torath 305- Mar-2025

رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي

جفف الروح في زهرات الحقول والركام تعالى وغطى التلال وغطى السهول وأنا في القرار أضيع أنادي وما من مقيل

الذات والمجتمع في قالب شعري تتميز به تجربة الشاعرة في عمومها، والتي تأتي مبتلة بروح صافية تتوق إلى الحياة في صفائها، ولذلك تتكئ على استفهاماتها التي تعبر عن تطلعها إلى النور والمحبة والتخلص من كل شيء يكسر ذلك الإنسان : ) 7( داخلها من وجع وقيد وفقد هل يومض النور؟ هل تشرق الشمس وسط الغيوم؟ وكيف الصعود من البئر؟

مشهد آخر تستدعي مفرداته عنفوان اللحظة النفسية التي يتصاعد معها احتدام الأجواء في امتداد مجازي، حالة التحول والمغايرة التي انقلبت فيها فصول الحياة، وتزلزل الزمان الذي نعتته الشاعرة بالرديء الذي ذبلت معه زهراته، وفوق السطح ثمة ركام يتصاعد، يغطي التلال والسهول، وفي القرار صراخات تتعالى ضائعة بين ذلك الركام دون أن تجد مغيثاًً. ولم تكتف الشاعرة بأن تجعل من البئر مكانا موحشا في قراره المكين، ولم تكتف كذلك أن ترسم تهاويل صورتها بتلك القتامة التي تعلو فوق رأسها بصورة بصرية ممتدة في أعلى بارتفاع التلال التي تكثف على قمتها الركام، وممتدة في ًًا الأسفل بعمق بئر مظلم، وإنما أرادت أن تدخل عنص ار جديد : ) 6( قائلة وكيف الصعود من البئر حي ّّاتها نتهش القلب تعقر كل السكينة.. كل السلام ونتفث كل المرارات.. كل السموم.. لقد تحولت علاقة الروح بالمكان بكل ما فيه إلى صراع محتدم، زاد ذلك عدم القدرة على الخلاص، وتأجج مشاعر القلق وانهزام الروح الظمأى إلى أمنها من ذلك العالم الموحش الذي يحمل في رمزيته الصراع مع واقع مجتمعي تدين فيه كل ما يحيط بها، لتصنع من تجربة البحث عن كيفية «الصعود من البئر» تجربة الإنسان في صراعه المهموم مع

آه من البئر.. آه من الأس ْْر من غاشيات الهموم آه من لوعة الفقد والقفر

وظفت الشاعرة بحسها الرومانسي عناصر الطبيعة للتعبير عن معانيها المجردة، حين جعلت من تجربتها تعبي ار عن هذا الصراع الذي يؤزمه تطلعها إلى واقع يخلو من غيامات كل ما يكدر إنسانيتها، إذ «إن توق التحول إلى كائن يذوب في الكائنات الأخرى يظل معبار عن طبيعة هذه الشاعرة وعن روحها التي ترغب في العطاء والتوحد بكل ما هو حقيقي وباق

وصادق وجميل، حيث تهفو الشاعرة إلى الرحيل إلى عالم . ) 8( أصفى يمنحها كل ما افتقدته في هذا العالم» وهذا التطلع هو ما تختتم به قصيدتها حين تجعل من حتمية الصمود والتشبث بالأمل والتخلص من انهزامات النفس : ) 9(ٍٍ ْْالبشرية الضعيفة صعودا إلى الفضاء حيث كل ما هو باق ًًلا بد أن تصمد الروح ت ُُنشب أظفارها في الجدار رويدا رويدا وتصعد نحو الفضاء الرهيب الرؤوم لقد استطاعت مفردة (البئر) في القصيدة أن تخلق المناخ النفسي الذي يرافق ما تحمله من طاقات دلالية، هيأ لها الموروث الجمعي المخزون لدى المتلقي، وساعد في احتدام هذا المناخ قدرة الشاعرة على توظيف مفرداتها وصورها الجزئية في تشكيل الصورة المشهدية بكل عناصرها، والتي استطاعت أن تعبّّـر من خلالها عن تجربة شعورية عميقة لمعاناة الذات مع الواقع كاتب وأكاديمي مصري الهوامش والمصادر: ): ولدت في طنطا، حصلت على الليسانس 1999 - 1921 - ملك عبد العزيز ( 1 ، تزوجت من الناقد 1942 في اللغة العربية من كلية الآداب بجامعة القاهرة عام د. محمد مندور، الذي أطلق على شعرها اسم «الشعر المهموس»، وكتب لها

مقدمة ديوانها الأول «أغاني الصبا»، عملت رئيسة لتحرير مجلة «الشرق» بين ، وكانت عضو المجلس الأعلى للثقافة، وعضوا في نقابة 1980 - 1975 عامي الصحفيين، وفي اتحاد الكتاب، وغيرها من المؤسسات الثقافية، شاركت في الكثيرمن المهرجات الشعرية داخل مصروخارجها ومن دواوينها: «قال المساء»، و«أغنيات الليل»، و«شمس الخريف»، و«أن ألمس قلب الأشياء». يتميز شعرها بالرقة والهمس والطابع الذاتي، مع الاهتمام بقضايا الحرية والكفاح في مصر م، محمد علي بن 2002 والعالم. (يُُنظر: معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى . ويُُنظر 264 ، ص 6 ، ج 2003 ، 1 جهاد - وهيب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط كذلك: الذخيرة من النصوص الشعرية، الدارالمصرية اللبنانية، فاروق شوشة، .) 71 ، ص 2015 ، يناير 1 القاهرة، ط - بلاغة القصيدة الحديثة: تمظهرات الشكل وتجوهرات الدلالة، علي صليبي 2 . 44 ، ص 2014 المرسومي، دار غيداء للنشر والتوزيع، عم ّّان، - وكيف الصعود من البئر، ملك عبد العزيز، مجلة إبداع: مجلة الأدب والفن، 3 . 24 م، صـ 1998 هـ، مارس 1418 الهيئة المصرية العامة للكتاب، ذو القعدة م، 1997 - النقد الأدبي الحديث، محمد غنيمي هلال، نهضة مصر، القاهرة، 4 . 395 ص

. 25 - وكيف الصعود من البئر، ص 5 . 25 - المصدرالسابق نفسه، ص 6 . 26 - المصدرالسابق نفسه، ص 7

- ملك عبد العزيزبين الرومانسية والواقعية، محمد إبراهيم أبو سنة، الهلال، 8 مجلة ثقافية شهرية، دار الهلال، القاهرة، العام السابع بعد المئة، ذو الحجة

بتصرف. 174 م، ص 1999 ه/ 1419 . 26 - وكيف الصعود من البئر، ص 9

55

54

2025 مارس 305 / العدد

محورية «البئر» في الشعر قراءة في قصيدة «وكيف الصعود إلى البئر»

Made with FlippingBook Digital Publishing Software