إضاءة
قفل الباب والتراث الحضارات الإنسانية كلها بالباب وبطرق اهتمت الإغلاق. والإغلاق: يعني الأمان والحفظ والثقة في الآتي والحاضر، والإغلاق هو حفظ للنفس وللإنسان وطمأنينة وأمان، كما أن الإغلاق فيه الرضا والراحة أيضاًً؛ لأن الأسرار والأشياء الثمينة في أمان، وبعيدة عن أيادي الغدر والعيون المسترقة لهتك الأسرار، أو الأيادي التي تحاول سرقة المكنوز والمخبوء والمكنون والمرصود بعناية داخل أقبية التورية والاختباء. وفي الحضارة الفرعونية سنجد أن الناس لجأت إلى حيلة أخرى حين الخوف الشديد من فشل الإغلاق الظاهر على الأشياء، أو المكنوزخلف باب أيا كان نوعه أو شكله أو طريقة إغلاقه، فابتدعوا «الخبيئة»، وهي أن توارى الأشياء الثمينة المكنوزة داخل حائط أو جدار لأحد المعابد، أو تحت الأرض بجوار جدار معلوم لعدم ثقتهم ربما بآليات الإغلاق العادي الذي كان متواف ار في حينه، والقيمة النفيسة للشيء الثمين المطلوب اكتنازه والحفاظ عليه. وعبر التاريخ حظي الباب باهتمام من قِِبل الحضارات الإنسانية، ونال عناية بالشكل والقيمة ومراعاة الجودة كذلك تبعا للمكان الذي هو فيه، فحينا يكون حارسا لأمير أو قصر أو بابا لمعبد أو مسجد أو كنيسة، أو بابا عاديا يؤدي وظيفته الإغلاقية والحراسية فقط، وفي كل الحالات فهولجهة الشكل يتوافق ومكانته في نوع المبنى، والقفل هو الذي سيؤكد حالة الإغلاق بطمأنينة أكثر وبصرامة أشد ويعطي اهتماما مماثلا للباب، ويعتبر من لوازم الشكل أولا ًً، بمعنى أنه سيكون من قيمة الباب ونوعه وفخامته أو تواضعه ورقة حاله أيضاًً. وهذا الاهتمام بالقفل ظهر في الحضارة الإسلامية على مدار ًًا قرونها الطويلة وازدهار العمارة في مدنها، حتى صار مظهر من مظاهر التقدم في الصنعة والجودة والشكل والإتقان، وصاحب رسالة مهمة ويعني جميع شرائح المجتمع آنذاك أيضاًً، لأنه أحد أسرار الاكتناز والحفظ، واللافت للنظر هو
صناع للإغلاق الذي يجب أن يحاط بعين السرية الشديدة حفظا للأمان والأمن. يعد القفل في الحضارة الإسلامية إحدى علامات نهضتها كصناعة متطورة ومتقدمة، وفي الوقت نفسه أسهم القفل في الحفاظ على هذه الحضارة، حيث إنه صمم للحفاظ على المدن الإسلامية المسوّّرة ليكون عضيدا للباب، ويهيمن على جودة إغلاقه وعدم سهولة فتحه للطامعين والمغيرين والأعداء، كما أنه أسهم في الحفاظ على أسرار الدولة العليا، وعدم تسريب تفاصيل تلك الأسرار إلى أعداء الوطن أو الخونة في الداخل من خلال طبقات من السرية والكتمان، وفرتها الأقفال لأضابير ومستندات الحكم والدولة، وتم التحفظ عليها داخل خزانات وصناديق محكمة الإغلاق على أبوابها حارس أمين، قفل متقن الصنعة عصي على الفتح والبوح وهتك الأسرار، ولذا أتقن عقل ولب الصانع الأقفال التي تليق بهذه الحضارة في الجودة والشكل، حتى أصبحوا أهل خبرة عالية مثيرة للإعجاب على مدار التاريخ، وحين ننظر إلى ما فعلوه بعين الدهشة في ذاك الزمن القديم الذي كان فيه العربي سيد الحضارة والإتقان في عمله الذي برع فيه وصاحب الفن والإبداع. وكيف أن القفل الذي أبدع في صنعته تحوّّل إلى علامة ودلالة على حضارة أمة، وعلى تراث يُُحترم من قِِبل أهله والآخرين
