أدب ونقد
فاتنة حيث تصبح الرواية جبلة من الحكاية والسرد والبحث والتساؤلات والفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والبحث في كنه الذات، وخليطا إبداعيا من نقائض الغموض والغرائبي ٍ بديع يستحق الدراسة، ولننطلق من �ٍّ ٍ جمالي �ٍّ والواقعي في كل رمزية العنوان (أم الدويس) الذي يطل علينا في بداية رحلتنا مع الرواية وكونه يحمل عنوان الحكاية ذاته فهو يحمل العديد من الوظائف والدلالات والرموزويمثل مدخلا ذهبيا لسبرأغوار النص وقد كان أداة فاعلة في ارتباط الرواية كنص أدبي بالحكاية الشعبية، وبالنسبة إلى رمزية المكان في رواية (أم الدويس) فقد مثلت القرية التي كان يسكنها فيروز المكان الذي ضاقت عنه الفكرة لينطلق في تجربة إنسانية رحلية جعلت من الأثر الكتابي والأثر النصي يقدم لنا رحلة فكرية امتزجت فيها الحكاية بكل أمكنتها، حيث تظهر أم الدويس في الرواية على شكل كائن خارق قادر على الديمومة والاستمرارية والتواجد في كل مكان لتظهرقدرة الحكاية على التأثيرالنفسي والسيكولوجي: (تقول صارالخوف كائنا حيا له أنياب ومخالب، وعينان حمراوان، ووجه محتقن بالعدوانية، أصبحت على يقين من أنه يستطيع أن يستولي على أي إنسان يريده، كما تفعل أم الدويس، تردد أم الدويس أم الدويس هي الخوف بذاته بشحمه ودمه ولحمه، أم الدويس التي أبحث عنها في كل مكان، تسكن في كل مكان). ومن الرمزيات في الرواية أيضا الحلم الذي يظهركأداة سردية جاءت في بعض أجزاء الرواية في المونولوج الذاتي لفيروز إذ يقول لنفسه: (تقول: ليس في ما يخيف، وما هو إلا مجرد حلم، ثم تستعيد ذاكرة مجونك، ولكن الحلم لا يأتي من فراغ، الحلم وسيلة للتعبير عما يقطن في اللاشعور... أي حلم مرعب يمكن أن يجلب صوار بهذه الهيئة، ثم تضيف، لا ضرر علي أن أمتلك ناصية الشجاعة، وأمضي قُُد ُُما لعلي أكتشف أشياء لم تكن في خلد الآخرين)، وكذلك ظهر البحث عن أم دويس رم از للبحث عن الذات وكأنه مجهر يجعلنا نسبر أكوان الذات وأسرارها: (قلت يائساًً: سأبحث عن ماذا الآن؟ عن زُُحل، عن أم دويس، عن المرأة، أم عني أنا؟. أنا لا شيء في حضور امرأة تحتفظ بمنجل ورغبة جامحة في القتل). ومن الرمزيات التي حفلت بها الرواية أيضا يمكن الحديث عن الوعي والوجدان والتاريخ: (قلت له: يشغلني كثيار في هذه الأيام موضوع الساحرة أم الدويس، فهي المخلوق الذي أسس مساحة واسعة من وعي الناس، واحتل جبلا من وجدانهم... تقول: ولِِم لا؟ أليست هذه الخرافة جزءا من تاريخ مجتمع
بأسره)، وننتقل إلى رمزية الهاجس الدائم التي لازمت البطل فيروز في معظم أجزاء الرواية: (يقول، وهو يلتقط ألبومه الذي تركه مطويا عند المسند المجاور لمسندك: ألم تعجبك أي منها؟ تقول ساخطاًً: لا.. لا تعجبني هذه الأنماط. يضحك مزمج ارًً: أنت لا يعجبك شيء غير أم الدويس). لتتشكل بها رمزية الهوية البحثية التفسيرية ذات الذريعة السردية الخاصة بالحكاية وإعمال الفكر فيها: (قلت: ليست المسألة أن أصدق أولا أصدق، بل يجب البحث عن الحقيقة، فالقضية الأساسية لا تتعلق بأم الدويس ككائن قد يكون مخترعاًً، بل إن الجوهر في الموضوع هو الأبعاد الاجتماعية واللاشعور الجمعي الذي يصنع مثل هذه القصص، وتستطرد: يجب أن نسأل أنفسنا كيف جاءت قصة أم الدويس؟، وكيف تجسدت ككائن طبيعي يعيشه الناس، ويصيغون حوله الحكايات والروايات؟). وترمز الحكاية في رواية أم الدويس إلى مواجهة بين الفعل والتبرير والإصرارعلى البحث، على الرغم من التعب والمغامرة والخوف والخطر: (يقول: وماذا تفعل هنا في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟ تقول: جئت أسأل أهل الجبل عن أم الدويس. يرد بلهجة جادة: أم الدويس؟ تقول: أجل. يقول: وما شأنك بها؟ تقول: لمجرد المعرفة. يرفع حاجبيه، يشيعك بنظرة جازمة: لمجرد ًًا المعرفة!، وتجازف بوقتك وجهدك؟! تقول: لقد شغلتني كثير وأردت أن أعرف سر هذه المرأة). ويظهر في الرواية تجريد أم الدويس بالفكر وتجسيدها في الروح والوجدان بعد أن تسيطر الحكاية عليهما: (تقول وأنت تستدعي قدراتك كلها، وطاقاتك في علم النفس، لكنك لا تجد العلة التي تجلي لك الحقيقة،
