torath 292 - Feb -2024

التراث الثقافي على أجنحة أكاديميات متخصصة

النقد إلى مفاتيح أكاديمية ومستندات وشيء من سعة علم في أصول الإبداع السردي وتفرعاته. قالت نفسي: وهل تقصد أن الباحث يجب أن يكون مبدعاًً؟ قلت: الإبداع في التوثيق لا يعني النقل ولا يعني الافتراض بالنفي أو الإثبات، فالإبداع يقتضي التزام الحياد المنطقي إذ لا يعقل أن يتغافل عن واقع الحال، قالت لي دهشة الفكرة: كأنك لا تقبل بالجواب النهائي! قلت: أنا لا أجري مفاضلة أو موازنة أو مساجلة.. أنا كنت هذا الذي يهمه التحقيق فيما يقال، أنا لست قاضيا أو فقيهاًً.. المحقق يرفع الوقائع والبصمات لمن سيحكم بناء على معطيات ودلالات، وإليك يا نفسي بعض هذه التحقيقات التي علمني سلوكها الباحث التراثي، خير الدين الأسدي - رحمه الله - وهو يقول لي: التحقيق يعني إحقاق الحق ولا تخشى لومة لائم، أما أنا فقد أبديت نتائج تحقيقي في بعض القضايا الأدبية والتاريخية لست أدّّعي أنني وحدي العارف بها ومنها: أولاًً: ادّّعاء مفسري اللغات بأن القهوة هي الخمرة، فقلت: القهوة من الإقهاء والتنشيط للذاكرة، أما الخمرة فتذهب العقل وتشل الإرادة.. صحيح أن في الاثنين لذّّة لما يستحب مزاجا أو تشبيهاًً، لكن أجدادنا العرب شبهوا لذة الخمرة بلذة القهوة أو لونها حيث لذة القهوة مظهر سيادي بدوي، بينما لذة الخمرة مظهر سيادي حضري. أعيد وأكرر: إن الخمرة مشبه والقهوة مشبه به، وعادة في البلاغة المشبه به أقوى من المشبه، ولن يفيدنا هنا التشبيه المقلوب، لأننا أمام تشبيه بليغ، من هنا قلت لعلماء اللغة من الفراهيدي إلى ابن منظور يا سادتي حبوب البن ليست حبوب العنب، ثم هب المؤرخون لتاريخ القهوة في وجهي قائلين: لقد اكتشفت القهوة من ق ِِبل راع اسمه (كالدي) عندما رأى أن الماعز تنشط من م ثم استحسنها أئمة 1472 أكل محتويات شجرة البن عام المتصوفين لأنها تساعدهم على سهرالعبادة، فقلت لهم: لماذا تجاهلتم الآن قول الشعراء إن الخمرة هي القهوة أو القهوة هي الخمرة؟ يا قوم: لنرجع إلى ما قبل تاريخكم هذا بضع مئات

التنمية الثقافية وضرورة الترجيح الأكاديمي

هـ) 606-544 من السنين لنرى عالمنا أبا بكر الرازي في تاريخ ( م) فالرازي هو المتحدث عن حبوب البن في 1210-1150 أي ( كتابه (الحاوي)، فبعد أن ذكر الخمرة القابضة قال: (القهوة نوع من الشراب أوفق للمحرورين غير أنه يسقط الشهوة) دون تحديد مجال الشهوة، وهذا ما أكد عليه داوود بن عمر الأنطاكي في القرن السادس عشر للميلاد واصفا البن بأنه ثمر من اليمن... حبه كالبندق وقد شاع اسمه بالقهوة إذا ح ُُمص وطُُبخ... ومن أجل القهوة المثيرة للجدل كان كتاب (الصفوة في حل القهوة) للشيخ محمد بن عبد القادر الجزيري الذي هـ) على الرغم من أن أول من ذكر 977 - 911 عاش بين عامي ( البن كان الرازي في مسرده بكتاب (الحاوي) ولكنه أورد ذكره كعلاج، وكذلك فعل ابن سينا في (قانونه) وكذلك قبل أن يقال إن العالم الذبحاني سرد حكاية القهوة وخاصيتها كمنشط للبدن ومورث للعزم على السهر. ثانياًً: قالت نفسي: هذه سرديتك القهوية الناقدة فأين سواها؟ قلت: خذي مثلا تفسير (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت) جئنا إلى المعاجم فوجدنا أن الوأد عندهم وأد البنات ويضيفون في تفسير معنى الموءودة في القرآن الكريم معتمدين على تفسيرالموءودة بالجارية تدفن حية خوف العار ) 8 والحاجة، وأن الآية جاءت تبكيتا لقائلها، رجعت إلى (الآية

