torath 292 - Feb -2024

ارتياد الآفاق

رسما ولغة في بعض المواضع، كما استخدم بعض الألفاظ العامية المغربية للتعبير عن مشاهدات التمدن الأوروبي. وعلى الجانب السياسي جاء حديثه مختص ارًً، مع تنوع الموضوعات التي عالجتها الرحلة متكئا على السماع والمشاهدة والوصف والوعي والدراية مع الالتزام بالموضوعية والصدق، وقد دفعه شعوره بالمسؤولية إلى النفاذ والكشف وسبرالأغوار، والوقوف على التفاصيل لذا فقد جاء حديثه عن الحضارة الغربية بنبرة توحي بالتبن ّّي، مع صرامته في رفضه الذاتي للافتخار بالنموذج الغربي، فيبدي إعجابه بالصنائع المستحدثة يستحسنها، ويجافي طريق عيشهم وطقوسهم ويستنكرها ويستعيذ من الاغترار بها براءة لدينه ومعتقداته. العودة والثناء في سلا والرباط

أنهما صنعا قبل تاريخه بأكثر من خمسمئة سنة، فتناولت أحدهما من يد، ووضعت حرف المضادة على أول درجة في الحمل، فوافقت اليوم الخامس عشر من مارس، فقلت لهم: هذا الإسطرلاب صنع قبل أكثرمن ستمئة سنة عجمية... فسلم ذلك. قبب الأطباء وجثث التشريح يقول: ثم أدخلونا إلى قبب الأطباء وعلماء التشريح، فوجدنا صورة امرأة متجردة ملقاة على سرير كأنها ميتة، يحكون أنها مثال امرأة ماتت نفساء أثناء الولادة، وفي جدران هذه القبة صور الجنين الذي يكون في الرحم من بعد ثمانية عشر يوما ًً، إلى الأربعين إلى شهرين، وثلاثة وأكثر، إلى تسعة أشهر، وكل صورة منفردة في مكان وحدها. ثم صورة امرأة ب ُُقر عن بطنها والمولود الذي فيه قد نكس رأسه كأنه يريد الخروج، وفي محل آخرصورة التوءمين كيف يكونان في البطن رأس أحدهما عند رجل الآخر، ثم صورة آدميين كبار فتح على بطونهم، وصو ّّروا صورة الأمعاء والقلب والكبد والرئة وغير ذلك، وتبينوا جميع العروق التي في البدن القوية والضعيفة وكيفية تشابكها في بدن الإنسان. جعبة صفر الكهربائية لما أعجبوا في متحف فلورنسا بالجعيدي وبقدراته العلمية، أطلعوه على تجربة علمية حديثة تتمثل في آلة تعمل على تحويل الطاقة الميكانيكية الناتجة على تدوير اليد الحديدية لموصل معدني داخل حقل مغناطيسي دائم، (زاجة مستديرة)

بعد عودة الجعيدي من أوروبا إلى مسقط رأسه سلا، أطلع علماء سلا والرباط على مسودة رحلته، فنوهوا بقوته في وصف كل عجيب وغريب شاهده في أرض الروم، وفي مقدمتهم المؤرخ العلامة الناصري الذي وصفه بأنه الفقيه الأديب فلكي العصر وحاسبه، وأنه قد شملت (رحلته) كل غريب ونادرة، وأفصحت عن صنائع الفرنج وحيلها العجيبة». ومدحه الرباطي بأنه من المولعين بالرياضيات والهندسة والتعديل والرصد، وذكر أنه رحل إلى أوروبا وسواها ووصف كتابه بأنه تقييد

