torath 305- Mar-2025

دراسات إماراتية

فيتحول مكان الشاعرة إلى عالم تناثرت أشياؤه، التي يبدو من الصعب إعادة ترتيبها. إن هذا الليل يحرّّك في الشاعرة كيانا وفيضا من الحب والشوق، ربما للحبيب، أو ربما إلى عالََم آخر، خصوصا وأن الشاعرة كانت جوّّابة آفاق مسافرة مغتربة دائماًً. لقد بات الصخب عنوان وكينونة المكان، كينونة الشاعرة ذاتها، ليلها هادر متوحش، تتأرجح في جنباته قلقة مضطربة، وبرغم كل هذا فإنه ليل جميل مفاجئ، ليل غير اعتيادي وغير مألوف؛ ولهذا فهو يشك ّّل لمسة وفسحة جمالية نادرة. إن هذا الليل يحمل للشاعرة أزهاار وحشية، يشتت كيانها وي ُُحيل صمتها إلى عالم مفعم بالحركة، وهنا تبرز جمالية هذا المكان - الليل. ويأتي استخدام الشاعرة للمفردات (بغتة، أزهار وحشية، ص ََخ ََب...) دلالة على مدى فِِعل الليل بكيان الشاعرة؛ حيث غََيّّره من حال إلى حال، فمتى كانت الأزهار وحشية، ففي ذاكرتنا الجمعية، الأزهار توصف بالجمال والرائحة العطرة ونربطها عادة بكل شيء جميل، إلا أن الشاعرة تصفها بالوحشية. وعََبْْر هذه الانزياحات اللغوية تخرج الشاعرة بالمفردات عن معناها الحقيقي لتدلل على فعل الليل بكيانها ووجودها وكيف أفسد عليها هدوءها ودخل إلى أعماقها وق ََل ََب كيانها، إن الأزهار المتوحشة هنا هي الأزهار الفاتنة وهي م ََعل ََم آخرمن معالم الجمال في هذا الليل الغريب الذي خرجت الشاعرة في تصويره وتشكيل مفرداته إلى عالََم اللامألوف فزادته جمالا وسح ارًً. ونمضي مع الشاعرخلفان بن مصبح في ليله الذي لا شبيه له ولا مثيل، ليل ثقيل مُُمض ّّ، يمضيه الشاعر بصحبة البق والقرص والبعوض والبراغيث التي تلعق الدم من جسمه المريض النحيل وتتغذى عليه، ها ْْهو ساهر يتألم ولا يعرف إلى النوم سبيلا ًً، يقول: ْْأ ََي ق ََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر ْْص ٍٍ، أي ق ََـــــــــــــــــــــــــــــــــــر ْْض كالحريــــــــــــــــــــــق ْْطال لََيْْلــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي واعترانــــــــــــــــــــي كــــــــــــــل ض ِِيــــــــــــــــــــــــــــق ْْينتشــــــــــــــــــــــــــــي بالــــــــــــــــــــــــــــدم يمتــــــــــــــص الرََّحيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــق ْْيحتســــــــــــــي منــــــــــــــه لذيــــــــــــــــــــــــــــذ الرََّش ََفََـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات بيــــــــــــــــــــــــــــن رََقْْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــص وغِِنــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاء ونََغََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم ) 5(ْْ يََقْْفِِــــــــــــــــــــــــــــز البرغــــــــــــــوث والبََــــــــــــــــــــــــــــق يََهِِــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم ح ََفلــــــــــــــــــــــــــــة تُُولََــــــــــــــــــــــــــــم مِِــــــــــــــــــــــــــــن زََاد الأََلََــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم ) 6(ْْ ُُّــــــــــــــوء يُُملــــــــــــــــــــــــــــي النََّغمــــــــــــــات وبََعُُــــــــــــــــــــــــــــوض الس الشاعر عايش المرض العضال فترة من الزمن طويلة، وفي

