torath 305- Mar-2025

تراث ولغة

في كثيرمن الوسائل الإعلامية، كما في تق ُّم ُِص أدوارالتمثيل، وفي محاولات الباحثين المبتدئين. ولنبدأ بتوضيح: ما هو الإبدال واليأيأة؟ الإبدال ُُ: هو الظاهرة الكبرى العامة ُُ، وهو ظاهرة لغوية معروفة في جميع اللغات، وهي تعني: لفظ حرف مكان حرف في الكلمة نفسها من دون أن يخل ذلك بمعناها، وقد حفلت اللغة العربية - في طورها الفصيح - بكثير من المفردات الدال ََّة على ذلك، وانتقل هذا إلى اللهجات العربية الحديثة، سواء أكانت الألفاظ الدالََّة على هذه الظاهرة قديمة قد بقيت فيها منذ أيام الفصحى، أم نشأت بعد ذلك حينما تحولت الفصحى إلى الطور اللهجي. وقد حوت لهجات دولة الإمارات العربية المتحدة عشرات الأمثلة على هذه الظاهرة، منها: اليأيأة: قلب الجيم ياء ًً، وهي ظاهرة صوتية معروفة في لغة العرب، ومسموعة في باديتي: نجد والحجاز، كقولهم في «المسجد»، و«الشجرة»: «مسيد»، و«شيرة»، ذكره: ابن السكيت، والجوهري، وأبو علي القالي، وغيرهم. وقد يكون القلب في وسط الكلام، مثل: القلب في «مسجد»، أو آخر الكلام، مثل: قلب الجيم ياء مشد ََّدةًً: «الصاروج» تصبح: «الصارويّّ»، وهذا عكس قضاعة؛ فإنهم يبدلون الياء المشددة جيماًً، فيقولون في «علي ّّ»: «علج». ومن ذلك قول الشاعر: ِ إن كُُنــــــــــــــــــت قََبِِلْْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت حجََّتِِــــــــــــــــج �ِّ ْْيََــــــــــــــــــــــــــــــــــــا رََب ِِـــــــــــــــــــــــــــج يََأْْتِِيــــــــــــــــــك بِِــــــــــــــــــــــــج يََـــــــــــــــــــــــــــزََال شََاح ا ف ََــــــــــــــــــــــــــــــــــــل َا ِ إن كنت قبلت حج ََّتي، فلا يزال شاحج يأتيك �ِّ ومعناه: يا رب بي. الشاحج: هو البغل الذي يبلغ صاحبُُه بغيته، والشحيج ُُ: صوتُُه، ومما ورد عن العرب في إبدال الجيم ياء قول الشاعر ج ََن ََــــــــــــــــــى ا ِِـــــــــل وََلَا ُُـــــــــــــــــــــــــــن ظ ُُـــــــــــــــــــــــــــن فِِيك ِِإِِذََا لََـــــــــم يََك فََأََبْْعََدََكُُــــــــــــــــــن اللــــــــــــــــــــــــــــــــــــه مِِـــــــــــــــــــــــــن شِِيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرََات ت ََق ْْر ََب ََا ا أي: شجرات. وهذه لهجة تميم ٍٍ، وقد ق ُُرئ قولُُه تعالى: «وََلَا ا ، بالياء بدلا من الجيم: «وََلَا 35 هََذِِه الش ََّجََرََةََ» سورة البقرة: تََق ْْرََبََا ه ََذ ِِه الش ََّيََرََةََ»، وهذا ليس خاصا بالإمارات، بل موجود في سائر دول الخليج؛ ولعل السبب في ذلك هو تشابه الحرفين المخرج، مم ََّا يُُتيح إبدال أحدهما مكان الآخر. ومن الصعب حصرضابط الإبدال؛ فهناك كلمات لا ت ُُبد ََل فيها الجيم ياء، ممََّا يجعل الكثيرين - ممََّن يحاولون فهم اللهجة الإماراتية وتقليدها أو حتى الإشراف على بحوث - في مأزق وتخب ُُّط. وقد اطلعت على بحث لطالب ماجستيرذكرأن هناك

