torath 292 - Feb -2024

ارتياد الآفاق

إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار رحلة إدريس الجعيدي السلوي إلى فرنسا - بلجيكا - م 1876 إنجلترا - إيطاليا عام

محمد عبد العزيز السقا الرحلات في خزانة أدب الرحلة العربية الكلاسيكي على أنواع عدة، أهمها الرحلات الحجازية، التي برع فيها المغاربة وكان لهم على دروبها معالم وأثقال، لكن الذي يكشفه مقال اليوم هو نوع آخرلا يقل أهمية عن الرحلات الحجازية، وهو فيها بصمة واضحة، ) 1 ( الرحلات السفارية، التي كان للمغاربة بحكم موقعهم الجغرافي في نقطة التقاء بلاد العرب بالغرب الأوروبي الطامح لتوسيع نفوذه في شمال أفريقيا، بدأها بغزو م، ثم فترة اختلال موازين القوى، التي 1415 مدينة سبتة عام قادت لمواجهة حربية غيرمتكافئة مع فرنسا، انتهت بالهزيمة م، 1830 م، واحتلال فرنسا للجزائر عام 1744 في إسلي عام م، وانعكست هذه 1860 وهزيمة المغرب أمام الإسبان عام الأحداث على أدب الرحلات، فمتطلبات المرحلة استدعت ضرورة تنقل السفراء المغاربة إلى أوروبا لحل المشكلات العالقة كافتداء الأسرى، وإبرام معاهدات الصلح، ومع بداية القرن التاسع عشرالميلادي، ارتبطت المشكلات بحل معضلة الحماية القنصلية، وتحديد الحدود الشرقية مع الجزائر، والتخفيف من وطأة الغطرسة الأوروبية المتزايدة، التي آلت إلى فرض الحماية على المغرب. وتأسيسا على تلك الدعامة التاريخية، فإنه يصح القول إن دوافع الكتابة عند كل مبعوث مغاربي إلى أوروبا ليست على نسق سواء، ومحل الحديث اليوم هو مشاهدات إدريس الجعيدي السلاوي في رحلته «إتحاف الأخيار بغرائب الأخبار» وقد كان ) 2 ( يشغل منصب كاتب مرافق للسفير الحاج محمد الزبيدي في سفارته إلى فرنسا وبلجيكا وإنجلترا وايطاليا صيف عام م، ورغم أنه لم يكن صاحب منصب كبير، فإنه قام 1876 بتدوين تفاصيل الرحلة السفارية إلى أوروبا، مع العلم أنه لم يتلق أوامر سلطانية رسمية بكتابتها، ولم يطلب الإذن بذلك،

للموضوع وتحديد للغاية، في تواضع واعتذارعن عدم استيفائه للمقصود، ومن خلال صفحات الكتاب يمكننا رؤية المستوى الفكري والعلمي للمؤلف، ومتانة تكوينه في علم الحساب والهندسة، ويمكننا أن نلمح مكانته التي حازها بين أفراد البعثة المغربية، وشخصيته التي فرضت حضورها عند التعاطي مع الأشياء التي تحتاج إلى الدراية العلمية والإحصائية، لقد ابتعد المؤلف عن الاستطراد والحشو واستخدم تقنيات الحركة والتنقل مع الدقة في وصف الأحداث والمشاهدات، ولكن اللغة العربية قد أعوزته في بعض الأوقات إلى التعبير باللغة الأجنبية خاصة في المستحدثات العلمية، إضافة إلى الخطأ

وقد بقيت رحلته مغمورة لأكثر من قرن من الزمان، حتى إنك لا تجد لها ذك ار في الأدلة التاريخية والكشافات، وقد كشفت ) 3 ( مقدمة المخطوط الذي حققه الدكتور عز المغرب معنينو أن الفضل في حث الجعيدي وتحفيزه على تسجيل تفاصيل رحلته يعود إلى صديقه المؤرخ أحمد بن خالد الناصري، حيث يقول: «... سيدي أحمد الناصري اقترح علي أن أجعل في سفري، وأستغرق نهاري وسهري، في كتابة رحلة تكون جامعة لكل خبر غريب، ولما نراه في الأوطان من كل أمر عجيب، إلى غير ذلك مما لا يخطر بالضمير... فكتبت له مجيبا ًً... سأجعل بحول الله تقييداًً... وأجبته بمضمن ذلك تسلية لخاطره من

باب الوعد الذي لا يجب الوفاء به...». يقول محقق الكتاب: لم يشرع الجعيدي في كتابة رحلته عند خروجه من سلا متوجها إلى طنجة، غير أن أمين مرسى طنجة عبد القادر غنام ذكّّره من جديد بضرورة تسجيل تفاصيل رحلته هذه إلى أوروبا، فشرع حينئذ في كتابتها بطنجة قبل وصول الفرقاطة الفرنسية التي نقلتهم إلى مرسى مارسيليا. السرد والسياق في مقدمة رحلته رسم الجعيدي الخطوط الأساسية لمنهجه في الكتابة، حيث قسّّم رحلته إلى أجزاء وأبواب مع تصور

57

56

2024 فبراير 292 / العدد

م 1876 رحلة إدريس الجعيدي السلوي إلى فرنسا - بلجيكا - إنجلترا - إيطاليا عام

Made with FlippingBook - Share PDF online