إلى طاقة كهربائية، تزامن وجود الجعيدي في بروكسل ولندن مع إقامة المعارض الصناعية أيضا وجملة ما فيها يحتاج اٍٍلى مجلد كبير حسب قوله، تشترك فيه الأمم جميعها، ويتلاقى فيه أهل الأبحاث والأشغال، وقد خصه الجعيدي بدراسة مطولة لكل النوادر العلمية التي تعرض بالمجلد لأول مرة قبل تسويقها، فهي غريبة وعجيبة، ليست على الجعيدي ومجتمعه بل حتى على الأوروبي الذي قطعت نخبته أشواطا في ميدان التصنيع، ومنها الرجل الذي يغوص بصهريج الماء والتي تعتبر أولى محاولات الغطس تحت الماء، كما خص بالبحث المستفيض في بروكسل آلية تغويز الفحم الحجري الذي يستعمل في الإنارة والطهي في المدن الكبرى. دار المطبعة Imprimerie في زيارته دار المطبعة، ويقصد المطبعة الوطنية وهي معمل ضخم أسسه الملك لويز الثالث عشر Nationale م، يقول: «... خرجنا 1876 م، زارها الجعيدي عام 1640 عام لدار المطبعة فدخلنا لبيت منها وجدنا في وسطه تأليف الإمام سيدي خليل بخط المطبعة بالعربي، والقاموس (يقصد المحيط للفيروز آبادي) لكنه مميز بخطهم، وهذا البيت مربع يحيط به خزانات عديدة، قيل إن جميع الخطوط التي تقدمت في سالف الدهر، مع الموجود منها اليوم، كلها مقيدة محفوظة هناك حتى الخط السرياني، وسموا لنا خطوطا كثيرة ما سمعتها قط، وعددت هناك ما يزيد على العشرين خطاًً، فما استوعبت نصفها. وخرجت تابعا لأصحابنا، فدخلنا لدار

سمّّاه «الوحوش الميتة» في بروكسل، حيث وقعت عيناه لأول مرة على الهياكل العظيمة للحيوانات كالماموث المنقرض في العصر الحجري، وركز على وصف الحيوانات النادرة أو المجهولة، ثم تناول علم المناجم والمعادن، ثم النباتات المجففة، وأخي ار البقايا البشرية

أو (علم الأجناس البشرية)، كتب يقول: « ... دار فيها وحوش كثيرة لكنها ميتة وحشيت جلودها حتى مُُلئت، فيتخيل للناظر أنها أحياء، فدخلنا إليها، فرأينا فيها أسدا من أسد الغرب (المغرب) في خزانة زاج، ذكر أن مولانا السلطان المقدس بالله ومولانا عبد الرحمن أسكنه الله فسيح الجنان، كان وجهة لكبير دولة البلجيك، وأنه عاش عنده اثنتي عشرة عاما ومات، فأخذ جلده وحشي، وجعل الكافور في رأسه، فبقي على حالته حين كان حياًً... مثل ما في جنان باريس من الحيوان الحي إسطرلابات المسلمين في فلورنسا وقد أثبت من غير قصد ما للمسلمين من فضل في متحف العلوم في مدينة فلورنسا الاٍٍيطالية وقد سم ّّاها «دار العلماء والمهندسين والفلكيين»، حيث شاهد إسطرلابات عديدة قال عنها: «.... ورأيت فيها إسطرلابين من عمل المسلمين... فذكر

حافل يقع في ثماني كراريس...»، كما قام المؤرخ محمد بن علي الدكالي السلاوي بقراءة الرحلة وأضاف بعض الحواشي على هوامش بعض صفحاتها بخط يده. مشاهدات من الرحلة الوحوش الميتة في بروكسل اجتهد الجعيدي في إنجاز المهمة في وصف صنائع الفرنج وحيلهم العجيبة، لأن أصداء مخترعات الغرب، كانت تصل إلى المغاربة عن طريق التجار والعوام ناقصة ومشوهة كأنها من أعمال السحر والطلاسم لذلك تعتبر رحلته مفتاحا لطرحها وفك شفرتها، ومن هذه الصنائع الأوروبية التي التفت إليها الجعيدي في كتابه كانت المتاحف العلمية ومنها متحف التاريخ الطبيعي الذي

59

58

2024 فبراير 292 / العدد

م 1876 رحلة إدريس الجعيدي السلوي إلى فرنسا - بلجيكا - إنجلترا - إيطاليا عام

Made with FlippingBook - Share PDF online