الحقيقة التي تبحث عنها هي خوف الناس من أم الدويس. ما هذا الخوف الذي يبدو طلسماًً؟... تقول: الأشياء المجردة لا تتجسد لمجرد أن نصنع لها تمثالا من طين، أم الدويس شيء مجرد، الآخرون يجسدونه في هياكل شبه مستحيلة). وقد مثّّل استلهام الحكاية في رواية أم دويس عاملا من عوامل الإثارة والتشويق وتصاعد الحوار وخاصة الذاتي منه: (تفكر، هم يقولون إنهم يخافون منها، على الرغم من أنهم لم يروها قط. مهزلة أن يخاف الإنسان من شيء لم يره أبدا لمجرد أنه سمع عنه... تتذكر، كنت في ليلة من الليالي تسير بجانب «سدرة قرواش»، السدرة المشهورة بموطن الجن، ومستقر أم الدويس، تعثرت بحجر، فقفزت زائغا مرتعباًً، صرخت، طلبت النجدة من الفراغ الحالك). وننتقل إلى الرؤية العالمية للحكاية التي مثلت رؤية سالم «مايكل» الرجل الإنجليزي وهو يفسر شخصية أم دويس: (ويقال إنه فس ّّر قصة أم الدويس على أنها حكاية عالمية، وأنها موجودة في تراث شعوب كثيرة، وبأسماء مختلفة). وقد مثلت رحلة البحث عن سر أم دويس رمزية دائرية كالسير في دائرة مغلقة لا نهاية لها بل هي امتداد طويل من التساؤلات والاستفسارات: (لكنك عندما تقف عند المنعطف الأخير عند الصورة المثلى، تجمد، وتبهت، وتبدو أسئلتك المبهمة أشبه بالقضبان الحقيقية التي تطوق عنقك، تشعر بالاختناق، تحاول أن تفك الرموز المتشابكة). ومن الاستمرارية والعالمية ننتقل إلى النشأة القديمة للحكاية: (أم الدويس ليست صناعة حديثة العهد، بل هي منتج قديم قدم الدهر، في تلك الأمكنة أيضا كانت خيام منصوبة على أعمدة من جذوع النخيل... نشأت أم الدويس على أثر السواد). وفي رمزية أم دويس الأنثى وصراعاتها المتكررة مع الرجل وهو محور السرد في الرواية نجد حوا ار مونولوجيا يفسر الكثير من هذه
المظاهر، ومنها: الصراع القائم بين العلم والخرافة، وبين اليقين والشك، نجد ذلك في النص على لسان فيروز: (ثم تضيف: ما يذهلني من هذا الترادف في الأقوال، من أن أم دويس امرأة وليست رجلاًً، فكل الجمائل والوسائل الباهرة من صنع الرجل، وما عدا ذلك من أشياء تهديدية في الكون من صنع المرأة، كيف؟!... إذا يا ترى من صنع الحكاية؟ أرجل ناقم، أم امرأة مازوخية كارهة لذاتها؟ أم إن كل ما يدور هو حقيقة لا بد من إثباتها بعقل محايد؟). وهكذا نجد أن توظيف الحكاية الشعبية في رواية (أم الدويس) للكاتب الإماراتي علي أبو الريش شكلت بُُعدا بلاغيا وسرديا وصراعا فنيا فلسفيا منطلقا من أسئلة الروح والجسد والفناء والخلود والإرادة والخوف والطبيعة، جعلت من الحكاية الشعبية نسغا جديدا يسري في جماليات السرد الروائي ليشكل أبعاد المساحة الفكرية بين الحكاية والرواية ولتعلن نفسها جزءا من ذاكرة الزمن قديمة بقدمه موجودة بوجوده ومستمرة باستمراره وتطلق رحلة فكرية طويلة في فلسفة العقل والروح والجسد والوجود كاتب من سوريا المصادر والمراجع: - رواية أم الدويس، علي أبو الريش، أبوظبي: دائرة الثقافة والسياحة، دار 1 . 2020 الكتب، - توظيف الموروث في الأدب الإماراتي النص المسرحي نموذجاًً، عبد الفتاح 2 . 2013 ، 1 صبري، نادي تراث الإمارات، ط - معجم ألفاظ لهجة الإمارات وتأصيلها، الأستاذ الدكتور عبد الفتاح الحموز، 3 . 2008 ، 1 مركز زايد للتراث والتاريخ، ط . 2013 ، 1 - قراءة نقدية في نصوص إماراتية، عائشة سعيد الزعابي، الظبي للنشر، ط 4 - مقالات متفرقة نشرت في صحف: (الاتحاد - البيان - الخليج) عن التراث في 5 الرواية الإماراتية.
129
128
2024 فبراير 292 / العدد
رمزيات الحكاية الشعبية في رواية «أم الدويس» للكاتب الإماراتي علي أبو الريش
Made with FlippingBook - Share PDF online