torath 292 - Feb -2024

إضاءة

الباب وأصحاب الحاجات

ستر وغطاء.. في حركة النهار الدؤوبة تجري الأرجل الليل والأجساد تبحث عن مقاصدها وعن مبتغى الحياة والبحث عن الرزق والعمل والسعي في المناكب والأعماروالتواصل الإنساني والتعاضد من أجل تحقيق غايات الحياة الأبدية. وإذا ما جن الليل وغابت الحركة الصاخبة اتجه الجميع إلى السكن والراحة والاختلاء والتجمع الإنساني الضيّّق في الأسرة النواة، ليكتمل عقد دوران الحياة ولم شمل الأسرة في بوتقة المكان الجامع الساتر الخاضع لباب مقفل من أجل استكمال حالة الراحة والخلود المؤقت والدعة في دفء الأسرة بعد عناء اللهاث النهاري. في المنازل والدوروالبيوت والشقق يتم إسدال مزاليج الأبواب لإحكام آليات الراحة والطمأنينة والسكينة وبعد ساعات قليلة من بداية الليل يتم إغلاق الأبواب والأنوار والبدء بالتدثر بلباس الليل والاسترخاء الإنساني استعدادا أبديا لدورة الحياة والسعي فيها. ولكن في عمق الليل سنجد فئات من الناس لا تتمكن من الاستمتاع بلباس الليل وفي جنح الليل ستلمح أصحاب الحاجات الماسة والدائمة والملحة لا يغمض لهم جفن. ويشكّّل الباب لهم مع ظلام الليل ست ار للاختباء عن أعين الناس التي ابتعدت بحكمة الليل وسكونه السادرعلى الحركة العامة - ويعلو خلف الأبواب أنين المريض الذي يرجو البرء ويأمل الشفاء، حيث في الليل يزداد الألم ويعلو صراخ الأعضاء المعطوبة وترتفع الشكوى إلى الخالق بارئ البشر وترتفع أكف الضراعة مبتهلة إلى الله بالشفاء والبرء، وأن تطبيب الجراح خلف الأبواب تعلو همهمات المرضى وأنينهم المرتفع إلى السماء راجية التعجيل بالشفاء.. خلف الأبواب وفي ظلام الليل تتشكل حالة من السلام النفسي ويهيئ الباب الموصد دفء الوحدة مع النفس ومع الذات ويستشعر الإنسان كوامن قوته حتى في حالة الضعف والمرض فيلجأ في حالة السلام والاسترخاء واستسلام ووهن القوة إلى الله، وتتمدد من خلال هذا السلام النفسي أشرعة الرجاء وحبال الوصال مع الذات ويبحث الإنسان عن علاقته بالله فيلجأ إليه وإلى قوته مستضعفا حيلة نفسه وقوة بدنه، هذه الطمأنينة والسكينة التي يوفرها باب موصد في دروب الليل لمريض فتتفتح له سكينة النفس ورجاء الأمل وتنهمر

يتواصلوا عبر سكب وجدانهم وتباريح حاجتهم وآلام الشوق والوصال والوداد لحبيب غائب أو بعيد فيعيشون في ضجر الوجد المشتاق ولهفة الاحتياج للحبيب. الأجواء المسدلة خلف باب موصد بإتقان وظلام دامس ولكنه حنون لهذه الفئة من الناس التي تجد أن الليل الساجي فاتح لأبواب الوجد واللهفة وسريان أدمع الاشتياق وفتح أكف الضراعة بحثا عن الحبيب البعيد أو الارتماء في دفء الحبيب القريب. أصحاب الحاجات والذين يبحثون عن غاياتهم ومطالبهم خلف أبواب الليل الموصدة كثر، ومطالبهم مختلفة ومتنوعة ولكن المشترك هو باب.. وليل.. الباب يوفر الأمان والوحدة والانعزال والتوحد مع الذات، والليل يوفر مع الباب دفقا من المشاعر والآلام والأحاسيس لهؤلاء.. عجيب أمر الباب إنه صاحب حيوات وبركات ومشاعر يشارك الآخرين وأصحاب المكان مشاعرهم. ويسهم على حسب دوران الأرض وبروز النهار أو الليل في وظائف تناسب حالة الليل والنهار ووجود النور أو الظلام.. في النهار نسعى ونخرج إلى مناكب الأرض فيقوم هو بالحراسة المشددة والأمنية على الدار والمتاع والثروة، وفي حالة عودتنا يسترنا عن الخارج، وفي الليل يسهم إضافة إلى الحراسة وتأمين الدار والديار بأن يهيئ أجواء من سكون حنون يسهم مع ظلمة الليل في زيادة الخشوع والانصياع لدورة الحياة، ويرفدنا في أن نتذكر حين نخلو مع أنفسنا فضل الله ونعمه الكثيرة في هذه المساحة الزمنية الليلية البارئ صاحب النعم فنلجأ إليه بالصلوات والدعوات، وكل حسب طلبه فمن يشعر بحاجته إلى الصحة والعافية يشكو جرحه وآلامه إلى الله ويدعوه أن يخفف عنه، والفقير يلوذ به في أن يرزقه ويمن عليه بعيش كريم ويفتح له الأبواب الموصدة. ويزيد الدعاء صاحب الحاجة في الليل علها تكون ساعة استجابة فتضيء دروب الأمل ومسارات النور نحو الانفراج والبهجة المشتهاة، ويجد العاشق مساحته لتذكر الحبيب الغائب أو الذي عز قربه... الباب الموصد خلف الليل أمل ونور لأصحاب الحاجات المتنوعة

