فنون
التعبيرية تغلي في كيانه لتجد الواقعية المغلفة بخيال انفعالي شديد القوة تجذب أعماله بحيث تأخذ هذه الفكرة تخطيطات ومدونات ومحاولة لتركيب تصميم مجسم يتفق وتفكيره، وعندما ينشئه ويبنيه من المحتمل تفكيكه مرة أخرى وإعادة بنائه إلى أن يقتنع بالتكوين الذي يرضي نظرته التي هي نظرة المشاهد الذي هو كان كفنان يضع نفسه مكانه ليحدد نقاط الالتقاء ما بين الفنان الذي قدم العمل والمتلقي في هذا العمل.. أفصح سيدوعن جملة من الأفكاروالهواجس التي كانت تسكنه منها: اعتقاده أن المتحف الحقيقي هو الشارع وليس ذاك الذي يضم الآثار الدارسة، ذلك لأن الشارع زاخر بالموضوعات والمحرضات الفنية والإنسانية، التي يمكن أن تشك ّّل مضامين ممتازة للعمل الفني. أما بالنسبة إلى تقانات وخامات ومواد فن النحت، فقد كان يتبنّّى وجهة نظر النحات الفرنسي (رودان) القائلة إن النحت يُُولد من الصلصال، ويموت في الجبس، وينبعث من جديد في البرونز، وهو شخصيا وجد نفسه في مادة البرونز أكثر من غيرها. أما شغفه بالنحت النافر، وغلبته على أعماله، فمرده زياراته المتكررة إلى محترفات زملائه في قسم التصوير بكلية الفنون، أثناء قيامهم بإنجاز مشاريع تخرجهم. لقد شده هذا الفن إليه، ودفعه لمحاولة ترجمته إلى عمل نحتي مسطح، وجد فيه محطات استراحة، كان يلجأ إليها، كلما أضناه العمل في المنحوتات الكاملة التجسيم، وأتعبته ولاداتها العسيرة، متلمسا خصوصيته في تطويع المادة الصلبة كالبرونز والنحاس رغم التطور في الأسلوب التعبيري
فإننا نتلمس خصوصيته حتى في بعض إيماءاته القريبة من السريالية.. وكأن الواقعية تطارده حتى في غربته كي يحيل ذاكرته إلى حضور ستاتيتي فني جميل لا بل منحته هذه الخصوصية تميي از لدى الأوساط الفنية الأوروبية. في تمثاله «العازف» يبدوسيدوفي موجة حنين عمياء للحظات طفولته البعيدة لقريته شران، لرفاق طفولته، وتلامذته الذين علّّمهم معنى الألوان، استعمل الكثير من المواد وكان يبدو ساخ ار من المشاريع الكبيرة، كان يختزن في داخله طاقة كبيرة لم تتفجر، لم يسمح لها أن تنفجر، يبدوتمثال العازف دون وجه، دون ملامح، كأنه عازف كل الأزمنة وليس زمنا محدداًً.
وفي تمثاله رجل يجر مربعاًً، تعبير حقيقي عن أزمة سيدو الوجودية التي لم ينتبه إليها أحد إلا بعد رحيله المبكروالسريع، فالفن بين يديه كائن حي ينبض بالحياة فإذا لم تطعمه وتسقيه بالفكر والعمل والممارسة المستمرة المصحوبة بالبحث عن المجهول والحقيقة التي لا تغيب عن الإنسان العادي إلا أنها لا تغيب عن الفنان الصادق المفكر. وفي رومانيا شارك في أكثرمن نشاط ونجح فيها جميعا ًً، واستطاع أن ي ُُسمع إيقاعاته الخاصة وأنغامه بتنويعاتها الغنائية الملحمية المرتكزة على ذاكرته الكردية إلى الآخر بهواجسه الحميمية ويلفت الأنظار والإعلام لتجربته المتميزة باندفاعاتها السكونية المذهلة،
وبانحيازها لتداعيات تأويلية تستغيث بتفاصيل شديدة الحضور، تلتف برؤيا تتناغم مع قدرتها الهائلة على الخلق. ومن رومانيا إلى النمسا وتحديدا إلى فيينا محطته الثانية في الاغتراب وفيها أشعل أشكاله وهي تجتاز فضاءات جديدة لتحتدم بملامح غائمة تماماًً، فثمة هدوء كان يحتضن حدود أعماله، وهنا لا بد من سيادة التجريب والبعد الثالث بإبهار شديد ضمن استخداماته لمشاهد تستقصي ذاته المبدعة. لمعالجة ا � تعبيري ا � ومن النمسا إلى بلجيكا خلق أسلوب الموضوعات المرتبطة بالقضايا الجوهرية التي لا تميل إلى الحيادية، حيث كان يدمج الواقعية النقدية بالتجريد والرمز وبأسلوب فردي تتفاعل فيه تأثيرات عدة في جغرافية الشرق وعلى غرار النحات السويسري "جياكوميتي" في التقنية والمعالجة، استخدم المواد المختلفة كالحديد والأسلاك والخشب والرخام والأصباغ في التعنيف. هذه بعض السمات الفنية في منحوتات سيدو وعمله الإبداعي وهي تثبت خسارة فنان مبدع، كان يعِِد بالكثير لولا قسوة في العاصمة البلجيكية بروكسل إثر 2005 الموت المبكر عام تعرضه لسكتة قلبية مفاجئة شاعروكاتب سوري المصادر والمراجع: • النحات سيدو رشو من التعبير إلى التجريد، إعداد وتقديم إبراهيم Ûrzelk Hus For Kultur Og Kunst -Eu AFRÎN- København-Paris-، إبراهيم .Bon-Maastricht، 2024
103
102
2024 فبراير 292 / العدد
النحات السوري سيدو رشو عندما يضيع صوت الإنسان لتراه ينطق في الحجر
Made with FlippingBook - Share PDF online