والكآبة التي تغلف جنبات هذا الليل، فإنها لوحة تنطق بكل معاني الجمال الحزين. هذا هو الليل بأشكاله وتناقضاته في الذائقة الشعرية عند شعراء الإمارات، وقد جسدوه بريشتهم الشعرية وما فيها من تجليات وأبعاد وصور بديعة، فكان لكل شاعر منهم ليله الخاص الذي لا يشبه ليل غيره أكاديمي سوري الهوامش والمراجع: . (تجليات الليل في الشعر العربي)، محمد أحمد القضاة: المجلة العربية، 1 . 46 ، ص 1999 ، ديسمبر 271 العدد . (زاوية الليل وشاعرية النص المفتوح)، عبدالله السمطي: مجلة نزوى، العدد 2 . 37 ، ص 1 . ديوان (رحلة إلى الأعماق)، حسن علي شمس الدين: قصيدة (أنشودة الحزن)، 3 . 20 مطابع دارصحف الوحدة، أبوظبي، ص ، السلسلة الأدبية، مركز 1 . ديوان (تََلََف)، ظبية خميس: قصيدة (شتات)، ط 4 . 107 ، ص 1999 الحضارة العربية، مصر . يََهِِم ُُ: من يهيم بمعنى يتجول. 5 ، منشورات اتحاد 1 . خلفان بن مصبّّح: الشاعر الجامح، قصيدة (البق ّّ)، ط 6 . 58 ، ص 1990 كتاب وأدباء الإمارات، الشارقة

هذه الحشرات يعادل الرحيق اللذيذ الذي تمتصه النحلة وهي تتنقل على الأزهاروالورود المتفتحة، وقد بات دم الشاعر وليمة دسمة لهذه الحشرات الصغيرة. وتأتي الأفعال المضارعة التي تفيد الاستمرارية والتجدد لتوضح حركة هذه الحشرات التي لا تتوقف وهي تتناوب رحلة امتصاص الدم من جسد الشاعر الموجََع النحيل، وحالة الفرح التي تعيشها هذه الحشرات؛ حيث (البق ينتشي ويمتص ويقفز ويهم، حركة متواصلة لا تنقطع، وكأن الشاعر يشبهها بطفل، على سبيل الاستعارة المكنية، يلهو ويمرح بسعادة بين أزهارالحديقة ويلعب مع فراشاتها، والشاعرصريع الألم منهك الجسد، وكأن القرص والبق والبعوض تسرح وتمرح في مرعى طيب، وترقص كالفراشات جذلى في فصل الربيع. كما تتجلى جمالية المكان في هذه اللوحة الليلية من خلال النقيضين (هدوء الليل وسكونه، والجثة الهامدة)، و(حركة البعوض والبق والبراغيث والقرص المتواصلة التي تتناوب على جسم الشاعر). لقد رسم الشاعرلوحة بديعة حزينة لهذا الليل بكل ما فيه من ألم وأوجاع وضنك، وبرغم الألم والحزن

هذه اللوحة الليلية البائسة الموجِِعة نلحظ أبعاد المكان وجزئياته بتفاصيلها كلها، ونعيش مع الشاعر لحظات ودقائق ليله الممض القاتل، وألوان الحشرات الفتاكة التي تتناوب وتقتات على جسمه النحيل المنهََك وتعتصر دمه من بين أحشائه، والشاعر لا حول له ولا قوة، وما له إلا الصبر والانتظار، لعل الله يخفف عنه، ويُُبدله بليله هذا ليلا أسعد حالا وأقل ألما ًً. ولو حاولنا أن نتصورمفردات هذا المكان فهي (ليل ممض ّّ، بق ّّ، براغيث، بعوض، قرص، دم، جثة منهكة)، هذه المفردات كلها توحي بالحزن والكآبة والألم، فأي حياة تكون مع البراغيث والبعوض؟! وأي ليل هذا الليل الممض القاتل؟! إن ليل الشاعر أسوأ وأقسى من ليل امرئ القيس وليل النابغة الذبياني. إن ليله صراع من أجل البقاء.. لوحة حزينة مؤلمة، لكنها تنطق بجمال المكان الحزين الشاحب، هذه الحشرات القاتلة تتناوب في رقص وفرح على جسم الشاعر المريض ولا يعك ّّر صفوها أحد، في حين الناس نيام في هذه الساعة المتأخرة من الليل، إلا الشاعر فقد أقض الألم مضج ََعه وأحال ليله أرقا وعذاباًً. إن دم الشاعر عند

91

90

2025 مارس 305 / العدد فبراير 304 / العدد

الليل في طروحات شعراء الإمارات

Made with FlippingBook Digital Publishing Software