أدب ونقد
عبد العزيز المسل ّّم يحتفي بمدائن الريح وشوارعها في مدو ّّنته الرحلية
) 2 ( مدائن الريح استكشاف الذات والآخر
يقد ّّم المسل ّّم أنموذجا رح ْْليا آخرمهما في كتابه «مدائن الريح» ارتاد فيه الآفاق وجاب المجاهل حبا في الاطلاع ورغبة في الاستكشاف، متأثار في ذلك بمن خاضوا هذه التجارب قبله في الرحلة والكتابة من أمثال: ابن بطوطة، ونقولا زيادة، وسمير عطا الله، والليدي آن بلنت، وموثقا أولى رحلاته داخل الإمارات وخارجها، ومشاهداته في تلك المدائن التي شغف بها حباًً، فحدته إلى خوض غمار الترحال والتطواف في شوارعها وبين هضابها وتلالها، ساردا مغامراته وما تخلّّلها من تشويق مفعم بالذهول والاندهاش من المشاهدات والمواقف التي مر بها، وتدوين كل شاردة وواردة طوال الرحلة، ووصف الشوارع والطرق والأماكن والمدن والمعالم التاريخية والصروح التراثية والمراكزالثقافية بلغة جميلة وأسلوب رشيق، كاشفا ما تختزنه من عراقة وقدم. هذه المحاولة في استكشاف الذات من خلال استكشاف المكان والآخر، والتعبير عما يدور في خلجات الذات من آلام وآمال وطموح يمتزج بطابع من التشويق في العرض والتصوير، هي ما يضفي على رحلات الكاتب قيمة خاصة؛ فالمشاهد التي يصورها عن محطاته التي وقف بها، والصور التي يرسمها في مخيلة القارئ، والتي تحيله إلى الأماكن وطبيعة هذا المجتمع، واكتشاف المخبوء، والمجهول، والمنسي من العالم، تعتبر رصدا من الأهمية بمكان، بل هي بمنزلة دليل سياحي وتاريخي وتراثي وثقافي شامل.
منّّـي بو نعامة تعتبركتب أدب الرحلة العربية من أمتع المؤلفات وأكثرها رواجا على اختلاف ما تزخربه من قيمة أدبية وثقافية، وما تحتويه من موضوعات ومعلومات عن المكان والإنسان، وهي طريقة قديمة درج عليها العديد من الرحالة العرب الذين ارتادوا الآفاق، وخاضوا المجاهل، وجابوا العديد من الدول، جيئة وذهاباًً، وتعرفوا على ثقافتها ونحلة عيش أهلها. وتُُعد هذه الطريقة من أمتع الطرق وأجملها في استكشاف العالم والتعرّّف على مكنونه وخباياه، يدوّّن فيها الرحالة مشاهداتهم وانطباعاتهم عن المجتمعات التي زاروها وثقافتهم وتقاليدهم، ومن بين هؤلاء الرحالة السيرافي، والإدريسي، وابن جبير، وابن بطوطة، والحسن الوزان وغيرهم كثير. وفي الفترة الحديثة والمعاصرة ظهرت نماذج جديدة من أدب الرحلة العربية، ومؤلفات أثرت المكتبة العربية لـعدد من الرحالة منهم: أحمد فارس الشدياق، ومحمد عبد الله الصفار، ومحمد الحجوري، ومحمد الطنطاوي، ومحمد رشيد رضا، وطه حسين، ومحمود تيمور وغيرهم كثير، ثم خبت نار هذه الكتابات قليلاًً.
