القاص ّّة الإماراتية مريم جمعة فرج كتبت بماء البئر سردها القصصي رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
من ذاكرته الفردية والجماعية وكلتاهما معا يشكلان منطلقا له، ومنهما استمد الأهمية القصوى للماء ولبئرها الكائنة فيه، لذلك حين جمع الكاتب حميد قاسم المختارات من قصائد الشعر الإماراتي أصدرها بعنوان (تركت نظرتي في البئر) للدلالة على أن ثراء الرؤية تكمن في مركز أعماقها، واختار الشاعر أحمد العسم لقصائد إحدى مجموعاته الشعرية مسمى (غفوة الماء) للدلالة على الثراء الذي وهبته لبئرها برقدتها في أعماقه ولكمونها فيه قبل اكتشافه، وللدلالة على الأهمية نفسها على هذا البئر ولسحرية مخبئه المائي اختارت الكاتبة لولوة أحمد المنصوري إلقاء حزمة من الضوء على سيرته الواقعية والتخييلية في إصدارها (تنوير الماء)، حتى الكاتب ناصر الظاهري في مادته الدرامية التي قد ّّمها للسينما الإماراتية جعل عنوانها (سيرة الماء والنخل) تأكيدا منه ومن الأدباء في الإمارات على الأهمية القصوى للماء وبئره، وفي السياق ذاته كان للكاتبة الإماراتية مريم جمعة فرج الحصة الأكبر في تجسيد هذه الأهمية فهي كتبت بماء هذا البئر ) 2( المائي مجموعتين قصصيتين اثنتين (فيروز) و(ماء) وإذا لم نقل أنها أعطت سائر مساحتها السردية لهذه الماء وبئرها، فإنها أعطتها معظم مساحات القص لديها، وما أقدمت عليه جاء مقصودا وعن دراية لأن الكاتب تغتني ذاكرته الفردية من الذاكرة الجماعية، والقاصة مريم فرج استقت من المخزون التاريخي لهذه الذاكرة الجماعية الملامح الأولى لشخصية الدولة الإماراتية وكيف كانت العائلات فيها
أحمد حسين حميدان يكن مخزون التراث الإماراتي بعيدا عن ذاكرة الأدباء لم والأديبات، بل بقي منهلا لهم كلما سعوا إلى تجسيد معالم الحياة القديمة والمعاصرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وكلما مضوا في سبر آفاق هذه الحياة الواقعية منها والحلمية أيضا ًً، وبما أن الواقع المعيشي فيها ماثل في جغرافية صحراوية مفعم بالحرارة اكتسب الماء فيها أهمية قصوى، ليس للري الإنساني وحده بل للري الغذائي البشري والحيواني والنباتي أيضاًً، فلا تتجسد الحياة في أي كائن من دون الماء، والخطاب القرآني . ) 1 ( يخبرنا في آياته بأن الله خلق من الماء كل شيء حي وهذا راسخ في الذاكرة الفردية والجماعية لسكان البيئة الصحراوية بصفة عامة، ومن ضمنها الذاكرة الاجتماعية والثقافية في المجتمع الإماراتي التي شكّّلت منطلقا للعديد من كُُتّّابها وكاتباتها ومثقفيها، فمرتكز الكاتب والأديب وروافد مخزونه الثقافي مستمد
من قبيلة بني ياس وغيرها تثبت في مكان حتى اكتشفت أول بئر مائي لتبدأ بمقربة منه مراكز الاستيطان البشري، وكذلك الأنشطة الاقتصادية المتنوعة وخصوصا في مناطق أبوظبي والعين، وواحات ليوا وسط الظفرة والهيلي والقطارة ومليحة والدقداقة، ثم انتشرت لاحقا آبار الماء العذبة في سائر مدن الدولة الإماراتية، ويطلق عليها اسم الط ّّوي وكأن البئر سجل يطوي بداخله تاريخ الماء العذب، وهو ما سمح للمخيلة بنسج كثير من الأحاديث عنها، وسمح لبئرها بأن يأخذ سمة معرفية فامتلأ التراث الشفوي بكثير من الشعر النبطي والفصيح عنه وعن عذب مائه، وكذلك القصص والحكايات التي يتخللها ما يسمى بالخروفة في اللهجة الإماراتية أي الحكايات التي ينسجها الخيال بأحداث تختلط عبرها الخرافة بالأسطورة، هذا إضافة إلى الحداء الذي يردده مََن يشد الحبل من البئر لي ُُخرج دلو الماء. كل ذلك تموضع في مخزون التراث الإماراتي وبرز من خلاله أثره البالغ في تجسيد الحياة في جغرافيتها وفي تجمع سكانها وثباتهم فيها، والتي أدت إلى تشكّّل هيئة نواتها الاجتماعية التي صاغت منها الدولة كيانها المتحد،
61
60
2025 مارس 305 / العدد
القاص ّّة الإماراتية مريم جمعة فرج كتبت بماء البئر سردها القصصي
Made with FlippingBook Digital Publishing Software