رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
وحين يُُذكر الماء، تتشعب دروبه إلى أنهار الحضارة وينابيع المعرفة، إذ يظل عطاؤه مستمارًً، ولا تمل البشرية من استكشاف أسراره والتأمل في معجزاته. وفي الإمارات، كان «الطوي» - أي البئر - شريان حياة الإنسان في الماضي، حيث اعتمد عليه في حله وترحاله، سواء في البدو أو الحضر، لتوفير مياه الشرب، وسقاية الأرض، وري الدواب. ولم يكن الطوي مجرد مصدر للماء، بل كان نواة للتجمعات السكنية التي نشأت حوله، معتمدة عليه في استمرارية الحياة. ِوِِي هو البئر، وهو لفظ �ِّ أما في اللهجة الإماراتية، فإن الط فصيح ورد في معاجم اللغة العربية، حيث يقول ابن منظور: «القليبُُ: الْْبِِئْْرُُ، قََبْْل أََن تُُطْْوََى، فإِِذا طُُوِِيََتْْ، فََهِِي الط ََّوِِي ُُّ، ي ُُع ْْلم ا وََالْْج ََمْْع القُُلُُب ُُ. وََقِِيل ََ: هِِي الْْبِِئْْر العاديََّة القديمةُُ، الََّتِِي لَا حاف ِِر ٌٌ، تكون بالب ََراري، تُُذك ََّروتؤ ََنث؛ وََق ِِيل ََ: ه ِِي الْْب ِِئ ْْر ا لََهََا رََب ٌٌّ، وََلَا : ) 2( ». وأََنشد شاعر ) 1( الْْقََدِِيمََةُُ،مََط ْْويََّة كََانََت أََوغََيْْر مََط ْْوية إِِذا رََأََوْْا كََريهََـــــــــــــــة يََرْْمُُــــــــــــــــــــــــــــــون بِِــــــــــــــــــــــــــــــي ر ََم ْْي ََك بالم ِِر ْْجـــــــــــــــاس ف ِِي ق ََع ْْر الط ََّو ِِي وظل الطوي رم از للصمود والعطاء، وشاهدا على تاريخ الإنسان الإماراتي، ومرتبطا بحياته وتقاليده، ليبقى جزءا أصيلا من تراثه العريق. الطوي والفلج: استدامة المياه عبر العصور يرتبط تاريخ دولة الإمارات العربية المتحدة ارتباطا وثيقا بالماء والسفر والطرق والقوافل، التي شك ّّلت جزءا أساسيا من ماضيها. ولا تزال شواهد ومعالم أمكنة وطرق تعود لآلاف السنين قائمة حتى اليوم، تعكس عراقة التاريخ الإماراتي. حتى إنه وجد نظام الأفلاج والري القديم في الإمارات، ومن أهم الشواهد على ذلك ما يسمى «تقنية الفََلََج وهندسته من خمسة أجزاء: البئر(أو الآبار) الأم، النفق، قسم الحفروالردم، «الشريعة»، القنوات السطحية، تتمثل أولى خطوات إنشاء ف ََلََج في إقامة البئر الأم. يقوم القرار بالمضي في إقامة نظام الفََلََج من عََدََمِِه على تََبََيُّّن موقع حوض جوفي مناس ِِب وحفر بئر لمعرفة إن كانت المياه المكتشفة كافية لإقامة الفََلّّج. بعد حفر البئر الأم واكتشاف المياه تُُحفََر آبار أخرى قريبة وت ُُوص ََل بقنوات لزيادة التزويد. وي ُُحف ََرالنفق المثقوب بفتحات عمودية (ثُُق ََب) من البئر الأم وصولا إلى الحقل أو بالعكس. وتُُحفََر الثُّّقب للتهوية وللتمكن من إزالة التراب. كما يمكن
استعمالها نقاط دخول للنفق عند الحاجة لصيانته. ويبدأ قسم الحفر والردم عند النقطة التي يُُصبح فيها رأس النفق الفعلي أقرب إلى السطح، أما «الشريعة» فهي أول موضع . ) 3( لظهور المياه على السطح وإمكانية استغلالها لكن هذه السطورلن تسرد كل حكايات الماء، فهناك حكايات عديدة، تروي العلاقة العميقة بين الإنسان الإماراتي ومائه،
مروان الفلاسي ضفاف الماء نشأت الحضارات، ومن عذوبته ارتوت البشرية، فكان الماء سر الحياة الذي لا ينضب. وهو الشاهد على على البدايات، وكاتم أسرار الإنسان الأول، والمفتاح الخفي لوجوده الفردي والجماعي. حوله نسجت أعظم الحكايات، واستلهمت منه الحضارات معانيها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ذلك العنصر الأزلي، الذي حيكت حوله الأساطير، ون ُُقشت رسومه على جدران الكهوف، وجرى صوته في أمواج التاريخ الأولى، متدفقا بين الصخوروسهوب الزمن، وكأنه يسرد قصة الخلق بفيض لا ينقطع. الطوي: ذاكرة الماء في صفحة التراث الإماراتي الأصيل
2025 فبراير 304 / العدد 39
الطوي: ذاكرة الماء في صفحة التراث الإماراتي الأصيل 38
Made with FlippingBook Digital Publishing Software