مدن الريح إذا كانت المدن - كما يقولون - كالنساء، ترحب بالقادمين، وتغازل الغرباء، وتعانق أحاسيسهم الضائعة، وتلملم شتات غربتهم، وتجمع انبهارهم، وتعرف كيف يغرق المتعبون بحنينهم في الشتات، فإن مدائن الكاتب تلقاه بالترحاب والجمال الساحر الآسر؛ بهية ووارفة الظلال، ومدعاة إلى الارتماء في أحضانها الدافئة في هدأة الليل أو في وضح النهار يستهّّل رحالتنا «مدائن الريح» بإهداء عميق الدلالة ينطوي على بوح شفيف بما يخالجه من أحاسيس ومشاعرتجاه مدنه الباسمة، فيسافر «إلى مدينة الحويلة في قطر، مدينة آل مسلّّم، ومدائن ذهبت مع الريح»، مستظه ار بما وعاه من أبرز مؤلفات الرحلة التي أثّّرت فيه وأثْْرت تجربته وأغنتها، ودفعه إلى الكتابة عن الرحلة والمدن الساحرة، حيث يقول: «كل هذه المصنّّفات وذكريات رحلاتي الأولى الداخلية والخارجية كانت نواة طيّّبة لبعث همة تمكنني من كتابة بعض الكلمات والجمل التي تمثّّل انطباعاتي ومشاهداتي التي كانت في أحيان كثيرة تقريرية وتسجيلية، فقد كنت أرى أن التحليل والنقد قد يكون . ) 2 ( شيئا من الخيانة لشيء أحببته» يحتوي الكتاب على يوميات ومشاهدات الكاتب التي تحتفي بالمدن ومعالمها، وبالظواهر والوقائع التي استأثرت باهتمام رحالة أتيح له عبورالمحيطات والتجوال في القارات والتطواف في المجاهل والمجابات ليعود من تجواله إلى مدينة القلب مكتشفا أن الحب الأول لا ينسى أبداًً، حيث نيطت عليه التمائم في أول أرض صافحها جسمه.
والاندهاش من المشاهدات والمواقف التي يمر بها الرحالة، وهذا ما يتجلى في كتابات البحاثة الدكتور عبد العزيز المسل ّّم وبخاصة في كتابيه: «مدوّّنة مسافر.. تدوينات ومشاهدات»، و«مدائن الريح». إن المحاولة في استكشاف الذات من خلال استكشاف المكان والآخر، والتعبير عما يدور في خلجات الذات من آلام وآمال وطموح يمتزج بطابع من التشويق في العرض والتصوير، يضفي على الرحلة قيمة خاصة؛ فالمشاهد التي يصورها الرحالة عن محطاته التي وقف بها، والصور التي يرسمها في مخيلة القارئ، والتي تحيله إلى الأماكن وطبيعة المجتمع الذي يزوره، واكتشاف المخبوء، والمجهول، والمنسي من العالم، تعتبر رصدا من الأهمية بمكان. يتألف الكتاب الأول من قسمين، الأول عن المدن، وهي «مدن تهدأ على أعتابها الروح»، لما تنطوي عليه بين أرجائها، وأعماقها، من عبق وجمال أخاذ يسحر البصر ويمتع النظر، بينما يتحدث القسم الثاني عن الشوارع، وما تختزنه من روائح الماضي الجميل، فهي محطات وعلامات لا يمكن إغفالها بالنسبة إلى الرحالة الذي يطوف العالم ليستكشف فيه ومن خلاله ذاته وشغفه، ويبوح بما يخامر نفسه من مشاعر . ) 1 ( وأحاسيس
) 1 ( مدوّّنة مسافر الوقوف على العلامات بدل الكلمات
في عصرنا الراهن استعرت نار الرحلة، وتوهج أدبها، وحمل الكثير من الكت ّّاب على عاتقهم اعتمال الرحلة، والتطواف في مدن العالم وعوالمها الأكثر شساعة واتساعاًً، والبحث عن الذات، وتدوين المغامرات والمفاجآت والمخاطر والمخاوف التي تنتاب الرحالة أثناء الرحلة بين دفتي كتاب ما يضفي على النص نكهة خاصة تكسيه طابعا من التشويق المفعم بالذهول
109
108
2024 فبراير 292 / العدد
عبد العزيز المسلّّم يحتفي بمدائن الريح وشوارعها في مدوّّنته الرحلية
Made with FlippingBook - Share PDF online