سرد الذاكرة
يا النميري أهلا بيك شعب العين بيحييك
شيخه محمد الجابري كنّّا صغاار حين لوّّحنا بالأعلام وغنّّينا بصوت واحد «يا النميري أهلا بيك شعب العين بيحييك»، كان صباحا محملا بالفرح والسعادة، طالبات صغيرات ما زلن بعد في الصفوف الابتدائية في مدرسة أسماء بنت أبي بكر، التي يقع مبناها خلف مبنى «أمرتل»، التي أصبحت فيما بعد شركة «اتصالات»، كما يجاورالمدرسة مبنى البريد المركزي الذي لا يزال قائما في مكانه بعد أن تم تجديده، وفي مقابله شارع دوار الساعة وذاك البرج الذي تملأ دقّّات ساعته أرجاء العين، وللأسف لم يعد موجودا اليوم، حيث صمتت الساعة منذ سنين خلت. لم نكن ونحن في ذاك العمرنعرف شيئا عن التضامن العربي، أو الرئيس النميري أو السودان كبلد شقيق، غير أنّّا كنّّا في حالة فرح لا نعرف أسبابها ربما لأن بابا زايد - طيّّـب الله ثراه - كان معه وبصحبته يستقلان سيارة مكشوفة، كان «بابا زايد» يلوّّح لنا بيديه الكريمتين «يعل ما تمسهْْن النار»، وكذلك كان الرئيس السوداني - رحمه الله - يفعل. الاستقبال للرئيس نميري والاحتفال به كان في منطقة زاخر في مدينة العين، لم تكن زاخر قد اكتملت بصورتها الحالية، حيث كانت الكثبان الرملية تحاصرها من كل جانب، وبدايات التعمير قد شقت الطرق وظهرت بعض المنازل الشعبية التي شيّّدتها الحكومة وصرفتها مجانا للمواطنين، كما أن هناك عيادة طبية ومدرسة وبعض المواقع الحكومية. كان الرئيس السوداني الراحل جعفر محمد نميري، أول رئيس دولة يزور الإمارات في الثالث والعشرين من إبريل من عام ، أي بعد شهرين من زيارة الشيخ زايد للسودان وقد 1972 رافقه وفد رسمي كبير من الوزراء والمسؤولين، وتعد جمهورية السودان، آنذاك، من أُُولى الدول التي أقامت معها دولة الإمارات العربية المتحدة علاقات دبلوماسية حيث يؤرخ لذلك
ّّـيب الله ، حين زارها الشيخ زايد - ط 1971 في ديسمبر عام أي بعد نحو 1972 ثراه - لأول مرة في العشرين من فبراير عام شهرين ونصف الشهرمن قيام الاتحاد، طاف خلال تلك الزيارة ولايات السودان كافة ونُُظمت له استقبالات رسمية وشعبية حاشدة. واحتفالا بمناسبة زيارة النميري للإمارات صدر عدد خاص من صحيفة «الاتحاد» حمل عنوانا أو كما نقول صحفيا «مانشيتا ًً» على صفحته الأولى بعبارة «أنظار الأمة العربية ترقب اليوم اللقاء التاريخي بين النيل والخليج»، وتوسط العنوان الفرعي عنوان رئيسي «أهلا .. نُُميري»، وفي اليوم الثاني للزيارة حملت الصفحة الأولى عناوين «استقبال رائع للنميري في العين»، وعناوين فرعية «الجماهير تزحف من ضواحي المدينة والمناطق المجاورة لتحية الرئيسين»، وعنوان فرعي ثالث «الرئيسان يحضران المهرجانات الشعبية الضخمة التي أقامها المواطنون ترحيبا بهما». كنت ضمن مجموعة فريق الموسيقى الذي كان عليه أن يقود المجموعات الكثيرة من الطالبات للنشيد والتلويح بالعلمين الإماراتي والسوداني، نعيمه أختي أم أحمد الذي أصبح طبيبا الآن، كانت ضمن فريق المرشدات الذي كان عليه تأدية التحية العسكرية الطفولية ومن ثم إطلاق الصيحات الإرشادية التي كُُتبت لنا جميعا بعناية تامة. أيام مدرسية حلوة عشنا تفاصيلها بحب وصدق حقيقي، لم نحمل في قلوبنا سوى الفرح، كن ّّا نطير سعادة عندما تأخذنا المدرسة لمثل ِهذه المحافل التي أذكرمنها كذلك مشاركتنا في
استقبال الشيخ زايد بن سلطان - طيّّـب الله ثراه - عند افتتاح المعرض الزراعي السنوي في العين الذي كان يُُقام في الساحة المفتوحة باتجاه مستشفى الجيمي والتي أصبحت منذ سنوات ضمن مبنى المديرية العامة لشرطة العين، وكذلك في مدرسة مالك بن أنس للبنين التي كانت ساحاتها تضج بالمشاركات الخضراء التي تشرح القلب كان ذلك في السبعينيات من القرن . 1977 الماضي، أعتقد أن معرض المدرسة كان عام في سبعينيات إلى تسعينيات القرن الماضي كانت المدارس جزءا لا يتجزأ من النشاط المجتمعي، حيث كان الطلاب من بنين وبنات حاضرين في المناسبات والاستقبالات الرسمية، وكذلك الاحتفالات المدرسية، كما كان المعلمون على درجة كبيرة من التفاني والإيمان بأهمية النشاط المدرسي إلى جانب المنهج الدراسي، كل ذلك كان يشك ّّل عوامل رئيسية في تكوين شخصيات الطلاب، وتوسيع مداركهم، وتنشيط عقولهم، لذا كنّّا حاضرين في النشاط العام بحب، وإدراك لأهمية ذلك، الأمر الذي ساعدنا بعد ذلك في تحقيق أمنياتنا وتطلعاتنا الطفولية التي أصبح بعضها واقعا ملموسا في حياة الكثيرين منّّا اليوم. كثيرة هي الذكريات التي تملأ القلب والروح، ويضج بها الوقت
جعفر النميري
والزمن، وتأخذنا معها نحو أيام حلوة عندما نستذكرها نستعيد الوجوه التي غابت، والأنظمة التي بادت، والفرحة التي سادت، كل ذلك كان كالأحلام، ماض وطوته الأيام، بقيت الصور النقيّّة تلك التي لم تُُحمّّض في استوديوهات اصطناعية، ولم تمسّّها أياد خفيّّة، بل كانت أجمل الأيام وأنقاها وأكثرها دفئا وأريحيّّة شاعرة وإعلامية إماراتية
121
120
2024 فبراير 292 / العدد
يا النميري أهلا بيك شعب العين بيحييك
Made with FlippingBook - Share PDF online