سرد الذاكرة
في أبوظبي ذكريات مع رواد الطب
وهي مبادئ راسخة عاش عليها أبناؤها منذ القدم، حتى قبل اكتشاف النفط وظهور الثروة. وأود أن أسجل هنا، بكل امتنان، أننا في زمن البدايات كنا نحظى برعاية صحية ، قام الدكتورنعمان 1971 شاملة. فمنذ عام البنّّـا، وكان آنذاك شابا في مقتبل مسيرته المهنية، بإصلاح أحد أسناني. وبرغم مرور
عشر طبيباًً. عند زيارتنا لفلل الأطباء، كانت تبدو لنا كقصور صغيرة، واسعة وفاخرة، ومفروشة بأجمل الأثاث. لم يكن يعيبها سوى المكيفات المعلقة في الجدران، التي كانت تهدر بصوت عال طوال الليل والنهار، وهي أشبه بمحركات طائرات «الهليكوبتر» التي تعمل دون أن تطير. ورغم تطور العمل
خليل عيلبوني الأيام الأولى في دولة الإمارات العربية المتحدة كانت مفعمة بالجمال والدفء، حيث جمعتني الحياة برعيل من الرواد الذين كانوا بمثابة إخوة وأصدقاء. ورغم اختلاف مجالات عملهم، فإنهم كانوا يلتقون بعد ساعات العمل أو خلالها بروح العائلة الواحدة. بدأت رحلتي في الإعلام، وتحديدا في إذاعة أبوظبي، إلا أن علاقاتي توسعت لتشمل زملاء وإخوة من مختلف الوزارات والدوائر والشركات، ما جعل تلك المرحلة من أجمل فصول حياتي. ومن بين هذه الجهات، وزارة الصحة التي كانت أشبه بخلية نحل نشطة، حيث امتدت علاقتي مع جميع العاملين فيها، بدءا من وزير الصحة آنذاك، سمو الشيخ سيف بن محمد آل نهيان، وصولا إلى السيدة عفاف، عاملة البدالة، التي لا يزال صوتها ولهجتها الفلسطينية يترددان في ذاكرتي رغم مرورالسنوات، ولا أعلم أين هي الآن. لم تكن تلك العلاقات بدافع مصلحة أو هدف محدد، بل لأن عدد الموظفين كان قليلاًً، والأطباء التابعين للوزارة محدودين. وبحكم المراجعة الطبية، عرفت العديد منهم، وما زلت أذكرأسماء شخصيات بارزة، مثل: الدكتور محمود عبد الوهاب، والدكتور إبراهيم رباح، والدكتور صلاح جادو، والدكتور عبد الكريم الرمحي، والدكتور أحمد محمود، والدكتور توماس في «العين»، إلى جانب الدكتور مدحت عفيفي، والدكتور نبيل أباظة، والدكتور محمود الشيخ، والدكتور عبد الله عزام. الطبيب المجهول لا أذكراسم الطبيب الآسيوي الذي كنت أحرص على أن يكون طبيب العائلة وأُُفض ّّله على غيره. لم أكن الوحيد في ذلك، فقد استطاع هذا الطبيب كسب ثقة واهتمام كبار القوم في تلك الفترة، حيث كان الجميع يلجأ إليه لعلاج أنفسهم وأفراد أسرهم كلما ألمّّت بهم أي مشكلة صحية. انتشرت شهرة ذلك الطبيب، وتعددت القصص التي تشيرإلى
عبقريته وكفاءته في مجال الطب، وكانت تلك القصص تذكر أخلاقه الرفيعة أيضاًً، وتواضعه، ورفضه قبول الهدايا رغم محبته لجميع من حوله. وفجأة، صدمنا جميعا بخبر مغادرته أبوظبي ومنعه من العودة إليها، فاحتار الجميع في السبب. وكانت الإجابة بمثابة صدمة لنا، خصوصا نحن الذين كنا من المحظوظين في تلقي العلاج على يديه، هو الذي كان يعالجنا وأفراد أسرنا. فقد اكتشفت وزارة الصحة أن شهادة الطبيب كانت مزورة، حيث كان قد فشل في السنة الثالثة بكلية الطب وطرد منها. فقام بتزويرشهادته، وجاء إلى أبوظبي ليعمل طبيبا عاماًً، وتمك ّّن من اجتياز لجنة الفحص بنجاح، ليحقق شهرة واسعة بين المواطنين والوافدين. طبيب القنص أعادت إلي هذه القصة ذكريات هوايتي التي مارستها خلال رحلات القنص مع معالي الدكتور مانع سعيد العتيبة. فرغم ميولي الأدبية في دراستي الثانوية، كنت شغوفا بالموضوعات الطبية، وخاصة الأدوية، فلم أكن أتناول أي دواء دون قراءة نشرته المرفقة، للتعرف على مفعوله واستخداماته، سواء كانت مضادات للحساسية أو المضادات الحيوية أو أدوية لعلاج الالتهابات ومشكلات الجهاز الهضمي. ومع مرور الوقت، كوّّنت معرفة جيدة بالأدوية، ما جعلني أؤدي دور الطبيب خلال رحلات القنص. كنت أحمل معي حقيبة مملوءة بالأدوية التي أحصل عليها من صيدلية المستشفى بعد وصفها من أحد الأطباء وكتابة مفعولها على العلب. وعندما يتعرض أحد المرافقين لأي وعكة صحية، أقدم له العلاج المناسب، وهكذا حصلت على لقب «دكتور» بسهولة ودون عناء. في ذلك الزمن، كان راتب الطبيب من أعلى الرواتب، إلى جانب الامتيازات التي شملت سكنا مميازًً، حيث حصل كل طبيب على فيلا خاصة، بينما اقتصر سكن الموظفين العاديين على الشقق في العمارات. كانت فلل الأطباء تقع في منطقة قريبة من المستشفى المركزي، ولم يتجاوز عددها خمس عشرة فيلا، نظار لقلة عدد الأطباء الذين لم يتعد عددهم خمسة
