أدب ونقد
الإدهاش الذي يرفع من جودة النص الشعري ومن فحوى خطابه على الصعيد الفني والمضموني أيضا وهو في سياق ذلك يختار لقارئه القلق ويقدمه له بصورة بصرية يقول فيها: (يتدلى القلق من الشرفة إلى أدنى مؤشراته وتكاد تتخلى عنه عيونه ليس طويلا كالوقت أو كالنص تصاحبه الظروف العمر تكشفه اللحظة وهو يهرب ) 10 ( بالمزيد من الأيام ..) وبعدئذ ينتقل الدكتور هيثم يحيى الخواجة في كتابه (لعبة اللغة والدلالة في قصيدة النثر الإماراتية) إلى محاولة إظهار ملامح هذه القصيدة عند شعراء إماراتيين آخرين، كاشفا من خلال نواحيها الفنية والجمالية ما يشغل أناهم الفردية وما رصدوه من آمال وآلام الأنا الجماعية وللإحاطة بما توصل إليه الكاتب والناقد الدكتور هيثم يحيى الخوجة في عوالم أولئك الشعراء، سنفرد لهم مساحة أخرى مستقلة ومقاربة جديدة نتبين ما تركته قصائدهم في مرايا النقد كاتب وأديب من سوريا المصادر والمراجع: ـ لعبة اللغة والدلالة في قصيدة النثر الإماراتية، الدكتور هيثم يحيى الخواجة، 1 م. 2015 ، 1 وزارة الثقافة والشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة، أبوظبي، ط ـ الشعر كيف نفهمه ونتذوقه، إليزابيت دور، ترجمة محمد إبراهيم الشوش، 2 م. 1961 مكتبة منيمنة، بيروت ونيويورك، ـ لعبة اللغة والدلالة في قصيدة النثر الإماراتية، الدكتور هيثم يحيى الخواجة، 3 م، 2015 ، 1 وزارة الثقافة والشباب في دولة الإمارات العربية المتحدة، أبوظبي، ط . 24 ص ـ مجموعة مس، شعر إبراهيم الهاشمي، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، المجمع 4 م. 2010 الثقافي،أبوظبي، . 7 ـ المرجع السابق نفسه ص 5 م. 2003 ـ مجموعة تركت نظرتي في البئر، شعر إبراهيم الملا، الشارقة، 6 . 7 ـ المرجع السابق نفسه ص 7 ـ مجموعة يحدث هذا فقط، شعر أحمد عيسى العسم، اتحاد كتاب وأدباء 8 م. 2008 ، الشارقة، 2 الإمارات، ط ـ الشعرونهايات القرن، أوكتافيو باث، ترجمة ممدوح عدوان، دارالمدى للطباعة 9 م. 1998 والنشر، دمشق، ـ مجموعة ليل يبتل، شعر أحمد عيسى العسم، وزارة الثقافة والشباب واتحاد 10 . 73 م، ص 2012 كتاب وأدباء الإمارات،
أكدنا عليها معتمدا في ذلك على العديد من نتاجات الوسط الشعري المحلي الإماراتي والعربي أيضا إلا أنه في القسم الثاني من كتابه يتوقف عند تجارب محددة ومنحصرة بشعراء من دولة الإمارات العربية المتحدة ويختار منهم على نحو متسلسل: إبراهيم الهاشمي، وإبراهيم الملا، وأحمد العسم، وحبيب الصايغ، وعبد الله محمد السبب، ومروى الخانجي، والهنوف محمد .. وفي مقاربته لتجربة إبراهيم الهاشمي من يجد الناقد الخواجة أن قصيدة ) 4 ( خلال مجموعته (مس) النثر عنده ليست ترفا هائما في زخرف الكلام بقدر ما هي تعبير مفعم بانكسارات الحياة المأزومة والواقع المعتل الذي ينغمس فيه الفرد والجماعة وبذلك لا ينفصل الهم الفردي عن الهم الجماعي عند الشاعر الهاشمي الأمر الذي يجعل نصه الشعري مستفيضا بالضمير العائد على الجماعة (نا) منتقلا عبره من الذاتي إلى الموضوعي للتأكيد على وحدة الألم والأمل الإنساني ولربط الخلاص الفردي بالخلاص الجماعي. ويعبر الشاعر إبراهيم الهاشمي عن ذلك بقوله:
(نغزل ما نشاء لنا نسير نحو أرواحنا نصنع من أقدامنا أجنحة للمسير نهدد الريح نعانق النجوم نخوض في أصواتنا نتعلم كيف نرى ) 5 ( ثم نصحو لننام في الصحو..)