إذا حدث لبس بين كلمتين متشابهتين، الأول: مثل: الجامعة: التي هي المؤسسة التعليمية، والجامعة، التي هي مجتمع عظام الظََّهرِِ، أو ملتقى الحبال في اليازرة؛ فلا إبدال في الجديدة. في الكلمات الحديثة جداًً، مثل: الأمر الثاني: الجمهورية، والجرس، وغيرها، توقََّف القانون اللغوي في الإبدال كما ذكر. وإن اتفقنا أو اختلفنا مع هذين الأمرين اللذين ألمح فيهما الضبط من باحث متعمّّق، وهو بالضبط ما ذكره باحث الماجستير غير أنه لم يُُوفق بالأمثلة والتطبيق. وفي النهاية أختم هذه المقالة بالقول ِِ: - إن مثل هذه الظواهر تُُثبِِت أن اللهجة 1 الإماراتية ذات موروث لُُغََوي، وهو من أهم موازين الهوية. - إن التصدي لمثل هذه الظواهر بالبحث 2 يتطل ََّب: تريثاًً، ووقتاًً، وتنوعا بالمصادر البشرية التي يُُؤخذ منها. - إن صعوبة التمييزبين وقوع إبدال الجيم ياء 3 وعدم وقوعه جعل هذه الظاهرة مطبّّا لمن أراد أن يبحث في اللهجة الإماراتية، أو يتحدث بها، ويكثرذلك عند الباحثين أو الراغبين في

التحد ُُّث بها لأي غاية أكانت إعلامية أم غيرها. - إن ظاهرة قلب الجيم ياء أصبحت سمة 4 للهجة الخليجية، بل هُُوِِيََّة خاصََّة لهم بين الشعوب العربية، ممََّا يُُوجِِب على الباحثين الإماراتيين - على وجه الخصوص - والخليجيين - على وجه العموم - البحث؛ رجاء الخلوص إلى نتائج ذات قيمة جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية - الإمارات

كلمات لا تُُبدََل فيها الجيم ياء، مثل: «جميل» لا يُُقال فيها: «يميل»، وهذا غيرصحيح، وقد استند فيما ذكرإلى أن وجود الجيم والياء في الكلمة ذاتها لا يسمح بالإبدال، وذلك كما في كلمة «الفجيرة» لا تُُنطق: «الفييرة»، «أو «الجيش» لا يُُقال: «الييش»، كما اجتهد الباحث. والحق أن هذا خطأ، ويبدو أن العينة والأشخاص الذين استعان بهم لم تكن شاملة وكافية؛ فكثيار ما نسمع مََن ِ�ِّ يقول: «هذه بنت يميلة ٌٌ»، أي: جميلة ٌٌ، وعند بعض كبار السن يقع الإبدال في كلمة «الجيش»، فيقولون: «الييش»، فظاهرة إبدال الجيم ياء موجودة، وإن كانت قليلة أو نادرة في الجيل الحالي، فلا نكاد نسمع من الجيل الحالي م ََن ينطق بـ «الييش» بدلا من «الجيش». إن من الصعب البت في هذه الظواهر؛ فهي للسماع أقرب من حيث الاعتماد على القاعدة الصارمة، وإن كنا سنعتمد على القاعدة والتطبيق، فهذا مسلك ليس بالسيئ، ولكن سيقترب من القواعد النحوية، واللغة التعليمية. ما أريد قوله أن مثل هذه الظواهر اللهجية لا بد أن تُُدرس بعناية وعلى جمع وحصر واسع، ومن ثقات ومن الجيل الذي عاش وسط بيئة إماراتية محضة، وعند سؤالي لأحد الباحثين الإماراتيين في هذ الموضوع - وهو يمتلك م لؤََّفََات في هذا المجال - ذكر أن الضابط للإبدال من الممكن أن يُُحد ََّد في أمرين:

87

86

2025 مارس 305 / العدد

ظاهرة «اليأيأة» في اللهجة الإماراتية: بين سياقي الواقع والتأصيل اللغوي

Made with FlippingBook Digital Publishing Software