كنت أصاب بدهشة الصرخة وهي تلوح بقرع طبل حربي على مسامعي: من أنت حتى تناقش؟ فأجيب: النقد علم أكاديمي لا يقوم به حص ار ذوو الاختصاص، كان هذا يثيرني فلا أرفع قبعة ولا أحني ظه ارًً، ذلك أن أي رأي ليس علم يقين إلى أن يتحول من الجمع إلى التوثيق إلى حق اليقين، وبالطبع يا عصفورة فكرتي لن أستعلي على أحد أو أتنمر على مبدع أو ناقد، فالرائد لا يكذب أهله، خاصة في التنمية الثقافية في ركيزة بناء الإنسان. أذكرأن الدكتورغانم السامرائي، وهو يتحدث عن قلق الكاتب من النقد أشار إلى أن كثي ار من الأحكام النقدية تكون إما مستفزة، وإما مجاملة، وقد تحاورنا في هذا الباب بعد طرقه، حيث اتفقنا على أن النص بعدما يخرج من قلم المؤلف أو فم الراوي فقد تحول إلى مرمى لهدّّافين، ونحن لسنا هنا في معرض قلق الكاتب أو الراوي أيضا ًً.. نحن في حيز النقد التالي لعملية الجمع والتوثيق وكونها تسهم في الإبداع كما نحن في منصة الرأي والرأي الآخر.. أجل لا نريد تمجيدا ولا هجوما شرسا ولا نقد نميمة..

محمد نجيب قدورة

كان أستاذنا الراحل (الدكتور إحسان عباس) يحدثني عن النقد في كتابه نقد الشعر، عندما التقينا في حلب عام م فزادني من الكلام: هذه أسس النقد لمن يمتلك قدرة 1975 نقدية، أم ّّا ما يمكن أن نسميه عال ِِم النقد فهو أسمى وأرقى. فالناقد ليس بمنجاة من أن ي ُُنقد إذ ليس هو صاحب الكلمة الأخيرة أو القول الفصل لأن ما يخفى يكون أعظم. قالت نفسي: أذكر ذاك اللقاء الذي مر عليه خمسون عاما مع شيخ المحققين والنقاد العرب، فلعلك تشير إلي من أطراف الحديث أنك مهتم بجمع التراث وتحقيقه. قلت: كثي ار ما أرى وأسمع وأقرأ قراءات لشخوص أو نصوص أو ظواهر. تعرفين أني لا أقف مكتوف اليدين أو مخد ّّر اللسان، فلكل خبز خبازه الذي يفهم سر الترجيح في الجودة. قالت لي عصفورة الفكرة: ماذا وراءك يا رجل؟ قلت: أمّّا بعد، فلقد انبرى لساننا وجف

مدادنا ونحن جاهدون في محاولة استيعاب ما يقال، نتأمل، نتعمق، فنرى عجبا عجاباًً، كأن البحث في التراث تحول من الدرس والتمحيص إلى مجرد تكرار ما قال المؤلف جماعا دون دراية بالثناء أو الرأي، أأجاد المنقول عنه أم تعثر، ثم نكون شهود عيان زور على نفخ وسقوط في فخ، والأنكى من هذا هو سماعنا أن فلانا فوق النقد، فأينا المهذب؟

قالت عصفورة الفكرة: أعرف أن نقد أي عرض تراثي لا يزال قيد مهمة التحقيق ولو بعد قرون، فنتساءل: أتراه يوافق مقتضى الحال؟ قلت: أنا لا أنكرضرورة التذوق الأدبي والوعي المعرفي قبل أن تصل اللعبة الذكية إلى قول: كش ملك، أو إنه حق اليقين عند توثيق التراث المسطور والجمع المنظور. أجل في مربعات النص بأنواعه نحتاج في

إحسان عباس

31

30

2024 فبراير 292 / العدد

التنمية الثقافية وضرورة الترجيح الأكاديمي

Made with FlippingBook - Share PDF online