الذاكرة والمكان
أماكن الذاكرة وذاكرة الأمكنة في كتابات الشيخ سلطان القاسمي
أماكن الذاكرة تتضمن الأماكن الذاكراتية الأحداث الاستثنائية من الماضي. وبشكل عام تدخل ضمن هذا المنظور الجديد الأماكن والمواقع الجغرافية أيضاًً، مثل: المقابر والتماثيل والنصب والأماكن الفردية، وكذلك المكتبات والمتاحف الشخصية، وحتى التراث الفني والطقوس والاحتفالات، والأعياد، والمناسبات أيضاًً. اتساقا مع هذا المنظور، فإن أماكن الذاكرة تحضر بوضوح مائز في المدوّّنة التاريخية والتراثية لسمو حاكم الشارقة، ما يجعل منه مؤرخا للأمكنة بجدارة بحكم ما راكمه في هذا الموضوع من معلومات والمعطيات في كتاباته، حيث تحدث عن البيوت القديمة، والحصون والقلاع والأبراج والأسوار، والأسواق والمساجد والمدارس، راصدا ما طالها من تغيّّر، وما لعبته من دور وظيفي في تاريخها. مؤرخ الأمكنة إن التأريخ الذي يحاول إعادة بناء ورسم الكثير من المعالم التاريخية للأماكن اليوم، وإزاحة الغبار عن شخصياتها ورموزها، اعتمادا على مصادر متعددة هو نوع من العودة للتاريخ المحلي وللذاكرة الجهوية بغية جعل الماضي قريبا من الفهم بل ومعيشاًً، وذلك لا يتم إلا من خلال استحضار واستعادة الأماكن الغابرة والشخصيات الحاضرة وكذا المغمورة والغابرة، وتذكير الأجيال الحالية من جديد بتاريخها المحلي، فقد ينطلق المؤرخ من معلمة مجهولة فيعيد إحياءها من خلال التنقيب الدقيق ومقابلة الروايات وتمحيص الأخبار،
وقد يقف على شخصية يجهلها كثير منا: قد يكون عالماًً، ناسخاًً، رحالة، فناناًً، كاتبا في جريدة، فيقدم لنا بذلك معلومات جديدة تعيد الاعتبار لفئات ظلت منسية ومجهولة. وإذا أمعنا النظر في المدو ّّنة التاريخية التي دبجها سمو حاكم الشارقة، وأماكن الذاكرة كما وصفها سنجد بأن سمو الحاكم عمل جاهدا على توثيق أماكن الذاكرة على نحو غير مسبوق، وهذا ما يجعله مؤرخ الأمكنة بجدارة، ويتجلى ذلك بوضوح مائز في ما سرده في مدوّّنته التاريخية عن أماكن الشارقة وما حوته من ذكريات علقت في ذهنه، من خلال سرد الذات وسرد الذاكرة، حيث أفرد كتابا يندرج في صنف السير ذاتية بعنوان: سرد الذات، وآخر من ثلاثة أجزاء بعنوان: حديث الذاكرة، بالإضافة إلى «بيوت مدينة الشارقة والقرى المجاورة لها وساكنوها»، وسيرة مدينة بجزأيه، وتحت راية الاحتلال، وغيرها كثير. إن سمو حاكم الشارقة يظهر في هذه النصوص متصلا مع محيطه ومتواصلا مع تاريخه وماضيه، الذي يتمظهر في صور المكان، واستدعاء الذكريات الماضية حتى يحفظها من عاديات الزمن وبراثن النسيان. وعليه، فإن المكان يشكّّل ذاكرة خصبة ومساحة مترامية الأطراف عند سموه، وذلك ما يتجلى في حديثه عن المكان بوصفه مسقط رأسه ومرتع صباه الذي شهد ميلاده الأول، وحافظة ذكرياته الماتعة التي نثرها في كتبه، منذ الطفولة حتى الشباب، ولعل ذلك ما حداه إلى المحافظة على المكان الذي يعتبره ذاكرة جماعية، وعينا يطل منها على الماضي الجميل، وغوصا عميقا في أعماق التراث الأصيل، وسف ار في
منّّي بونعامة القرن العشرين اهتماما متزايدا شهد بمسألة الذاكرة، وكث ُُرالجدل بين المثقفين والمؤرخين والفلاسفة والاجتماعيين حول الذاكرة وصلتها بالتاريخ نظ ار للترابط الكبير بينهما، ودبّّجت في هذا السياق العديد من الكتابات التي عبّّرت عن مدى الاشتغال والانشغال البحثي والفلسفي والتاريخي والاجتماعي بهذا الموضوع الشائك، وتركز الجدال بين نخبة من المؤرخين والفلاسفة والاجتماعيين من بينهم بول ريكور حول العلاقة بين الذاكرة والزمن والسرد، وموريس هالفاكس حول الذاكرة الجماعية والأطر الاجتماعية للذاكرة، وجاك لوغوف حول الذاكرة والتاريخ، وبيير نورا حول كبي ارًً ا � أماكن الذاكرة، التي لاقت رواج في الأوساط البحثية والأكاديمية، حيث ناقشت كيف تُُحفظ الذاكرة الجماعية في الأماكن، والرموز، والممارسات الثقافية، وتصبح عناصر التراث، مثل: العادات والشعر والموسيقى والرقصات التقليدية، عناصر حية تُُمارِِس دوار نشيطا في تعزيز الذاكرة الجماعية، والهوية الوطنية.
81 2025 مارس 305 / العدد
80
أماكن الذاكرة وذاكرة الأمكنة في كتابات الشيخ سلطان القاسمي
Made with FlippingBook Digital Publishing Software