torath 305- Mar-2025

قتيبة أحمد المقطران لليل حي اّّز واسعا في الطروحات الشعرية، قديمها وحديثها، ففي الليل تخلو النفس مع نفسها، وتتأجج فيه مشاعر إن الحب والألم والحنين، وفيه يستعيد الشاعر رحلته اليومية مع محطات الحياة؛ فهو عاشق ولهان حين ًاً، وحزين تائه حين ًاً، ومشتاق متلهف حينًا ثالثاًً. وفي هدوء الليل وسكونه تتفتق الشاعرية ويتجلى وحي الإلهام ويبدع الشعراء. ولاشك أن المكان يلعب دو ار حيويا في حديث الشاعر عن الليل؛ لأن الليل بحد ذاته مكان كما أنه زمان، فليل الصحراء ليس كليل المدينة، وليل المعافى ليس كليل المريض، وليل السعيد ليس كليل الحزين، وليل الظالم ليس كليل المظلوم. في طروحات شعراء الإمارات الليل دراسات إماراتية

الليل هنا يحمل دلالة مكانية ويغدو في نظر الشاعر إنسانا حزينا يتألم، فالمكان حزين، والشاعر حزين، والطيور حزينة والكون كله حزين. إن تشبيه الشاعر لليل بالإنسان أضاف إليه بُُعدا جماليا فريداًً. والبدر كما عهدناه رفيق الليل دائماًً، وكم يحلو الليل عندما يتخلله ضياء القمر، ف ََت ََب ََُّدُُل حال البدر في هذه الليلة، وكأن خسوفا أصابه، عك ََّر صفاء الليل، فبات الحزن صفة جمالية ملازمة لليل. كذلك الطيورالتي مس ّّها هذا الحزن تشكّّل جزءا من جماليات هذا المكان، الذي يمكن أن نسميه (الجمال الحزين)، ولعل الليل هنا هو الشاعر نفسه، مرآة لنفسه الحزينة، والبدرهو فسحة الرجاء والأمل، والطيور هي الطمأنينة والمواساة. لوحة حزينة دامعة تتمحور في تفاصيلها المشاعر الإنسانية الحزينة التي تتألف من (الليل، والبدر، والطيور)، والعلاقة التي تحكم الشاعر بهذه الأشياء، ويتألق الجمال أكثر في هذه اللوحة في استخدام الشاعر تعبير (في أرجاء هذا الكون)، هذا الامتداد اللامتناهي يعبّّر عن الفسحة المكانية الممتدة لحالة الحزن القابعة في صدر الشاعر. ويأتي تشبيه الشاعر للّّيل بإنسان محزون على سبيل الاستعارة المكنية ليضفي على المكان- الليل لمسة جمالية حزينة لا تقل شأنا عن جمالها في معرض الحديث عن الفرح. أما ليل الشاعرة ظبية خميس فهو من نوع خاص، ليل آخر ليس كليل غيرها من الشعراء، تقول: ًًيــــــــــــــــــــــــــــــا ليلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي الخــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاص تأتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي بغتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة مُُلقيــــــــــــــــــــــــــــــا إلي بباقــــــــــــــــــة أزهــــــــــــــــــــــــار وحشيََّــــــــــــــــــــــــة لا أعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرف كيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــف أُُه ََذ ّّبُُهــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد لهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا أشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــواق لا ح ََــــــــــــــــــــــــــــــب ي ََحتــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل الكينونــــــــــــــــــــــــــــــــــــة ص ََخ ِ مكــــــــــــــــــان �ِّ كــــــــــــــــــــــــأن ذاتََهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا فـــــــــــــــــــــــــــي كــــــــــــــــــــــــل كــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــأن كل مكــــــــــــــــــــــــان هو ح ُُضن واحــــــــــــــــــد ) 4(ْْ لا يكتــــــــــــــمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل ليل الشاعرة يأتيها بغتة يقتحم عليها خلوتها، يقتنص منها لحظة عشق شاعرية، يبعثر ملف أوراقها، وهي تسترجعها في مخيلتها في صمت الليل وسكونه، وكأن هذا الليل يحوّّل وقت الشاعرة ولحظة هدوئها إلى عالم من الفوضى، ويقلب جزئيات المكان رأسا على عقب.. ليل فوضوي جامح لا يحكمه قيد

