رمزية البئر في التراث الثقافي الإماراتي
الماء وأمومة البئر
لولوة المنصوري أسرارالحياة كانت تشيرإلى أغوارالماء. إن الثبات هو كل الموت، والماء م ُُعلمنا ومرشدنا الأزلي نحو ضرورة التحو ُُّل وعدم اتخاذ الثبات سبيلاًً، وما نحن سوى مريدي الماء، نتسامح مع تقلبات أهوائه المخزنة في الجوف، والمكتومة بين خزائن السماء وكرامات السحب. الجهة المُُعبََّدة للماء تبدو بعيدة وشاقة، وكانت الطرق باردة في أحيان كثيرة، وشائكة بالحرارة في القيظ تتخللها مخاطر المسير. وكان الحظ الأوفر للمطر يأتي متفاوتًا كل عام، إذ تمشي المرأة الس ََّقاءة نحو بئر الحياة، لتََه ِِب بيتها شريان الحياة، الماء وريد الدفء والوجود والخلود، الجذر الكامن في ضلع جبل وقلب صخرة وعمق صحراء شاهقة في النسيان والغياب، ومنه أنتجت البشرية بلاغة الرََّواء والتدفق والترحال، الماء سيد الرحلة والبحث اللائب عن موطن وأمان ووجود مطمئن. أُُفكّّر بها.. تلك المرأة الإماراتية الأولى التي تخطت حواجز الخوف من الموت عطشا ومشت إلى الماء لتروي البلدة وتُُحرّّك الجغرافيا وتضاريس البقاء، تلك الأولى التي وهبت الإمارات ثقة وديمومة وحضارة، وبمشيها إلى الماء غذ ّّت الأرض بينبوع الاتحاد وجذ ّّرت أجيالا من الحكمة والنور والطموح، لا أجمل من ذلك المشهد الأمومي الممزوج برحمة الماء في تنكات معدنية على رؤوس الأمهات الذاهبات فجار إلى البئر، على أطراف القرى وفي سككها الترابية أو الحجرية الوعرة. وكان المشي إلى الماء رغم شقائه أشبه بالنزهة وطقس الترويح، رحلة مسامرة مشروعة للأمهات، يتحررن فيها من وتيرة الحياة المعبأة بالهموم المنزلية، كل خطوة للماء هي طاقة فضفضة وانبلاج للسلام الداخلي، مع كل مشية يولد الشفاء وتدب حكاية جديدة على الأرض، ورغم الرحلة المتعبة فإن الآبار شكّّلت البوابة الأولى المشرّّعة للأمهات على فضاء الحرية المحدودة، البئر هي المخلّّص الأول لهن، ومسوّّغا للتنفس
والنسيان خارج قيد الخضوع، لتنسل من حيزها الروتيني، وتتحرر من حدود البيت. تقل ّّب المرأة الج ِِرار في بيتها، فلا أثر لقطرة ماء، فتعقد العزم من جديد على الخروج نحو البئر، وتنفتح شهية الكلام وسيرة المشي بين الصخور والسهوب والكهوف والحطب، وكثيرة هي الحكايات والأدعية والأغنيات المتروكة في الطريق لنسوة الماء والآبار، تبدو الحياة أكثر خفة وأكثر تحرار حين تكون وجهة المشي نحو الينابيع والآبار، كم من حكاية نسوية و ُُل ِِدت قرب البئر؟ وتم تداولها عبرالسنين حتى باتت شيئا من أخبار الأوائل وسيرهم المتداخلة مع الغرائبية والمجهول والخرافة حيثما كان الماء كانت المرأة هناك رماز للخصوبة والحياة والعطاء، شك ّّلت حصيلة ثقافية للطبيعة الاجتماعية المتكونة بين خرير المياه، وفاتحة لطرق شتى نحو اتساع الذاكرة. الأمهات ذاكرة البئر وطفولته البكر، النداء الأول لرحم الأرض الحاملة في أحشائها ينابيعا وجداول وآباار أبدية، المش ََّاءات إلى الماء يُُرممن الذاكرة المفقودة للطبيعة العذراء، فثمة تعب لا نراه ولا نحدس به، وحدهن أمهات الماء يحدسن بتعب الأرض وأهواء الماء، وللماء طبيعة أمومية خلاقة، ففي الميثيولوجيا يُُعتبر البئر أصل الأنوثة، ورحم الأم العظيمة، ونظ ار لأن البئر يتصل بالعالم السفلي فهو يحتوي دائما على المياه السحرية مع قوى الاستشفاء. فهل بدأت سيرة البئر مرافقة مع نبض خ ُُطى النساء نحو الماء؟ لم تكن مجرد ربة بيت بل شريكة البحث الدؤوب عن مواطن الاستقرار، وعرّّافة لبؤرة الينبوع الثاوي في طبقات الأرض العميقة، وكانت المقتدرة بمالها، الحريصة على انتقاء أرض مؤهلة للبقاء والتجذر والتمدد، بما تملك من حدس شفاف يؤهلها للتوق ُُّع واستشعار نبض الأرض وشريانه. وكثيرة هي الآبار في الإمارات التي أُُرّّخت وح ُُفِِظت بأسماء النساء اللاتي أمرن بحفرها، رغم أن التاريخ بقي في مجمله مجهولا وتفاصيل الحفر غائبة، والسؤال حول هويتهن مازال دائار بين الباحثين والمارة وعابري السبل. هل كن عليمات وعارفات بموضع الماء في باطن الأرض؟ أم إن أمر الحفر
حملن مدلول الإرواء والسقيا إلى جانب الرجل، وأشرن إلى مواضع سرية في الأرض، مرشدات لحفر مركز الإشارة، ب ِِي ََقين وإيمان لوجود ماء في الأعماق. وعند البئر تعود إلى أصلها الوجودي الذي كانت عليه، فلربما كانت المرأة الإماراتية واديا شفافا منطلقا في الأخاديد الكونية، أو نجمة ماء جنوبية تغني منذ الأزل، أو شلال غيم في الأبدية، أو قصة شفافة لبراءة حب جديد عند الينبوع، هناك تحديدا قرب البئر تحكي وتصغي وتغسل أحزانها، ومنذ زمن طويل وهي تلتصق بالينابيع والشلالات والأودية والج ِِرار، فيتجسد من خطاها المائي مهد الحضارة والتاريخ والنمو والحياة وسيرة أصيلة لحكاية المرأة الأولى.. النبع الإماراتي الأول للتألق والعطاء والح ُُب والتشارك المجتمعي باحثة وروائية إماراتية
انبعث من كونهن مقتدرات في المال والمكانة بين قبائلهن في تلك الح ِِقب البعيدة؟ كان الحفر يدويا وعلى الأغلب في فترات زمنية بعيدة جداًً، لذا لا يمكن الوقوف على كامل تفاصيل الحفر وتتبع الأثر بالمعنى المطلق، لقد بقي أثر البئر خالدا عبر الزمن في ذاكرة القوافل والمسافرين وعابري السبل، إذ خلقت تلك الآبار مسارب جديدة في تاريخ الصحراء والجبال وعبور القوافل، فيقطع المسافر طريقه حسب خارطة الماء وتواجد البئر في المسالك. ولعل تلك الأسماء الأنثوية التي بقيت خالدة على البئروآثاره شك ّّلت دعامة قويمة لمنزلة النساء في ذلك الزمن: طوي حمدة، طوي موزة، بدع سلمى، بدع بنت سعود، طوي كلثم، طوي خديجة، طوي ميثا، طوي عفرا ... وغيرها، كن غيمات على الأرض أيضاًً، وحارثات للخصوبة والإنبات والرزق،
65
64
2025 مارس 305 / العدد
الماء وأمومة البئر
Made with FlippingBook Digital Publishing Software