فكر وفن
كانت الأعمال الفنية تكرس القيم الفكرية لصالحها، وحيث يعتبر الفن والثقافة وسيلة معبرة عن تاريخ الشعوب وتراثها وتجاربها وعقائدها من خلال الفنون التشكيلية والموسيقى والأدب والعمارة والعادات والتقاليد، وبها يتم توثيق مراحل نمو الهوية الوطنية وتميز الثقافة الوطنية عن الثقافات الأخرى. فالفن لا يعكس التغيرات في الهوية الثقافية عبر الزمن فقط، بل يسهم في تشكيلها أيضاًً، من خلال تجريد الصور وتقديم التأويلات الشخصية للعالم، ويقدم الفنانون نظرات فريدة على الثقافة والهوية. إنهم يدعوننا لإعادة النظر في مفاهيمنا الخاصة والمشتركة حول الذات والآخر، ويسهمون في حوار مستمر حول الانتماء والتفرد في عالم مترابط بشكل متزايد. وهوية الفنان تعب ّّـرعن الموروث الذي استقاه منذ نشأته حتى مرحلة التعبيرالخاص به التي يمزجها بالاتجاهات الفنية المعاصرة التي يتأثر بها ويؤثر فيها، فهي تعتبر المكو ّّن الأساسي في تحديد هويته بما يشك ّّل كيانا يميز الشخصية الفنية.
خلال الرؤية الجمالية للفكروالفن يعد عملية معقدة حيث يقوم الفن والفكر بعكس قيم ومعتقدات ثقافية وحضارية سائدة في فترات زمنية محددة وفي بعض الأحيان يكون الفن وسيلة لتوثيق الهوية التاريخية، فالرؤية الجمالية للفن الإسلامي قام على مبدأ التحوير والتجريد في الفن، والتركيز على الزخارف الهندسية والأنماط النباتية، وتعد الزخارف الإسلامية وسيلة تجميلية استخدمت على نطاق واسع في حياة الناس وعلى طول المجال الجغرافي الذي امتد عليه الإسلام عبر التاريخ لتعكس رغبات المسلمين في عيشة تتسم بالجمال والزينة، نلاحظها في المسكن والأثاث واللباس والكتب وغير ذلك من متاع الحياة، وغالبا ما تتكون الأعمال الزخرفية من أشكال
من الجمال في شكله ومستواه الروحي، والتحرر من مفهومه المادي الزائل، ولو شاء الفنان عكس ذلك فلن تعوزه القدرة على رسم الطبيعة ونقلها على هيئتها كما هي، ولهذا تبقى الزخارف بالمنظور الإسلامي كغيرها من أشكال الفن الأخرى، قائمة على المعرفة الحسية أكثرمنها معرفة حدسية، فالفكر في الهوية الإسلامية يرتكز على تجسيد الجمال عبر الزخارف التي يرسمها الفنان أثناء مسيرته الفنية. في النهاية، نجد أن الرؤية الجمالية للفكر والفن ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الجمال أو الترفيه بل هي أداة حيوية في تشكيل هوية الأمم والشعوب من خلال الأشكال الفنية سواء كانت لوحات فنية أم تصاميم معمارية، حيث استطاع الفن أن يكون مرآة للثقافات والتاريخ وأن يعكس تطلعات الشعوب، فيجب علينا الحفاظ على إرثنا الإنساني المشترك أكاديمية من الإمارات المصادر والمراجع: . «جماليات الأشكال التراثية في الرسم العراقي المعاصر»، شيماء حليم ناجي: 1 م. 2007 رسالة ماجستير- غير منشورة - كلية الفنون الجميلة، جامعة بابل، . «أثر الاتجاهات الفنية الحديثة على هوية الفن التشكيلي في دولة الكويت»، 2 لطيفة فايز كريديس: رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية الفنية، جامعة م. 2012 حلوان، / www.almrsal.com// : . الموقع الإلكتروني 3
هندسية كالدوائروالمثلثات والمربعات، أو من عناصرطبيعية نباتية كالأوراق والأزهار وأغصان الأشجار، أو من الخط العربي المشبع بالمعاني الأدبية والدينية (الحروف والكلمات والآيات القرآنية)، كل هذه العناصرالمختلفة يوظفها الفنان في لوحاته وفق نظام خاص قائم على التداخل والتكراروالتناظرعلى نحو منتظم ومتناسب من حيث الوضعية والحجم والكثافة وحسن التوزيع على المساحة وملء الفراغ، حتى تتحول المساحات كلها إلى إطار يزخر بالمتعة التصويرية، ويشع جمالا وجاذبية، فيبلغ بذلك عمل الفنان أرفع درجات التجريد وقمة التعبير عن الحس الوجداني الصادق للفنان، وهو ما يبعث في المتأمل في هذه الرسوم الزخرفية بوصفه إنسانا يحمل في ذاته ما يحمله من معاني الرغبة في البحث وراء هذه الصور، ولجأ الفنان المسلم بحس ّّه الفني الراقي إلى توظيف الأشكال الرمزية المرئية وتطويعها في خدمة نشاطه الإبداعي الزخرفي على نحو يجعل العمل الفني مجالا لا متناهيا في الرؤية حتى إن الحدود المادية لمساحة العمل (اللوحة، الحائط، الورق..) تفرض أحيانا نهاية تعسفية تحول دون مواصلته، وتميز الفن الإسلامي عن بقية المدارس الفنية الأخرى بتقليد يقضي بالابتعاد عن المحاكاة، ونقل قدر أكبر من الدلالات والمعاني الوجدانية التي تنبض بها الصورة، وذلك بغية الاقتراب أكثر
جماليات الفن والفكر في الهوية الإسلامية
الرؤية الجمالية للفكر والفن يمكن أن تتجسد في العديد من الحركات والاتجاهات التاريخية التي تفاعلت مع العالم من خلال الأبعاد الجمالية والفكرية، فتشكيل هوية الماضي من
99
98
2025 مارس 305 / العدد
الرؤية الجمالية للتراث كيف شك ّّل الفن والفكر هوية الماضي
Made with FlippingBook Digital Publishing Software