ارتياد الآفاق
الإيطاليون أطفال الطبيعة يقول «غوته»: .. كل ما أستطيع قوله عن الإيطاليين هو الآتي: إنهم أطفال الطبيعة؛ ورغم أُُبّّهة وملابسات دينهم وفنهم، ما كانوا ليختلفوا مقدار ذرة عن طبائعهم لو كانوا لا يزالون يعيشون في الغابات والكهوف. وأشد ما يثير استغراب الأجنبي هي جرائم القتل التي تقع كل يوم تقريباًً. لقد وقعت في ح ََيّّنا وحده أربع جرائم قتل خلال الأسابيع الثلاثة المنصرمة. واليوم، تتحدث المدينة بأسرها عن جريمة أخرى، لكنها تكتفي بالكلام. ثمّّة فنان سويسري شريف يُُدعى شفينديمان، وهو مصمم أوسمة وآخر تلاميذ هيدلنجر، هُُوجم بغتة مثل فينكلمان. ومهاجمه، الذي دخل معه في شجار وتلاسن، سد ّّد له عشرين طعنة. وحين هب الدرك، طعن السفاح نفسه، وهذا خلاف المعهود هنا، إذ يلجأ الجاني عادة إلى الاختباء في كنيسة، وينسدل الستار. إن الحقيقة تقتضي أن أضيف الظلال القاتمة إلى الصورة الزاهية، بإيراد أخبارالجرائم والكوارث، والزلازل، والفيضانات. إن معظم الأجانب هل ِِعون من الانفجار الحالي لبركان فيزوف، وتستلزم المرء شخصية قوية حتى لا ينجرف هو الآخرفي هذا الهلع، إن لهذه الظاهرة الطبيعية، مثل الأفعى ذات الأجراس، سحر لا ي ُُقاوم. وتبدو كل كنوز الفن في روما بلا قيمة في هذه اللحظة؛ نظ ار لأن سائر الأجانب قطعوا زياراتهم لذخائر الفن،
وأسرعوا إلى نابولي. سأقاوم هذا الإغراء وأبقى في روما، وكلي يقين من أن الجبل سيترك لي شيئاًً. الختام أبدع «غوته» في يومياته هذه بتصويركل ما وقعت عليه عيناه من مدن ومناظر طبيعية وآثار وفنون، وأجاد بوصف عادات وأمزجة الشعب الإيطالي، وأسهب بالحديث عن أعماله الأدبية، التي ستدرك بقراءتها كم كان هذا الرجل عبقريا وكيف تسنى له أن يترك أث ار أدبيا وفلسفيا خالدا ليس للمكتبة الألمانية فحسب بل للعالم أجمع باحث في أدب الرحلة الهوامش: . انظر: نظرية الألوان يوهان غوته ترجمة: حيدرعبد الواحد راشد، دارالرافدين 1 م. 2023 للنشر، بغداد، ) هي المدينة الألمانية التي عاش فيها غوته لفترة طويلة Weimar( . فايمار 2 وكانت مرك از فكريا وثقافيا مهما في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ود ُُعي غوته إلى فايمار للعمل مستشا ار لدوق فايمار كارل أوغست. المراجــع: - رحلة إيطالية، غوتة، ترجمة فالح عبد الجبار، طبعة منشورات المتوسط م. 2017 إيطاليا، ودار السويدي للنشر والتوزيع، أبوظبي، - الثقاف في الأزمنة العجاف - فلسفة الثقافة في الغرب وعند العرب، محمد م. 2014 شوقي زين منشورات ضفاف، بيروت، م 2017 - قيامة الفلسفة، مآل الكلمة في العصرالرقمي، نديم نجدي، دارالمنهل، م. 2009 - تاريخ شعر العجم، جمال بن عمال الأحمر، دار الكتاب الثقافي
