رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
على موت هذه الحياة المقدسة كقيمة وجودية وأخلاقية لم يكن لها أي اعتبار من ق ِِبل صنّّاع أدوات قتل الحياة وتدمير ًًا عناصرها المتعددة والمختلفة؛ وإذا كانت ماء البئرتأخذ ب ُُعد حلميا في السياق السابق، فإن الكاتبة في سياق قصصها الأخرى ت ُُك ْْسبه أبعادا معرفية تعب ّّر عنها بطلتها في قولها: (لم نغادر البيت منذ أيام، ولا أستطيع عد الأشياء التي بها ماء.. الماء كثير جداًً.. وضعت جد ّّتي يدها في صفيحة التمر وملأتـها وهرست.. قالت لي: راقبي النخلة، عندما تموت نعرف كل شيء.. - كيف؟.. يتساقط كل الرطب منـها، عندما يذبل . وبعد ذلك تلتفت الجدة إلى ذبول ) 6( النخيل تبدأ الحرب..) النخيل في قصة (ثقوب) وتصرخ: (التمر لم يعد كافيا والماء قليل)، وبذلك يأخذ ماء البئر العذب مدلول الأزمة بعد أن يخلف موعده مع الأرض ويتحوّّل البحث عنـه إلى نشدان وصلاة لرب السماء تتوس ّّله الوصل والسقيا ومن خلالها يقرّّر . ) 7( الإمام: الأرض لا تساوي شيئا بلا قطرة ماء وتعود في قصتها (الغافة) إلى الإمارات وهي في طور النشوء والتكوين، وفي مرحلة ما قبل بناء الدولة المؤسساتية وما قبل النفط عبّّرت الكاتبة عنـها بالماء وبشجرة الغافة الصامدة رغم الماء المالح، ومعبرة عن انتقالها إلى ماء البئر العذب الذي تصور في قصة ضوء يسطع على سائر أبنائها بعد اتحاد إماراته في دولة واحدة، وتركت بطلة قصتها لتعبر عن ذلك قائلة: (كل ما في الصفيحة من ماء استنشقتـه مختلطا بالتراب قطرة قطرة.. عندها ضحكت وهي ترتوي ماء أكثرملوحة، ومن ثم تردد: الآن أبحث عن الماء وتسلّّقت التلة وانتصبت في الضوء وانسكب الماء لامعا على كتفيـها.. هزّّت الغافة هامتـها . ) 8( ودار جذعها وفاحت رائحة الياسمين..) عبر هذه المراحل المتعددة حاولت الكاتبة مريم جمعة فرج اختزال الأحداث التاريخية وتسريع زمنها محققة من خلال متخيلها السردي أهمية ماء البئر ضمن سياق واقعي حينا وسياق تعبيري ورمزي حينا آخر، جسدت عبره أهمية بئر الماء العذب وأثره البالغ في التراث الإماراتي وفي نشوء وإقامة المجتمعات القديمة لأبناء الإمارات وري حياتهم واستقرارها، لهم في ترابط علاقاتهم الاجتماعية وازدهار ا � فكان معين نهضتهم الزراعية وأنشطتهم الصناعية والاقتصادية المختلفة والمتعددة كاتب وأديب من سوريا
(ماذا دهاك تجمّّد رأسك حتى لم تعد قادار على النطق فمن ، وبذلك تذكره بأن ) 4( يستطلع لك نصفك، تربتك، امرأتك..) بقية حياته المفقودة التي لم يعثر عليها موجودة في الماء الآخر الكامن في البئر معطية بهذا التعبير للماء البئري العذب بُُعْْدا رمزيا حلمياًً، وتمضي مريم جمعة فرج إلى مفاضلة ثانية بين بئر الماء وبئر البترول في مجموعتها القصصية الثانية (ماء) والتي تُُلغي في سياقها المسافات بين الأشياء ومدلولاتـها خلال نشوء الحرب فلم تعد هناك ثمة فواصل بسبب الدمار بين الماء والنفط، بين ماء الكائنات الحية وماء الآلة بعد توحدهما على لسان راوية القصة وهي تقول: (ضربوا مصفاة النفط.. ضربنا مصفاة الماء.. وضعنا أيدينا على أفواهنا: ماء.. ، من خلال ذلك ) 5( ردّّدوا كالصدى: ماء، ماء.. تعبنا.. تعبوا..) تفاضل الكاتبة بين ماء الإنسان وماء الآلة - النفط - وتبدو ًًا ضمن فضاء الحرب التدميرية وأزمتـها المطروحة أكثر انحياز إلى ترجيح ماء الحياة الإنسانية على المصالح الأخرى القائمة
