أدب ونقد
رمزيات الحكاية الشعبية في رواية «أم الدويس» للكاتب الإماراتي علي أبو الريش
وفي رواية (أم الدويس) التي تحمل عنوان الحكاية الشعبية الإماراتية نفسه يتناول الكاتب علي أبو الريش الحكاية الشعبية بدراسة الفكرة من الحكاية وتوظيفها كعقدة أساسية في روايته، ولا يمكن تصنيف الرواية على أنها رواية فعل، بل رواية فكرة وتحليل سيكولوجي، نجد فيها قدرات أسلوبية ولغوية خاصة بالمؤلف، وذلك من خلال الحوار الداخلي الذي يسود معظم الرواية للبطل «فيروز» الضليع بعلم النفس والتفكير تدور حوله كل الشخوص ا � الفلسفي، والذي يشكل محور والمواقف والأحداث، حيث يمسك بزمام السرد وفعل القص، ويهيمن على الرؤية الفكرية والنصية، فبطل الرواية (فيروز) يخرج من جزيرته وينشئ علاقات تستهدف البحث عن منشأ الخرافة أو الأسطورة (أم الدويس) ويتناول دراستها في الباطن السيكولوجي، وفي الواقع الموضوعي الاجتماعي وذلك من خلال توظيف حكاية أم الدويس الرائجة في الأدب الشعبي الإماراتي، وفي التراث السردي الإنساني كما جاء على لسان الشيخ ضاوي أحد شخصيات الرواية. وفي دراستنا لرمزيات الحكاية الشعبية في رواية «أم الدويس» لا بد من توضيح مفهوم الرمز الروائي الذي يساعد على الفهم والتفسيروالتأويل متعدد الأبعاد بحسب نوعية الرموزالمدروسة ومجال وجودها، والمفهوم النفسي للرمز يتمثل بنتاج الخيال اللاشعوري، وهو نتاج تأويلي يشبه صور التراث والأساطير، أي إنه متنفس تخييلي يشيرإلى رغبات أو صورمكبوتة في الذاكرة اللاشعورية يستحضرها الرامز، ومما لا شك فيه أن الروائي في طور تأليف روايته يكون قد وضع نصب عينيه مقاصد خاصة يريد تحقيقها وذلك من خلال أحداث الرواية، وشخصياتها، ومكانها، وبقية عناصرها. وقد يسعى سعيا حثيثا إلى جعلها
أحمد عبد القادر الرفاعي
ومعبار بشمولية عن آمال وآلام الجماعة وهويتها، والحكاية الشعبية هي حكاية من المخيال الشعبي المتداولة عبر الزمن والأجيال، وهي عملية خلق فني تتميز بقدرة على استيعاب المخيلات واحتضان أصول مختلفة للقصص، وقد سجلت الحكاية الشعبية حضوار ممي از في الأدب الإماراتي ابتداء من فن القصة القصيرة، ومن أمثلتها قصة (درب أم الدويس) لسارة النواف، وقصة (رأس ذي يزن) لسعاد العريمي، وقصة (خروفة) و(الطائر الغمري) لعبد الحميد أحمد، وقصة (مواء امرأة) لفاطمة الكعبي. ومن النصوص المسرحية التي ظفرت بالحكاية الشعبية خاصة حكايات الجان والخوارق والمسرحيات الاجتماعية نستطيع أن نرصد مسرحيات: (حبة رمل) و(خرزة الجن) لناجي الحاي، ومسرحية (ليلة زفاف) و(الياثوم) لسالم الحتاوي، ومسرحية (جميلة) لجمال مطر. ومن الروايات الإماراتية التي استلهمت الحكاية الشعبية رواية (بئر معطلة) لفاطمة الكعبي، ورواية (قوس الرمال) للكاتبة لولوة المنصوري، وكان للشاعر والروائي علي أبو الريش غير رواية وظّّف من خلالها الحكايات الشعبية ومنها: رواية (تل الصنم)، ورواية (سلايم)، ورواية (ثنائية مجبل بن شهوان). ومن أبرز هذه الروايات رواية (أم الدويس) محور دراستنا في هذا المقال. والكاتب علي أبو الريش روائي وشاعر وإعلامي إماراتي من رواياته: السيف والزهرة، رماد الدم، ثنائية مجبل بن شهوان: الحب والغضب، سلايم، زينة الملكة، فرّّت من قسورة، الغرفة ، ك - ص ثلاثية الحب والماء والتراب، وظبية الجواء، وأم 357 الدويس... وغيرها، وقد اختيرت روايته (الاعتراف) كواحدة من ضمن أفضل مئة رواية عربية في القرن العشرين، واستطاع أن يضع الرواية الإماراتية على خارطة السرد الإماراتي، وحصل على جائزة الإمارات التقديرية للعلوم والفنون والآداب عام ، وجائزة الأوائل في دولة الإمارات العربية المتحدة من 2008 . 2016 سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في عام القراءة