التي مسحت بها جبيني مثل رائحة مضيت لم أترك ورائي قتلى ولم أطأ الأرض التي تشبهني ِِوضعت جسدي في القمصان ولم أنتظر عينيك تركت نظرتي في البئر ِِومضيت .. في النسيان أحببتك ) 7 ( ) وفي النسيان دفنت اليأس ..
عبر عوالم التخييل الشعرية ما أكسب تراكيبه وجملته بنية تعبيرية غنية بالصورالقائمة على معاكسة المعاش ومشاكسة اختلاله ضمن نصوص مفعمة بالقلق الذي لا يركن للخلل الحياتي المو ّّار بأزمات مفتوحة على الاستمرار رابطا عبرها بين معاناة الأجداد السادرة في ماضيها ومعاناة الأبناء والأحفاد وكأن نهر المعاناة الإنسانية سيبقى دائم الجريان ولو بتدفق مختلف الأمر الذي انطلق منه أحمد العسم نحو المآل الذي تمضي إليه الحياة برمتها وملأ من معينه نصه النثري بالأسئلة حينا وبالرفض والاحتجاج والتمرد حينا آخر، وذلك وصولا إلى المجابهة التي لا سبيل عنها في نهاية المطاف، وفي سبيل ذلك يصادق البحر ويصاحب النخيل ويمضي إلى مؤاخاة الطبيعة كاستثمار لعناصر المكان ضمن الفضاء الدلالي المشحون في أتون المعركة الحياتية المتصاعدة جاعلا من الطبيعة حليفا في هذه المجابهة وهو بذلك يستفيد من مقولة «بول فاليري» التي ينحدر منها ) 9 ( من أن القصيدة هي تطوير لصيغة التعجب
وينتقل الدكتور هيثم الخواجة بعدئذ إلى تجربة الشاعر إبراهيم الملا معتمدا على مجموعته (تركت نظرتي في البئر) التي يبدو من خلالها الملا قد اعتمد على الأنساق اللغوية ) 6 ( وانزياحاتها وعلى الانشطار والتشظي الدلالي تاركا بذلك نصه ليأخذ أبعادا فلسفية متعددة المعنى فلا يكون الوطن في نصه مجرد أرض وجغرافية ولا تبقى الأنوثة مجرد امرأة جراء غربة الذات، فردا ومجموعة، في واقع لا تستقيم فيه الحياة على صورتها المشتهاة. وهو ما حمل الشاعرعلى الاعتماد على تقنية التداخل بين الواقع والحلم والمضي بالتسجيلي الى نقيضه عبر التخييل للانتصار بالحلم على اعتلال الواقع باعتبار أن الشعر لغة حلمية حسب تعبير الشاعر الفلسطيني محمود درويش. يقول إبراهيم الملا بتراكيب هذه اللغة الحلمية: (وفي الأيام
ويقارب الدكتور هيثم يحيى الخواجة بعدئذ قصائد الشاعر أحمد عيسى العسم النثرية من خلال مجموعته (يحدث هذا ومنذ الأسطرالأولى لا يوارب في احتفائه بهذه القصائد ) 8 ( فقط) معللا ذلك بغناها الدلالي وقدرة شاعرها على كثرة التجوال في الواقع المتأزم والأخذ به إلى واقع آخر فني تتشكل آفاقه
65
64
2024 فبراير 292 / العدد
) 1 ( قصيدة النثر الإماراتية في المقاربات النقدية
Made with FlippingBook - Share PDF online