لقد حظي الليل باهتمام الشعراء القدماء؛ فهو محور الحياة، وصورة متألقة من الصورة الشاعرة في حياة الشاعر، وقد ًًا واجه الشاعر العربي الليل قديما وحديثا ًً، فقد مث ّّل الليل رمز للخير تارة ورم از للشر تارة أخرى، وهؤلاء الشعراء ع ََد ُُّوا الليل جزءا من حياتهم، فقديما كان الشاعرالجاهلي يجمع الليل مع النار في ثنائية متلازمة، فهو يتغلب فيها على الليل الذي يمث ّّل المتاعب والمعاناة، وهو رمز الغربة والفرقة والقهر، كذلك كان الليل مصدر الخوف والقلق، في حين رآه بعضهم فرصة . ) 1( للاختلاء بالنفس يرتاده ا � ومأمن ا �ّّ ويرى أحد الدارسين أن الليل يصبح سر الشاعر، ولم يعد ذلك الليل القيسي الذي يبتلي الشاعر بأنواع الهموم، بل إن الشاعر هو صانع ليله الخاص، فالليل ليس محط إلهام الكتابة ووحيها فحسب، بل هو المحتضن لها، هو خفقة القلب التي لا تتوقف إلا بصعود الأبجدية في شرفاتها في الصفحة البيضاء، وع ََب ْْرذلك يمارس الشاعرحريته التامة، وقانونه الشعري يعني التقاط شفرات جزئية صغيرة، فلم يعد . ) 2( الليل تلك المساحة السوداء التي تغلّّف المكان وكغيرهم من الشعراء، فقد احتفل شعراء الإمارات بالليل وسط ّّروا فيه قصائد رقيقة عذبة شجية في دواوينهم، ولا شك أن الصحراء والبحرلهما الدورالأبرزفي تكوين ليلهم الشعري، فصحراؤهم صنعت ليلهم الخاص الذي تبعثه بيئة الصحراء الآسرة، بقمرها المنير وهدوئها الساحر؛ والبحر بهدوئه وهيجانه؛ حيث ربط بعضهم الليل بحزنهم وألمهم، وبعضهم ً ثقيلا في مرضهم، وآخرون رأوه الحافظ والأمين �ً عايشوه ظلّا على سرهم وعشقهم. وفي الأحوال كلها جادت قريحة الشعراء بالتعبير عن لواعجهم وهمومهم ووج ْْد ِِهم وآهات عشقهم وهم يتحدثون إلى الليل، فهذا حسن علي شمس الدين يرى الليل

ًًحزينا فيحاول مواساته والتخفيف عنه، يقول: رأيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــت الليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل محزونـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

ًًلأن البــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدر قــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــد خ ََس ََفــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

فــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلا أدري لــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه س ََببــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا

ْْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدا ولا هد ََف ََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا ولا ق ََـص

ُُــــــــــــــــــــــــزن فــــــــــــــــــــــــي أََرْْجـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ... طيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــور الح

... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء هــــــــــــــــــذا الكـــــــون لــــــــــــــــــــــــــــــي تََـشـــــــــــــــــــــــــد ُُو

فكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــان الليــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــل ي ََعـصـ ِِر ُُنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي

) 3( بِِمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا مِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــن حالــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه يََبـــــــــــــــــــــــــــــــدو

89 2025 فبراير 304 / العدد

88 الليل في طروحات شعراء الإمارات

Made with FlippingBook Digital Publishing Software