احتفاظها بلمسة جمالية فبدت في أشكال بديعة وجاذبة تؤدي وظيفتها في الحفظ والأمان، وفي الوقت نفسه هي قطعة من إبداع وجمال تقوم بوظيفة جمالية وتزيينية وتبدو كقطعة فنية تأخذ بالألباب.. حيث توافرت لهذه الأقفال وظيفة الائتمان والإتقان في الصنعة، للقيام بدورها المطمئن لصاحب المقتنيات الثمينة والمكنوزات، فباتت وسيلة لغلق الباب مثلا ًً، وصعوبة فتحه من الغريب أو غير المخو ّّل، حتى إن بعضها له رقم سري مثل ما هو حادث في عصرنا الحاضر وبعد مئات السنين على هذه التقنية التي اخترعها أجدادنا العرب والمسلمون، إضافة إلى بهاء شكلها وحسن طالعها وجمال رونقها، ومثلما أبدع الصانع وتفنن في أشكال الأقفال، فإنّّه أبدع في صناعة المفتاح المناسب وشكله البديع المتقن أيضاًً، الذي تحوّّل مع القفل إلى تحفة فنية، واستفاد الصانع في الحضارة العربية والإسلامية من العلم الذي كان يتقنه والمتصل بالرياضيات والفيزياء، ولهم كتب موثّّقة فيها طرق الصنعة وأشكال المنتج، وتبرزتصاميم للأقفال وللخزانات مع شروح لكيفية الصناعة. ومع ازدهار هذه الصنعة في المدن الإسلامية الكبرى، خصصت لها مثل باقي الصناعات أسواق محددة وعطفات وزوايا لبيعها ولصناعتها، ومن ازدهارها أن لها راعيا وأمينا مسؤولا عنها يرعى شؤونها كصنعة مثل أي صنعة أخرى يرعى المسؤول عنها شؤون المحترفين الذين يتبعونه في المهن التي يعملون بها كالصنّّاع والتجار، وهو الوسيط بينهم وبين سلطة الحكم في المدينة، فيما يختص بمشكلاتهم وطلباتهم إن وجدت، ويخضعون للضرائب والمكوس وللمراقبة الأمنية، لأن صنعتهم متصلة بأمان الناس وحفظ ممتلكاتهم وهي حرز لأموالهم. واللافت للنظر أن من روعة هذه الصنعة جمال الأشكال المتنوعة والمختلفة للأقفال والمفاتيح الخاص بها، وأن المتاحف عبر مدن العالم تحتفظ في عروضها بمقتنيات لبعض هذه الأشكال من أقفال ومفاتيح وخزانات حفظ الوثائق والمجوهرات مع أقفالها البديعة، ومن عجائب هذه الصنعة تعلقها مع نواحي أخرى في الحياة المعيشية قديماًً. إذ كان هؤلاء الصناع تحت أعين العسس والأمن، لأنهم
عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري
الدقة والجمال التي كان يصنع بها القفل ومفتاحه، حيث إنهما ليسا دليلا على براعة الصانع فقط، ولكن على ذوقه وفنّّه في إظهار أشكال متنوعة ومختلفة وبديعة أيضا ًً، ولقد شك ّّلت هذه الصناعة اهتمام الحكام بها لحاجة الدولة والناس إلى حفظ الأشياء الثمينة والغالية والنادرة، والأوراق والمستندات السرية التي تخص الدولة والدواوين الرسمية كذلك. ومن درجة هذا الاهتمام تم تدوين أشكال الأقفال ومفاتيحها في كتب متداولة للتعرف على هذا البُُعد الإنساني والفني والتقني في هذه الصناعة، التي كان يهتم بها كواحدة من إحدى الصناعات الرائجة والمطلوبة، والأشد غرابة أن الحضارة الإسلامية تفوقت في هذا المجال، حتى أصبح هناك منتوج من الأقفال المشفرة التي لا تفتح إلا بأرقام وحروف سرية، وكانت تصنع خصيصا لخزانات معينة مطلوبة من الملوك والأمراء والأغنياء وأصحاب الحظوة والأثرياء، للحفاظ على نفائسهم الغالية وأموالهم، وعلى الأضابير والأوراق الرسمية الخاصة والسرية جداًً، وحفظ الأختام الرسمية للدولة أو الوالي والسلطان كذلك. واكتملت هذه الصنعة بالتميز في جودتها وإتقانها وفي استحداث أشكال متعددة ومتنوعة منها، وهذا يدل على مهارة الصانع وجودة إبداعه وخياله الذي أنتج أشكالا وأحجاما لأقفال تغلق وتفتح بتقنيات وأساليب وطرق متنوعة، مع
67 2025 فبراير 304 / العدد
66 قفل الباب والتراث
Made with FlippingBook Digital Publishing Software