عاماًً، لا يزال ذلك السن بحالة ممتازة، بل أقوى 39 أكثر من من أسناني الأخرى، في شهادة حية على جودة الرعاية التي كنا نتلقاها آنذاك. عندما انتقل الدكتور نعمان البنّّـا للعمل في الشرطة، لم يكن من الصعب علي الاستمرار في علاج أسناني وأسنان عائلتي لديه، بفضل استثناء خاص من قيادة الشرطة. في ذلك الوقت، لم تكن هناك شركات تأمين صحي، لكن حكومة أبوظبي تول ّّت هذا الدور الإنساني بالكامل، حيث كان كل من يعيش على أرض الإمارات يتمتع بحق الرعاية الصحية دون تمييز. لم يكن المستشفى المركزي في أبوظبي يسأل المريض عن هويته أو وظيفته، بل كان يتلقى العلاج مجاناًً، مع صرف الأدوية الموصوفة له من صيدلية المستشفى دون أي تكلفة، بغض النظر عن سعرها. وامتد هذا الاهتمام إلى المدارس، حيث أُُنشئ قسم خاص بالصحة المدرسية يتولى متابعة صحة الطلاب يوميا ًً، وكان من أبرز مديري هذا القسم الدكتور عبد الكريم الرمحي، الذي لا تزال بصمته حاضرة في ذاكرة تلك المرحلة. أولت حكومة أبوظبي اهتماما كبي ار بالطب الوقائي، حيث حرصت على فحص جميع الوافدين والتأكد من خلوهم من الأمراض، ما أسهم في تعزيز الأمن الصحي في الإمارة. وكان من بين مديري هذا القسم الدكتور البلاسي، الذي لا يمكن نسيان جهوده وجهود الأطباء الذين عملوا معه في هذا المجال الحيوي، والذي تطور بمرور الوقت ليصبح أحد الركائز الأساسية للحفاظ على الصحة العامة في الدولة. إن النهضة الصحية التي تشهدها الإمارات اليوم تدين بالكثير لأولئك الرواد الذين بذلوا جهودهم بإخلاص، فكانوا شموعا تحترق لإنارة الطريق، وأسهموا في رسم ابتسامة الصحة والعافية على وجوه المواطنين والمقيمين خلال تلك المرحلة المشرقة من تاريخ الدولة شاعر وإعلامي
الصحي لاحقاًً، فإنه لا يمكن نسيان فضل هؤلاء الأطباء الرواد، الذين قدموا رعاية صحية استثنائية، وسهروا الليالي الطويلة لإنقاذ المرضى وتخفيف آلامهم. على سبيل المثال، لا أنسى الطبيب أحمد محمود، الذي أجرى عمليات استئصال اللوزلأطفالي، ولم يتردد في استئصال اللحمية من أنفي أيضا ًً. كان أولئك الأطباء ملتزمين بمهنتهم إلى حد تجاوز الواجب؛ فعلى الرغم من عدم إلزامهم بزيارة المرضى في منازلهم، فإنهم كانوا يلبّّون النداء عند الحاجة، متى ما استدعاهم أحد لعلاج مريض عاجز عن الوصول إليهم. وبحكم تلك الروابط، نشأت بيننا وبينهم علاقات عائلية امتدت خارج نطاق العمل. الرعاية الطبية في الخارج ما يستحق أن يُُسجل بحروف من نور هو الدور الإنساني لحكومة أبوظبي، التي وبتوجيهات من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان - طيّّـب الله ثراه - والمغفور له الشيخ خليفة بن زايد - رحمه الله تعالى - كانت تتكفل بإرسال المواطنين والمقيمين العاملين في أبوظبي إلى الخارج للعلاج. وقد كنت شخصيا أحد المستفيدين من هذه المكرمة، حينما أرسلتني وزارة الصحة برفقة زوجتي لمرافقة ابني «رامي»، الذي كان آنذاك في الثالثة من عمره، إلى لندن لتلقي العلاج. عند وصولنا، استقبلتنا السفارة هناك بحفاوة، حيث وفرت لنا الإقامة في أحد الفنادق الممتازة، كما أرسلت لنا مرافقا ليرشدنا إلى المستشفى ويعرفنا بالطبيب المعالج. ولم تقتصر الرعاية على ذلك، بل تولى القسم الصحي في السفارة تزويدنا بالمبالغ النقدية اللازمة لمصروفاتنا اليومية طوال فترة إقامتنا. الأهم من ذلك، أن الرعاية الصحية لم تكن تقتصر على المواطنين فقط، بل شملت الجميع دون تفرقة، في تجسيد رائع لروح الإنسانية والاهتمام الشامل. وُُلدت دولة الإمارات العربية المتحدة على قيم الجود والكرم،
93
92
2025 مارس 305 / العدد
ذكريات مع رواد الطب في أبوظبي
Made with FlippingBook Digital Publishing Software