حالما يبصربأم عينيه الكل الذي سمع عنه نتفا وأجزاء، حتى تبدأ لـه حياة جديدة.. لقد تحققت كل أحلام شـبابي؛ وإن أول صورة محـفورة علـى الخشب ممـا أتذكر - حيث كان أبي يعلق مناظر روما في ردهة المنزل - تتجسد أمام ناظري في الحياة، وإن كل ما عرفته منذ أمد بعيد عن طريق اللوحات والرسوم والكليشيهات المحفورة على المعدن والصور المحفورة على الخشب، وتماثيل الجبس، والموديلات المعمولة من الفلين ينتصب أمامي الآن.... إن أفكاري القديمة ازدادت الآن رسوخا وتماسكاًً، ونبضا بالحياة بحيث يمكن القول إنها باتت جديدة وصف مبهر للفلاحين يحفرالفلاحون أخاديد عميقة ولكن على الغرار القديم نفسه. ومحاريثهم بلا عجلات، وشفراتها ثابتة، لا تتحرك. ويتقوس ظهر الفلاح خلف الثيران وهو يدفع المحراث في التربة لكي يقلبها. تجري الحراثة خمس مرات كل عام، ولا يستخدم الزراع إلا القليل من السماد الذين ينثرونه بأياديهم. أما في موسم البذار، فيقيمون أضلاعا ضيقة تفصلها أخاديد عميقة حتى تجري فيها مياه الأمطار. ويزرعون القمح فوق أكتاف السواقي، حتى يسهل عليهم المشي في الأخاديد عند الحاجة. زرت اليوم حورية إيجيريا، وسيرك كاراكالا، والأضرحة الخربة على طول طريق فيا آبيا، وضريح ميتيلا، الذي جعلني أدرك، للمرة الأولى، معنى البناء الصلد. لقد أشاد هؤلاء مبانيهم في حساباتهم باستثناء العنف ا � للأبدية؛ ولم ينسوا شيئ المسعورللغزاة المخربين، الذين لا قدسية لشيء في اعتبارهم
عن نموذج بديع للجندول؛ وكان أبي شغوفا بهذا الجندول أيما شغف، ويأذن لي أحياناًً، إبداء للمعاملة المتميزة، أن العب بها. وحين ظهر الجندول بقيدومه المصفح بالفولاذ وحجرته السوداء، حيّّاني كصديق قديم. متعة الانفراد يقول «غوته»: ... ها أنا ذا قادر أخي ار على التنعم بلذة الانفراد بنفسي الذي طالما تقت إليه، فما من موقع يتيح للمرء أن يكون وحيدا أكثر من الحشد الكبير، الذي يشق فيه المرء بالكامل. ففي طول البندقية ا � طريقه عنوة، ويكون غريب وعرضها لا يوجد من يعرفني باستثناء شخص واحد على الأرجح، ومن غير المتوقع تماما أن أصادفه في الحال. المدينة الأولى في العالم يقول «غوته»: ... ها قد حللت، أخي ارًً، في المدينة الأولى في العالم! لو أنى شاهدتها قبل خمسة عشر عاما بصحبة دليل ذكي يرشدني، لقلت إنني إنسان على جانب كبير من الحظ، ولكن لما قيض لي أن أزورها بمفردي وأن أعتمد على حكم ما تراه عيناي، فإنني مغتبط في الأقل لحصولي على هذه النعمة بعد هذا العمر. لقد مضيت عبر جبال تيرول أنهب الأرض نهبا كما لو كنت في فرارلا في رحلة. ... كان توقي لبلوغ روما يتنامى ويكبر مع مرور كل لحظة، .... والآن، ها قد وصلت إلى مبتغاي، وهدأ روعي، وأخذت أشعر أنني وجدت سكينة ستلازمني في حياتي كلها. ذلك لأن المرء، إن جاز لي القول،
79
78
2025 مارس 305 / العدد
رحلة الشاعر الألماني«غوته» إلى إيطاليا: عندما يغيّّـر السفر موازين الأدب
Made with FlippingBook Digital Publishing Software