الذاكرة والمكان
حنايا الذاكرة الشعبية الإماراتية، يستحضر ملامحها من حياة الماضي في مظاهرها وتجلياتها كافة، وفيه ما يحيل القارئ إلى حقبة تاريخية مضى أوانها، وبقيت آثارها وأشجانها، وظلت ملامحها عالقة في ذاكرة الرواة وحرّّاس التراث، تجس ّّد قصة تروى فصولها وتسرد تفاصليها، وتحتضن وقائعها ساحة التراث في قلب الشارقة ومدنها ومناطقها، حيث عراقة المكان الذي يختزن سجل الذكريات، وديوان الحكايات، لمن سكنوا هذا المكان في غابر الأزمان، قبل أن يؤذن بهم نداء الرحيل. لقد قدم لنا سموه في أعماله ملامح من صورالمدينة القديمة في الشارقة من خلال استعراض فصول من تاريخها ووصف م، وأحيائها وحياة سكانها، 1925 ملامحها ومعالمها في عام ومكوناتها، ومكنوناتها، وأبرزمعالمها التاريخية ورموزها التراثية، موثقا سيرتها الأولى وما طالها من تغيّّرات عبر القرون، كما سرد لنا في تضاعيف ذلك العرض حكايات شعبية وخرافية ذات عمق يتصل بالمعتقدات الشعبية الإماراتية، بالإضافة إلى الأهازيج الشعبية والاحتفالات التراثية التي كانت تصاحب المناسبات الدينية والشعبية تحت شجرة الرولة والرقصات الشعبية المصاحبة، ومفردات تراثية تتّّصل بحياة السكان في مختلف المناسبات، ومما ذكره سمو مؤرخنا «الفوالة» و«العيدية» وغيرهما. تأصيل مسميات الأماكن والمواضع تحدّّث سموه عن مسميات الأماكن والمناطق والمواضع، محققا ومدققا وممحصا ومصححا للأخطاء التي جرت على ألسن الناس في نطق بعض الأسماء أو تفسير سبب إطلاق
شجرة الرولة
خريطة قديمة لأحياء الشارقة
حصن الشارقة خلال ستينيات القرن المنصرم
مسمياتها، وذلك بهدف حفظ اسم المََعْْلََم وآثاره الباقية من العصور الخالية، وقد اتبع في ذلك فلسفة واضحة ورؤية «كل الأسماء التي أطلقت على كاشفة ببصيرة نافذة، لأن المناطق أوالآباروالتلال أوحتى الجبال استمدت من طبيعة وصفات الشيء المسمى عليه»، لذلك يقول: «أحافظ على البئر بحفظ اسمه، إحياء لآثار موجودة وصفات إما لجبال وإما لتلال وإما لآبار، هذه أمور استطعت أن أحافظ عليها والباقي في صدورالناس، وأحييت الأسماء التي تكاد تختفي». ويردف: نتدخل في إزالة الاسم الشائن فقط لأنها لا تصح. مضيفا ًً: «أما في تسمياتي فلم أتعمق لما هو أكثر من الأمور العامة، ومنها أسماء الطرق مثل: طريق مليحة، وطريق الذيد، وطريق خورفكان، وطريق كلباء، أعرّّف البلد بالطريق المتجه إليها ليسهل على الشخص استخدام هذه الطرق». وهذا إحياء لهذه المناطق وسيتم تعريفها جميعا باللوحات، وهي مسألة تعريف الأشياء مهما كانت بسيطة. انطلاقا من هذه الرؤية الثاقبة والفلسفة العميقة للمكان وذاكرته وما تحيل إليه من معان ودلالات، وما يقتضيه ذلك من بحث وتقص وتمحيص، نجد سمو الشيخ القاسمي يعمد في كل ما يورده من معلومات إلى توثيقه توثيقا دقيقا وصحيحاًً، وربما أدى ذلك إلى نسف بعض المعلومات التي درجت على ألسن الناس على أنها مسلمات في حدود ما يملكونه من معرفة عن هذا الموضع أو ذاك. كلباء: من جملة تلك التسميات اسم «كلباء»، وهي من الكلبة وهي الشجرة الشائكة، وأهل كلباء يشاهدون على الأسوارفي بعض المزارع القديمة إلى اليوم شجرة شائكة، ويقال أرض كلبة
