التراث الثقافي على أجنحة أكاديميات متخصصة
وأطلقت الأمم المتحدة «اليونسكو» في السبعينيات من القرن الماضي دعوات مبكرة لدمج التراث بالتعليم، باعتبار التعليم أداة لصون التراث الثقافي، وعملت على تعزيز تعليم التراث العالمي، وتضمينه في المناهج التربوية في دول الأعضاء من تعمل هيئة التراث 2017 خلال لجان محلية وطنية. ومنذ عام الحي في اليونسكو مع قطاع التعليم في المنظمة والمكاتب الميدانية ومعاهد التعليم على تنفيذ مشاريع وأنشطة ومبادرات تتعلق بصون التراث غيرالمادي في التعليم النظامي . وقام مركز اليونسكو للتراث العالمي في عام ) 1 ( وغير النظامي م، وبالتعاون مع شبكة المدارس المنتسبة إليه بإطلاق 1994 مشروع لتشجيع الشباب على الحفاظ على تراثهم الثقافي، معلماًً 125 لغة، واستفاد منه 39 من خلال برنامج تعليمي بـ حلقة دراسية ََ، وعدد من ورش عمل 40 ومربيا تدربوا خلال نحو . وأعطى الاهتمام الدولي ) 2 ( على المستويين الوطني والدولي للفكرة زخما قويا في العالم، وظهرت على الطريق العديد من المبادرات لإدخال التراث في الكتاب المدرسي والأنشطة الصفية واللاصفية، وبرزت أفكار تربوية في هذا المجال مثل التدريس بالتراث. واليوم وبعد مرور أكثر من نصف قرن على دعوة «اليونسكو»، أثمرت الفكرة، وتأسست بعض المؤسسات العلمية التي تقدم دورات دبلومية مهنية تغطي مجموعة واسعة من التخصصات ضمن ميدان التراث الثقافي. ورغم النجاح الذي تحقق في سبيل إدخاله قاعات الدرس والتحصيل الأكاديمي، كانت عملية تدريس التراث في العالم العربي، تواجه تحديات مختلفة. تحديات إدخال التراث في التعليم رغم الخطوات التي تحققت في منهجة التراث ودراساته، حتى الآن، يواجه إدخال التراث في التعليم مجموعة من الإشكاليات المختلفة، تتباين وتختلف من مجتمع إلى آخر، وهي: - تقديس التراث 1 في بعض المجتمعات يتم الاهتمام بالتراث، والاحتفاء به لدرجة تقديسه، ما يجعله مادة غير قابلة للنقد والمناقشة، وهو ما يرفع العادة الموضوعة إلى مرتبة الدين، ومن أمثلة ذلك عادات، مثل: الثأر، وتزويج البنت الكبرى قبل الصغرى، وعدم توريث البنات، ورفض الزواج من غير القبيلة. وهنا مكمن الخطورة، ففضلا عن السطوة التي يمثلها هذا التراث الذي قد يتضمن معتقدات سلبية، فإن التراث في هذه الحالة
يصبح دافعا للماضي، بدلا من أن يكون دافعا للمستقبل. - التنوع الثقافي 2 معظم الدول تتضمن عرقيات مختلفة، وفي الوقت الذي يعتبر التنوع الثقافي ميزة في الدول المتقدمة، ينظر إليه في بعض الدول كعبء وعامل مساعد للصراع والتفتت. والناظر إلى الواقع العربي، سيكتشف أن «كثي ار من البلدان العربية تعاني من تحديات - بصورة أو بأخرى - نابعة من انقسامات عرقية ودينية ومذهبية وطائفية، ومع ذلك فإن السياسات الثقافية والتعليمية الرسمية العربية تنكر هذا التنوع الثقافي رغم حدّّة الصراعات الناشئة عنه، والتي يتم ، وينطبق ذلك على ) 3 ( قمعها والتعتيم عليها بصورة مستمرة» التراثين المادي وغير المادي. - التراث الديني 3 التراث الديني باب مهم، وفي القلب منه القرآن الكريم والسنّّة النبوية الصحيحة، ويندرج تحت هذا التراث مصادركثيرة مثل الكتب والمراجع، وبعض هذه الكتب تتضمن أحكاما قد تكون مرتبطة بزمن أو واقعة محددة، وقد لا تكون صحيحة، أو تكون محرفة من الأساس. وربما يستند بعضهم إلى جوانب غير صحيحة من التراث
من التطو ّّع إلى الأكاديميات.. رحلة عمرها نصف قرن تحديات تدريس التراث
الأمير كمال فرج
للتراث أهمية كبرى في حياة الشعوب، فهو يمثل الهوية التي تكو ّّن شخصية الفرد، وتشك ّّل مستقبله، لذلك برز مصطلح «الهوية التراثية»، وقد شهدت العقود الأخيرة العديد من المبادرات العالمية لتوثيق التراث وحفظه وتعزيزه. وإدراكا بأهمية التعليم في الحفاظ على التراث، ونقله من جيل إلى آخر، ظهرت الدعوات لدمجه في المناهج الدراسية، ورغم أن فكرة تدريس التراث موجودة بشكل واسع في الدول الغربية، حيث توجد مدارس ثانوية للتراث في أوروبا وأمريكا والهند، فإنها تأخرت في العالم العربي. والتراث بشكل عام موجود في المناهج التعليمية العربية، بل إنه جوهر التعليم، فتجده في التاريخ والجغرافيا والعادات والتقاليد، كما تجده في الشعر والسرد وغيرها من فنون التراث الأدبية والفنية، ولكن كانت الدعوة دائما تتركز في منهجة التراث بمعنى تقديمه في شكل تخصصات ومناهج تعليمية.
23
22
2024 فبراير 292 / العدد
من التطو ّّع إلى الأكاديميات.. رحلة عمرها نصف قرن... تحديات تدريس التراث
Made with FlippingBook - Share PDF online