torath 305- Mar-2025

فكر وفن

الرؤية الجمالية للتراث كيف شك ّّل الفن والفكر هوية الماضي

وضحى حمدان الغريبي البحث في التراث الفني لشعب ما ولمرحلة ما، يقتضي إن الوصول إلى الحقائق أو بعضها، من خلال استعراضها بحثا عن الأشكال والمضامين التي تعكس عبر الأجيال من صور الفهم الإنساني التي يمكن من خلالها الوقوف على نتاج تلك المرحلة، علاوة على الطروحات الفكرية التي تعكسها هذه النتاجات والأهداف التي ترمي إليها. ولأجل فهم ما تؤديه الفنون من أغراض، يكون من المهم تقصي تاريخها الذي ينبغي أن نفهمه، بما يؤدي إلى التحقق من مقاييس الذوق السائدة، وإلى التعبير الثقافي لتلك الحقبة مبينا في فنونها، عبر الترابط الاجتماعي والتاريخي

تشير إلى معتقدات ومفاهيم دينية وجمالية، ما أدى ذلك إلى التفاعل الحضاري بين حضارات العالم القديم، واعتقد بعض علماء الآثار بأن التجريد أو الرمز أو الأشكال الزخرفية قد نشأت عند الإنسان القديم نتيجة للتحويرات الكثيرة التي أجراها على أشكال الحيوانات والإنسان والنباتات وصولا إلى الأشكال الهندسية، كالخطوط المستقيمة والمتوازية، علاوة على التحوير في أشكال السهم والقوس، وقرون الحيوانات وحوافرها وبعض تفاصيلها، فنلاحظ في مضمون الرموز التراثية أنها تحمل في طياتها قيما تهتم بالجمال وأخرى بأبعاد فكرية تتضمن تلك الحقبة من الزمن، فالفنان التشكيلي يهتم بإنتاج الأعمال الفنية التي تشبع حاجة الجمال، أما المتذوق فهو يقوم بإضافة القيمة الجمالية على هذه الأعمال الفنية نتيجة تفاعله معها، فالفن يهتم بالأعماق الحسية ويبتعد عن الظاهرية.

السمات الفكرية والاجتماعية، وفي تفاعله تفاعلا عضويا مع التطور العام للبشرية، هذا التطور الذي يظهر في التراث الإنساني وتعدد فنونه وتقنياته ونظمه وأنماطه وتقاليده، إذ تكشف الدراسة التاريخية للفنون أن الفن لغة إنسانية تخاطب العقل والخيال والوجدان، كما أنه بمنزلة الانعكاس المادي فإن الإنسان ا � لحضارات الشعوب ووعيها وفكرها. وعموم يميل دائما إلى إحاطة نفسه بما يحفظه من رموز منذ القدم حتى الآن، وكانت الفنون إحدى أهم وسائله في ذلك، إذ إن الحضارة تبلورت مع ما عُُرف من أعمال الفن التي من خلالها تم التيقن أن هناك حضارة على الأرض التي عثر فيها على ما يؤكد وجودها، سواء كانت أعمالا نحتية أو عمارية أو رسوما جدارية أو ألواحا للنقوش الكتابية، التي تم تناقلها عبر الزمن فأثرت وتأثرت بما تحمله هذه الأعمال الفنية من رموزودلالات

الذي يحكمها، كما أن للفنون قيمة معرفية، وحاجة ظهرت مع وعي الإنسان لتعكس ثقافات الشعوب من خلال ما تبرزه عبر نتاجاتها الشاخصة، وما تتضمنه من تجسيد للمعتقدات والأحداث في تناول ما للفن من أهمية في حياة الإنسان، وما يحمله من ذائقة جمالية عبر المنجز المتعدد الطروحات، يكون الحديث عنه وعبر مراحله التاريخية معب ار في حقيقته عن حضارة الإنسان منذ وجوده على الأرض، وفي تحسسه ما يحيط به في الطبيعة لينقله إلينا عن طريق الفن بصورة ترسم أولى خطواته نحو المعرفة والفكر، إذ إن الفن في ذاته إنما هو الصورة التي تعلن ارتقاء الإنسان لتحقيق الجمال في الشكل، والجمال في المضمون، وانطلاقا مما عليه الفن من أساس واقعي، والذي يؤكده الفلاسفة ذوو النزعة الطبيعية والتجريبية، فإن طابعه يحدده سياق العصر بما يحمله من

95

94

2025 مارس 305 / العدد

الرؤية الجمالية للتراث كيف شك ّّل الفن والفكر هوية الماضي

Made with FlippingBook Digital Publishing Software