دراسات إماراتية
إن غيّّمت سماها أبشر بماها: وهذا المثل نابع من خبرة العامة في تقلبات الطقس الشتوي، فإذا ما تكاثفت الغيوم وصار لونها قاتماًً، فهذه بشرى خير وتفاؤل بنزول المطر، وبه تتميزالغيمة الصادقة عن الغيوم البيضاء التي يسم ّّونها كاذبة لأنها غيرمطيرة ََر الغيم يدوم والرب رحوم: وبه يأمل الناس استمرا نزول الغيث الذي يسمّّونه الرحمة، ولأهمية المطر يدعون ربهم سبحانه وتعالى أن يجعل رحمته دائمة، وأن يجعل المطر سُُقيا رحمة ونفع، وليس مطر تخريب وغرق وشقاء. قطرة على قطرة تطوّّل غدير: ويستخدمه قائلوه لبيان أهمية الكمية القليلة من كل شيء إذا ج ُُمعََت مع مثيلاتها، ورغم وجود مرادفات لهذا المثل في كل اللغات، فإن منطقة الخليج جعلت المعنى في إطار الخصوبة والمطر، فالقطرات المتكاثرة تصنع ساقية، والسواقي تصنع غديارًً، والغدران تسيّّر وادياًً، ومصبّّات الوديان والسيول تصنع أنها ارًً. سيل ما يبلّّلك ما يهمّّك: فمن المعروف أن أمطار ًًا غزيرة الهطول، ونظر ة � الصحراء تأتي مفاجئ للانحدارات وتضاريس المكان تدلف تلك المياه إلى المنخفضات، فتجري الوديان بالسيول القوية التي قد تجرف كل ما في طريقها، وينتفع الناس بالسيول برؤية مياهها وفيضانها الغامر، والسدود التي تحجزها وتد ّّخرها لموسم الجفاف، وري أطراف الوادي الذي يجري فيه السيل، أما إن كانوا بعيدين عن وادي السيل فلن ينتفعوا به، والمثل يؤكد على مصلحة الفرد وانتفاعه بما له دون تدخ ّّل أو فضول في شؤون الآخرين. غريق الماء ولا غريق الظمأ: وهذا المثل يؤكد على أهمية الماء في الحياة، فما دام الغرق مؤكدا فإنه مع الارتواء أفضل منه على الظمأ، لأن الارتواء يشك ّّل حالة إيجابية واحتياجا ملح ّّا للكائنات الحية، وكأنها إذا غرقت مرتوية فكأنها لم تعد متحسّّرة على العطش، ويُُروى المثل بتخفيف الهمزتين في كلمتي (الماء، الظمأ) على لهجة العامة وسهولة النطق. فرّّة الحابول بالشتا: حيث من المعروف أهمية الحبل الذي به يتسلق العامل النخلة ويرقى لسعفاتها،
طقوس الشتاء في الأمثال الشعبية الإماراتية
عبد الر ّّزاق الدرباس ارتبط فصل الشتاء بفرحة نزول الغيث وأحوال الطقس، وبالأساطير المحكيّّة والأمثال الشعبية لدى معظم الشعوب، وتتنوّّع تلك الحكايات والأمثال وفقا لثقافة المنطقة، وعلاقة أهلها بهذا الفصل من فصول السنة، وخاصة في المناطق الصحراوية الخالية أو البوادي المأهولة، فهو في طقوسه وأمطاره وثلوجه وظلمة لياليه وشد ّّة أيامه، ورحلات التخييم (شب ّّة النار) ومغامرات الصيد، والأحوال الاجتماعية كان منبعا في ّّاضا لكثيرمن الأقوال التي جاء بها أهل الأمثال، وفي هذا الإطار سنتعرّّض لفصل الشتاء وتوظيفه في التراث الشفوي والأمثال الشعبية لدولة الإمارات العربية المتحدة خاصةًً، وإقليم الخليج العربي عامة. فالأمثال الشعبية إرث تراثي متداول سائر، يتجاوز الزمن بمرور الأجيال، ويتخط ّّاه، وتمتاز الأمثال الشعبية بتكثيف العبارة وقوة المعنى، بأسلوب جميل مسجوع يسه ّّل حفظها، وهي خلاصة تجربة الكبارللصغار، وحكمة القدماء التي تستفيد منها الأجيال التالية، وغالبا ما ترتبط الأمثال بحكاية حقيقية أو من نسج الخيال، فيكون تكرار المثل موجودا لدى أي حالة مشابهة، وفي دولة الإمارات العربية المتحدة ي ُُطل ََق على المتكل ّّم بالأمثال الشعبية لفظ (الم ُُتوص ّّف)، وعلى اعتبار الشتاء أحد فصول السنة المؤثرة في حياة الناس فقد ورد ذكره في الكثير من أمثالهم التراثية المتداولة شعبيا ًً، ومن ذلك: الدفا عفا والبرد سبب كل علّّة: ويُُضرََب هذا المثل في الشتاء للتحذير من مخاطر البرد لأنه يسبب الكثير من العلل والأمراض، ويوض ّّح أهمية وجود الدفء لأنه من ضرورات الحياة في هذا الفصل، كما يبين أن توافر الدفء يقوي العافية والمناعة، ضد ما يأتي به الشتاء من أمراض بسبب برودة الطقس.
73
72
2024 فبراير 292 / العدد
طقوس الشتاء في الأمثال الشعبية الإماراتية
Made with FlippingBook - Share PDF online