يمثل الموروث الشعبي مادة خصبة من خلال غناه بألوان وتباينات من التعابيروأشكالها الإيمائية التي تعب ّّرعن مراحل التاريخ البشري وقد اتسع المصطلح في الثقافة الإنسانية ليشمل التراث الشعبي الحي والإبداع بأنواعه وأشكاله المتمثلة في السرد والحكايات والأمثال والسير الشعبية والملاحم وإلى آخر الفنون التشكيلية والتعبيرية والأدبية، وتضم المأثورات الشعبية الإماراتية فروعا متعددة ومختلفة ومتباينة وثرّّة وذات رؤى جماعية تنم عن قيم المجتمع وسلوكه وأفكاره، ومنها المأثورات الشعبية والشفاهية والسير والحكايات والأمثال والأهازيج والأغاني، ويطلق بعضهم عليها الأدب الشعبي الذي يعرف بأنه «أدب الشرائح الشعبية التي تسهم في إنتاجه وتشكيله وحفظه الذاكرة الجمعية والوجدان الجماعي العام وهو بذلك يمثل خلاصة للتجارب الجمعية عبرالتاريخ ومن خلال تعاقب الأجيال التي تتناوله في المناسبات الاجتماعية، وفي الأفراح والأحزان.. ٍ.. لذلك �ٍّ وبالتالي فإنه فن شفاهي قولي من مُُرْْس ِِل إلى متلق كانت الذاكرة هي الحافظة وهي الوعاء المجدد للسمات الشفاهية على السير والحكايات الخرافية والأسطورية». ومن هذا نرى أن الأدب الشعبي يتضمن عناصر وأنواعا كثيرة تختلف في بنائها الفني والأسلوبي ويعدد بعضهم هذه العناصر بـ: (الأسطورة، الحكايات الخرافية، الحكايات الشعبية، اللغز، المثل الشعبي، الأهازيج والأغاني الشعبية). وفي الرواية العربية عموما والإماراتية خصوصا هناك الكثير من الروائيين الذين وظ ّّفوا الحكاية الشعبية واستلهموا منها في محاولة لترتيب أوليات المجتمع النفسية والفكرية والوجدانية، فالحكاية الشعبية هي قصة مكتنزة بوقائع وحوادث عجيبة وغرائبية وتعتبر نوعا من أشكال التعبير الشعبية التي تنتمي للتقاليد والقيم ا � إلى الأدب الشعبي الذي يشكل منصهر
رمواز خاصة ليخلق علاقة وثيقة بينها وبين بناء النص، ولفظ (أم الدويس) كما جاء في معجم ألفاظ لهجة الإمارات وتأصيلها يطلق على شخصية خرافية من الجن تظهر ليلا متزينة بأجمل زينة ومعطاار لتجذب الرجال إليها، لتصرعهم بالمنجل، وهو الداس وتصغيره دويس، على أن أم الدويس تصغيرداس. وقد ذكر (فيروز) بطل الرواية لفظ رمز غير مرة في حديثه عن أم الدويس ومن ذلك (إذا أتكون هذه هي «أم داس» التي أبحث عن تاريخها، ول ِِم لا؟! قد تكون، تتراءى لي مجرد رموز مبهمة)، وهكذا نجد أن أم الدويس الحكاية شكّّلت رم از دالا بذاته في (أم الدويس) الرواية لتنفتح لنا هذه الرواية على مجموعة من الرموز المتعددة واللامنتهية في نفس الرامز والمتلقي على ٍ سواء، لتشكل لنا الرواية سردا بحثيا فيه من قواعد �ٍّ حد البحث وأدواته الفلسفية والنفسية الكم الكبير ولكن بسردية
127
126
2024 فبراير 292 / العدد
رمزيات الحكاية الشعبية في رواية «أم الدويس» للكاتب الإماراتي علي أبو الريش
Made with FlippingBook - Share PDF online