والاطلاع على خباياه وأسراره وخاصياته ومدى التياعه من جراء حالة الفقرالتي هيمنت على حياته.. الباب في الليل يوفرفرصة الاحتماء والاختباء وعدم فضح أسرار الناس المحتاجة، الفقير الذي يلجأ إلى الله خلف الباب يجد في الباب احتواء لحالته فيهديه اللجوء إلى الله العلي واهب الأرزاق. يتعدد أنواع أصحاب الحاجات المادية والمعنوية ولا نستطيع حصرهم لكننا نلمح منهم من يلوذ بالليل وبالباب الموصد لإشباع حاجتهم المعنوية وتوفر حالة الليل والباب الموصد مكانا وزمانا للنس ّّاك والعابدين والزاهدين الذين يتخذون من هذه الحالة ست ار لكي لا يراهم الآخرون وهم يتعبدون ويقيمون شعائر دينهم وصلاتهم في الليل. وخلف الباب الموصد يكثر عبّّاد الله الذين يتخذون من هذه الحالة ست ار حتى لا تتكشف علاقتهم مع رب العباد خوفا من اتهامهم بالنفاق.. فالعبادة الخالصة تتم لله وحده، وفي الوحدة والاختلاء تتم العبادة في انشراح وسرية وتتفتح طاقات التواصل مع الخالق وتنزل عليهم أنوار الرضا والسكينة في ظل العزل والبعد والستر عن الناس وفرها باب موصد بعزيمة الرضا والبحث عن القبول وتجديد العهد مع الله في إيمان وصبر وحب وتقديم رسالة الطاعة والخضوع إلى الله الواحد القهار. الباب إذا من أعظم وظائفه الستر بنوعيه المعنوي والمادي لإنسان يريد أن يمارس عبادته وتبتله بخالقه وخصوصيته في وجدانه ومشاعره، واستسلامه وخضوعه بكل ما فيه للرحمن، حيث يجد المؤمن عزه في التذلل للواحد القهار وبلا رياء أو نفاق أو شبهة دنيوية. الناسك والعابد والساجد والمتجه إلى الله يجد حالته القصوى للبذل وللدفء للنفس الملتاعة خلف الباب الموصد في سكون ليل لا يطلع فيه على العباد ونواياهم وأفعالهم سوى الخالق المعبود. في الليل وخلف الباب الموصد ستلمح صنفا آخرمن أصحاب الحاجات الدنيوية .. الليل حين يوصد الباب على هؤلاء تتشكل عندهم حالة من الانتشاء والاشتهاء للمحبين والعشاق والباحثين عن الوصال مع الحبيب - فهم يتخذون من هذه الأجواء التي يوفرها الباب الموصد والليل العازل مدخلا لأن

عبد الفتاح صبري روائي وناقد مصري

دموع التوسل الباحثة عن ملاذ السماء وحول الله وقوته. خلف باب الليل تنهمرالدعة والسكوت للاستسلام لدورة الحياة التي تفرض الليل لباسا وسكونا وهدأة لإنسان كان يجري في دروب البحث عن الرزق والعمل والسعي باتجاه متطلبات الحياة له ولأسرته ولـمن يعولهم، ويشكّّل الباب الذي أحكم رتاجه في ظلام الليل جوا من الرضا والسكينة والاختلاء ويفتح في الداخل أقنية الدعة والانهمام بالنفس ومطالبها والحياة ومكابداتها. ويعاني أصحاب الحاجة المادية حين يخلون إلى أنفسهم وتطبق عليهم الجدران المظلمة خلف باب موصد فيشعرون أكثر بوطأة الحاجة - الفقير وصاحب الدين والمعوز الذي لا يمكنه الوفاء بالالتزامات اليومية له ولأسرته وتضيق به الدنيا يلوذ خلف الباب إلى الله يجأر بشكواه إليه حيث إنه يتعفف من الشكوى للعباد - فحالة السكون المظلم والباب الموصد تجعله يتجلى لنفسه باحثا عن خلاصه من عوزه وشدة حاجته إلى الله ليفرج عنه ويرزقه ويزيح الكرب لأن الشكوى إلى غيره قيد وعذاب، وهو سبحانه قاضي الحاجات ومص ّّرف الأرزاق وواهب العطاء. صاحب الحاجة الفقير الباحث عن رزقه وسط حياة لم توفر له سبل العيش الكريم أو العمل المناسب أو الوظيفة اللائقة كي يعتاش ويملأ بطون أولاده وأسرته؛ فإنه يلجأ خلف الباب إلى الله بالتضرع کي يفتح له دروب الرزق والعيش الكريم.. إنه هنا في ظلام الليل خلف الباب آمن من شرمعرفة الناس لحاله

49 2024 فبراير 292 / العدد

48 الباب وأصحاب الحاجات

Made with FlippingBook - Share PDF online