torath 305- Mar-2025

رمزية البئر في الرواية الإماراتية روح الطبيعة ولغة الحياة رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي

تشكل البئرالتي جف ماؤها مشكلة كبيرة تشغل أذهان جميع الأهالي، ويظل منصور مص ار على مواصلة الحفر في البئر التي عمل جده فيها طويلاًً، وجاءه في المنام طالبا منه أن يتابع مهمة الحفرعلى رغم معارضة أمه، ولا يجد من يساعده في رفع التربة إلا أخته العذبة، ولها موقعها المهم في شبكة الأحداث، وهي فتاة جميلة وذات شخصية قلقة! وجفاف البئر والصراع والرحيل والعودة تشكل العقدة الأساسية في الرواية. وقد جاء في الرواية على لسان منصورما يلي: «أتمنى فقط أن تظل لي، بقلبي وأنا الذي أحمل لها كل هذا الحب، أنا على ثقة بأنه سيتحول يوما إلى غدران ستروي هذه التلال.. سأفعل المستحيل كي أحفر هذه البئر فهي حياتي وحياة هذا المكان. وكل من يجول هنا عابثا بالمكان، وأمنه سأقطع قدميه. لا أحد يجرؤ على المساس بنا وبأمننا». البئرفي هذه الرواية تحمل ب ُُعدا رمزيا كثيفا ًً، حيث تتجلى البئر كأحد أعمدة البناء السيميائي في الرواية. الكاتبة الإماراتية ًًا مريم الغفلي تستثمر رمز البئر لتجسد عوالم داخلية وأبعاد اجتماعية وروحية، فتتحول البئر إلى أكثر من مجرد حيز مكاني؛ إنها استعارة عميقة للانتماء، والحب، والتحدي. في هذا المقطع، نجد أن البئرت ُُجسد جوهرالحياة والبقاء. البطل ينظر إليها بوصفها شريانا لا غنى عنها: «سأفعل المستحيل كي أحفر هذه البئر فهي حياتي وحياة هذا المكان». البئر هنا ليست مجرد مصدرمادي للماء، بل استعارة للحب الذي يربط الشخصية بالمكان وبالوجود ذاته. إنها رمز للعطاء الذي لا ينضب، تماما كما أن الماء يمثل جوهر الحياة. ويظهر البئر في هذا النص كامتداد للحب والهوية، والحب في هذا النص ليس علاقة بين شخصين فقط، بل هو علاقة بين الإنسان والمكان، بين القلب والأرض. البئر هنا تصبح تجسيدا لهذا

أحمد عبد القادر الرفاعي في الأدب الإماراتي شريان يسري في جسد الماء النصوص، يروي عطش المعاني ويغسل أرواح الكلمات. إنه كالحلم الأزلي الذي لا حدود له، يحمل في طياته رمواز تتسرب في أعماق القلوب كقطرات الندى في صباح حالم. الماء هو الكناية عن الحياة المتجددة، الجسر بين الواقع والخيال، والنهرالذي ينساب بين شواطئ المعنى والمجاز. وتظهر رمزية الماء في الأدب الإماراتي كمرآة تعكس عمق النفس البشرية، فهو الحبيب الذي تلتجئ إليه الأرواح الهائمة، والصديق الذي يحمل أثقال الأحزان وينساب بها إلى مساحات الصفاء. كما أنه فيض من الحنين إلى الأصل، إلى البقاء والاستمرار والنقاء. والبئر في الرواية الإماراتية ليس مجرد حفرة تنضح بالماء، بل هو نافذة تطل على أعماق النفس البشرية وحكايات الزمان. إنه الرمز الذي يجمع بين الانكشاف والاختباء، والرجاء والخوف. في جوفه تتقاطع عوالم الظاهر والباطن، فهو كالمرآة المقلوبة التي تعكس لنا ما لا نستطيع رؤيته في الضوء. تظهر البئر كرمز للصبر والانتظار؛ إنها تقف وحيدة في الصحراء، لا تكشف عن أسرارها إلا لمن يمتلك العزيمة ويُُجيد فن الإنصات للصمت. كما ترتبط البئر في الأدب بالصراع بين الظاهر والباطن؛ فهي تظهر كفجوة صغيرة وبسيطة من الخارج، لكنها في العمق تحتوي على عوالم كاملة من الأسرار والذكريات. في رواية «غافة العذبة» للكاتبة الإماراتية مريم الغفلي تشك ّّل إعادة حفر البئر من قبل بطل الرواية منصور الثيمة الأساسية للرواية برمزيتها الكبيرة فقد بدأت الرواية في يوم عيد والأهالي يتأهبون للاحتفال، يقوم الشباب بعرض سباق، ومنصور هو الفارس الأول، كما أنه بطل الرواية حيث

الحب العميق: «أتمنى فقط أن تظل لي، بقلبي وأنا الذي أحمل لها كل هذا الحب». البئرليست مجرد حفرة ت ُُغرف منها المياه، بل هي المرآة التي تعكس أعماق القلب الإنساني، بكل ما فيها من إخلاص وتضحية. وفي رواية «طوي بخيتة» للكاتبة الإماراتية مريم الغفلي أيضا تشك ّّل البئرمركزالحدث في الرواية وقد اختارت الكاتبة عنونة الرواية بكلمة «طوي» وهي إحدى مسميات البئر المطوية بالحجارة أو المعرشة، والجمع «طوى»، وهذا الاختيار دليل واضح على مركزية دور البئر في سير أحداث الرواية وبنائها الدرامي والفني حيث ظهرالبئرأساسيا في الحدث الرئيسي في الرواية، والذي يشكل القضية المحورية التي تطرحها الكاتبة، هو اتهام بطلة الرواية (بخيتة) ظلما وافتراء بتشويه سمعة العائلة، ومن ثم إقدام والدها على قتلها وإلقائها في البئر (الطوي)، لتتحول حياة الأسرة في الرحلة المضنية إلى فاجعة تدمر حياة أغلب أفراد الأسرة.

57

56

2025 مارس 305 / العدد

رمزية البئر في الرواية الإماراتية روح الطبيعة ولغة الحياة

Made with FlippingBook Digital Publishing Software