torath 292 - Feb -2024

فنون

الشكلية، الأمر الذي منح هذه الأعمال حسا تعبيريا هادئاًً، مشوبا بنزعة تزيينية لطيفة. وما إن تخرّّج رشو من كلية الفنون الجميلة في دمشق قسم النحت حتى استطاع في فترة وجيزة أن يصبح اسما مهما في فن النحت ليس في حلب فحسب، وإنما على امتداد الساحة الفنية السورية. لاسيما عبر تمتعه بقدرات فنية مميزة، لذلك كان يقضي كل وقته في إنجاز أعماله الفنية. كان مشروع رشو الجمالي كبي ار ولا شيء يشغله أكثر من هذا المشروع لضرورة الانشغال بمعادلة المعطيات الإبداعية والمعطيات الوطنية، فبمرور عابر على أسماء أعماله «مم وزين»، و«الطبال وشفان»، و«الناي والدبكة»، و«المرأة وراقصة الباليه» وغيرها، نجد أنه جمع التراث والمعاصرة في منحوتاته مؤكدا أن التراث قابل لإعادة اكتشافه من خلال الفن المعاصر، بل هو في الأصل مادة من مواد الفن. في منتصف التسعينيات من القرن الماضي، كان قد أنهى دراسته في كلية الفنون بدمشق وبدأ يعمل في مجال النحت الفني بحماس شديد. وأقام معرضا للنحت في صالة الخانجي بحلب. لفتت مهاراته الفنية نظرالجميع، حيث استطاع تحويل المواد الخام الجامدة من وحل وبرونز وحجر إلى منحوتات تحمل سيرة الملاحم. منها: ملحمة «سيامند وخجي»، و«الأيل الغادر»، و«أنين الجبل»، و«عازف الناي». الأثر الفني يختلف سيدو رشو بإنتاج نحت يحمل صفات خاصة؛ منها استخدام الموضوع البسيط من الحياة اليومية والتكوين

النحات السوري سيدو رشو عندما يضيع صوت الإنسان لتراه ينطق في الحجر

نوزاد جعدان يعجن النح ّّات الصوت بالطين لتمتزج الأضداد وليحدث رنين للمادة، فتتحول من كتلة صلبة إلى كتلة برزخية يخرجها من الواقع إلى اللا واقع، في حالة اعتزاز متواصل تعطي الحياة لكتلة التمثال، وتدخلها مجال التأويل اللامتناهي في ظل عالم تجتاحه المادية أضاع فيها الإنسان صوته الداخلي الحقيقي الذي يحتاجه، ولأن الفنان حين يموت يعيد صياغة الحياة وفق قاموسه ومفرداته التي تبقى ما دام عمله الفني يسمو بالفكرة إلى حيث لا تدركها الأبصار، نستذكر الفنان التشكيلي النح ّّات السوري محمد سيدو رشو ذلك الشاب ، والذي كان طالبا استثنائيا بين 1960 الأسمر المولود عام الطلبة في محترفات قسم النحت بكلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق خلال تأهيله الأكاديمي. حيث جمع بعمق، بين الموهبة الفنية الحقيقية، والثقافة الفكرية والتقانية، وانكب باجتهاد كبير على الإنتاج والعرض، فور مغادرته هذه المحترفات. ، وفي صالة السيد للفنون التشكيليّّة 1993 في نيسان من عام في دمشق، قدم الفنان رشو باكورة معارضه الشخصية، من ضمنها ست وثلاثون منحوتة منفذة من البرونز والبوليستر

والخزف، بينها ثماني عشرة لوحة نحت نافر، مزج فيها ببراعة بين القيم التعبيرية والتشكيلية للنحت البارز والتصوير، وبين الإنسان ومفردات النسيج المعماري للبيت السوري، كالنوافذ والشبابيك، صاغها بأسلوب جديد، فيه الكثير من طرافة الفكرة، وجمال المعالجة، والخروج عن السائد والمألوف. أما الأعمال المجسمة، فعالجها بصياغة ما فيها بين خصائص ومقومات فنّّي النحت والخزف، لناحية التأكيد على الكتلة الرشيقة المتآلفة والمنسجمة مع فراغها المحيط بها، وسطوحها الواسعة المضاءة والملفوفة، الخالية من الثرثرة

الجميل الاستعمالي في المكان كجزء من الديكور.. كما أضاف اللون إلى منحوتاته في وقت مبكر قبل زملائه.. علاوة تراثية برعت في تشكيلاته النحتية ا � على استخدامه رموز البديعة، كما تعكس منحوتاته امتلاكه اللغة النحتية المتفردة التي تنوس بين التجريد المستند إلى ملامح بشرية من جهة ًًا والتعبير التشخيصي الذي تكتنفه معالجة تجريدية، معتمد على ثقافة بصرية متنوعة تجمع القديم الى الحديث، وتستفيد من إنجازات كل المراحل التاريخية لهذا الفن، كما أفاد من الثقافة الفنية في حقبة الثمانينيات وهذا ما جعله يزاوج بين التشكيل المعاصر، والمضمون الإنساني المتطلع إلى تحرير الإنسان، ونهوضه القوي نحو الحياة المتجددة، ما أسفر عن إنتاجه مجموعة مبدعة من الأعمال النحتية، التي تسعى إلى صياغة الجسد الإنساني المشرئب برؤية حديثة وعبر حلول تشكيلية تقترب من التجريد في تكوينها العام من غير أن تستغني عن الملامح الإنسانية، التي حورتها يد الفنان لتنسجم مع نوازع التحديث ومعالجة المادة بأسلوب يكشف عن طاقاته التعبيرية وخصائصها المتنوعة. المعاناة لديه عالية الحساسية لاسيما عندما تبدأ الفكرة

101

100

2024 فبراير 292 / العدد

النحات السوري سيدو رشو عندما يضيع صوت الإنسان لتراه ينطق في الحجر

Made with FlippingBook - Share PDF online