الآبارتسمى باسم الشخص الذي حفرها، أو باسم عنصر خارجي يحيط بها كاسم شجرة، أو اسم قبيلة تسكن بالقرب منها، لذلك فقد تعددت أسماء الآبار، وكانت كل بئرتحمل في طياتها قصة أو حدثا تاريخيا ًً، وقد ترتبط بجريمة غامضة أو عهد قديم ظل محفو ار في الذاكرة الشعبية. وقد عززهذا الارتباط العميق مكانة الآبار، وجعلها محط احترام واعتزاز، فخ ُُلدت في التراث الثقافي وصارت جزءا لا يتجزأ من هوية المجتمع. واحتلت البئر مكانة بارزة في الأدب الشعبي الإماراتي، حيث ورد ذكرها في العديد من القصائد والأمثال التي تعكس ارتباط الإنسان بالماء وأهمية توفيره. وتبرز تلك النصوص الرمزية المتعلقة بالخير والبركة والحياة، حيث ي ُُعتبر الماء رم از للطهارة والرزق، وقد ارتبطت الآبار بالخير الوفير الذي لا ينفد، وصارت رم از للأمل في فترات الجفاف. وإلى جانب ذلك، كانت بعض الآبار تشكل جزءا من الطقوس الاجتماعية، حيث كانت تقام حولها احتفالات ومناسبات اجتماعية. ومع تطور الحياة، أصبح الاعتماد على الآبار أقل أهمية، خاصة مع توفر المياه الحديثة، لكن دولة الإمارات العربية المتحدة حرصت على الحفاظ على هذا الإرث العريق، فقامت بترميم العديد من الآبار القديمة ضمن مشاريع لإحياء التراث. وفي المناطق التراثية، مثل: ليوا والعين، ت ُُعرض الآبار ضمن السياحة الثقافية لتعريف الزوار بأساليب السقاية القديمة وأهمية الماء في حياة الإماراتيين. تبقى البئر، إذا ًً، رم از حيا من رموز التراث الإماراتي، تجسد صمود الأجداد في مواجهة قسوة الصحراء، وتعب ّّر عن قيم العطاء والتعاون التي توارثها الأبناء. وبالتالي، تظل جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية، التي يحرص المجتمع الإماراتي على الحفاظ عليها عبر الأجيال المتعاقبة. ولأهمية هذا الموضوع، جاء اختيارنا ليكون ملفا لعدد "تراث" لهذا الشهر، وكلنا أمل بأن تستمتعوا بموضوعات العدد المتنوعة.

ي � هر � ظ ا � ل � ة ا �� ش مس � � رئيسة التحرير

@turathuna_ae

Made with FlippingBook Digital Publishing Software