تأخذ تسميتها من البئر ولا نسبة للماء المالح به. فهذه تسمية قديمة في التاريخ ومذكورة كثي ار ولكن المؤرخين لا يعلمون أين تقع هذه المنطقة وقد أوضحت لهم أنها تقع في المنطقة الوسطى. هكذا تجلت أماكن الشارقة وذاكرة أمكنتها في كتابات سمو الحاكم من خلال الاستحضار والتوظيف والتوثيق لمسميات الأماكن ورسم ملامحها والمحافظة على معالمها، وإحيائها والاحتفاء بها لضمان بقائها وديمومتها واستمرارها عبرالتاريخ المصادر والمراجع: . الذاكرة واللغة: مقاربة علم النفس المعرفي للذاكرة المعجمية وامتداداتها 1 ، عمّّان 1 التربوية، بن عيسى زغبوش، عالم الكتب الحديثة للنشر والتوزيع، ط . 2008 الأردن، . 2019 . التاريخ وما بعد الكولونيالية، خالد طحطح، دارتوبقال للنشر، الطبعة الأولى، 2 . 2015 ، منشورات القاسمي، الشارقة، 1 . سيرة مدينة، سلطان بن محمد القاسمي، ج 3 . تحت راية الاحتلال، سلطان بن محمد القاسمي، منشورات القاسمي، 4 . 22 ، ص 2014 الشارقة، باحث أكاديمي - موريتاني . 2009 . سرد الذات، سلطان بن محم ّّد القاسمي، منشورات القاسمي، الشارقة، 5 . حصاد السنين: «ثلاثون عاما من العمل الثقافي في الشارقة»، سلطان بن 6 . 2011 محمد القاسمي، منشورات القاسمي، الشارقة، . بيوت الشارقة والقرى المجاورة لها وساكنوها، سلطان بن محمد القاسمي، 7 . 2022 منشورات القاسمي، الشارقة، . الذاكرة .. أسرارها وآلياتها، لورون بوتي، ترجمة عز الدين الخطابي، أبوظبي، 8 . 2012 هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، الطبعة الأولى . 2009 . الراوي المتماهيمعمرويه،محمد صابرعبيد، منشورات القاسمي، الشارقة، 9 . مؤرخ العصر.. مقاربة في مرتكزات الكتابة التاريخية عند سلطان القاسمي، 10 . 2016 مني بونعامة، إصدارات معهد الشارقة للتراث، الشارقة
وكلباء، وهي الأرض التي تكثر فيها شجرة الكلبة، وأرض ذات كلاب وكلاليب. المدام: كلمة عربية أصيلة وتعني البقعة التي ينزل عليها المطر المدام، فالمدام أي كثيرة المطر. دبا: هي أرض بها الد ََّبََى، والد ََّبََى هو صغار الجراد الذي كان يأتي من ناحية الباكستان فينزل في هذه الأرض ليضع بيضه فيها، وكان للأرض نصيب من اسمها وإلى الآن. الصير: صير: تعني السفح المائل للجبل الممهد للسكنى، وكذلك صير بني ياس، وصير رأس الخيمة، ومنه قولهم: شيخ الصير: أي القاسمي شيخ الصير. واسط: منطقة واسط في الشارقة ممتدة من الرقعة الحمراء حتى الداخل، وهو مستلهم من اسم واسط في العراق التي كان القواسم أمراءها قبل أن يهاجمهم المولى علي المشعشعي هـ، واحتل واسط والرماحية، واستولى على أموالهم 850 عام وخرجوا إلى الصحراء جنوب (الشنافية وهي منطقة يعرفها العراقيون، وسكنوا هناك قرب (الحيرة) وقبالة (الزبير)، وهذه مسميات موجودة في الشارقة وقد جاء بها القواسم من العراق). ملوخة ومليحة أرض واسعة تسمى سراج وباللغة اليونانية (ملوخة) تكتب حاء ولكنها تنطق خاء، من هنا أتت تسمية مليحة، حيث إنها لم
83
82
2025 مارس 305 / العدد
أماكن الذاكرة وذاكرة الأمكنة في كتابات الشيخ سلطان القاسمي
Made with FlippingBook Digital Publishing Software