وهو ما تنبه له الأدب بأنواعه في الإمارات ومن ضمنه القصة القصيرة لعديد كتّّابها، وتأتي قصص الكاتبة مريم جمعة فرج في المقدمة لأنها كتبت بماء هذا البئر معظم قصصها كما أشرنا في البداية، ففي أول مجموعة لها تقول لبطلها فيروز بضمير المخاطب: (يقذفونك بالتراب فيحترق وجهك المتشر ّّب بالماء) وهي بهذا المعنى تنسب مصدرالهلاك الناري إلى اليابسة التي يفد منها ما يهدد وجوده المتشرب للماء الحياتي الذي من دونه سيصاب بالنقصان الذي تتأزم بسببه ذاته الباحثة عن ضرورات العيش التي تكمن فيها كمالة ملامحه الإنسانية الضائعة، وتصوره الكاتبة وهو يبحث عنها وتؤكد له وهو محموم بهذا البحث بأنه لن يجدها بعيدا عن الماء وتنسب ذلك إلى التاريخ المتمثل بالشيخ العجوز قائلة له من خلاله: (التمعت عيناك بالفرح كشيئين يفتّّشان عن شيء مفقود في الماء، وترجع، أين ياسمينة؟.. ياسمينة. قال الشيخ نصفك المفقود في الماء هناك.. صوتـها تردد أمامك فاستسلمت للأغنية واستسلمت للصوت وبكيت بكيت وبسطح الماء رأيت . ) 3( وجها كبيار ظل يناديك..)
هوامش وإحالات: . 30 - القرآن الكريم، سورة الأنبياء، آية رقم 1
- مجموعة قصص فيروز، مريم جمعة فرج، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، 2 م. 1994 ، بيروت 1 م، ومجموعة قصص ماء، دار الجديد ط 1988 الشارقة وتركت نظرتي في البئر، مختارات شعرية إماراتية، حميد قاسم، دارشرق وغرب م، وغفوة الماء، شعر أحمد العسم، دار مداد 2009 للطباعة والنشر، بيروت م، وتنوير الماء، رحلة إصغاء لتيار الخيال الإنساني 2015 للطباعة والنشر، دبي م. 2018 في الإمارات، لولوة المنصوري، هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، أبوظبي - مجموعة قصص فيروز، مريم جمعة فرج، اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، قصة 3 . 11 - 9 فيروز، ص - المرجع السابق نفسه. 4 . 21 م. قصة ماء، ص 1994 ، بيروت 1 - مجموعة قصص ماء، دارالجديد ط 5 . 11 - المرجع السابق نفسه، قصة أعداء في بيت واحد، ص 6 . 50 - المرجع السابق نفسه، قصة ثقوب، ص 7 . 63 - 62 - المرجع السابق نفسه، قصة الغافة، ص 8
عبر هذا الفحوى ينقلب كل شيء في حياته ويتمركز في الماء، وحين يسأله مََن حوله كيف التحرر منه؟ يجيبهم إذا استطاع الإفلات من أمواجه والخروج منه سيقول لهم. والكاتبة بهذا التوجه تنقل بطل قصتها من بئر الماء العذبة إلى حضن الماء البحرية المالحة منفردة ومتفردة عن غيرها من الكاتبات بإجراء مفاضلة بين المائين وطالبة منه الانحياز إلى بئر الماء العذب ومحتجة عليه في استسلامه للموج البحري وسائلة إياه:
63
62
2025 مارس 305 / العدد
القاص ّّة الإماراتية مريم جمعة فرج كتبت بماء البئر سردها القصصي
Made with FlippingBook Digital Publishing Software